وبالسند قال:
881 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التنيسي (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ) بالتصغير (مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ) ذكوان.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ) من اسم موصول من الألفاظ العامة يقع على الواحد والمثنى والمجموع مذكرًا ومؤنثًا بلفظ واحد، فيشمل الذكر والأنثى والخنثى والحر والعبد والصغير والكبير ومثنياتها وجموعها بلفظ واحد فيشمل هنا من يريد صلاة الجمعة من هؤلاء.
وقوله: يوم الجمعة يدل على أنه لا يدخل وقته إلا بطلوع الفجر، ويسن لمريد حضور الجمعة وإن لم تكن واجبة عليه.
قال ابن رجب: فإن اغتسل قبل دخول يوم الجمعة لم يأت بسنة الغسل كما لو اغتسل بعد صلاة الجمعة وممن قال: لا يصيب السنة بالغسل للجمعة قبل طلوع الفجر مالك والشافعي وأحمد وأكثر العلماء.
وأجازه الأوزاعي وهذا الحديث حجة عليه، وكذا حديث غسل الجمعة واجب على كل محتلم، وحكي عن أحمد: أنه يكفي سحرًا أيضًا وهو وجه للشافعية، وروي عن الشعبي ومجاهد انتهى.
وعند الحنفية: إذا صلى الجمعة بطهارة الغسل حصل على السنة ولو كان اغتساله قبل الفجر فإن انتقض وضوءه قبل أن يصلي به فاتته السنة إلا أن يغتسل ثانيًا.
ج 2 ص 718
وقوله: غسل الجنابة: منصوب على أنه مفعول مطلق مبين للنوع؛ أي: مثل غسلها كقوله تعالى: {وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} [النمل:88] ؛ أي: مثل غسل الجنابة في تعميم البدن بالماء لا غسل أماكن الرائحة الكريهة فقط.
وفي مراعاة شروطه وسننه وآدابه فالتشبيه راجع إلى كيفيته لا إلى حكمه ليكون واجبًا.
ويدل له رواية ابن هامان: (( من اغتسل غسل الجمعة ) )ورواية عبد الرزاق عن سُمي: (( فاغتسل أحدكم كما يغتسل من الجنابة ) )وهو قول الأكثرين.
قال ابن الملقن: وأبعد من قال: إنه حقيقة حتى يستحب للرجل أن يواقع زوجته ليكون أغض لبصره وأسكن لنفسه وإن كان يؤيده حديث أوس في السنن الأربعة: (( من غسل يوم الجمعة واغتسل ) )الحديث على تفسير اغتسل بغسل الجنابة، والأشبه فيه حمل غيره على الغسل بالحث والترغيب وأبعد أيضًا من قال: المراد غسل ثيابه واغتسل بجسده انتهى.
وفي (( الفتح ) )قال النووي: ذهب بعض أصحابنا إلى هذا؛ أي: إلى أن المراد به الجماع ثم الغسل بعده وهو ضعيف أو باطل والصواب الأول انتهى.
وقد حكاه ابن قدامة عن الإمام أحمد وثبت أيضًا عن جماعة من التابعين.
وقال القرطبي: إنه أنسب الأقوال فلا وجه لادعاء بطلانه وإن كان الأول أرجح ولعله عني أنه باطل في المذهب انتهى كلام صاحب (( الفتح ) ).
وقال ابن رجب بعد حكاية هذا القول: وهذا هو المنصوص عن أحمد، وحكاه عن غير واحد من التابعين منهم هلال بن يساف وعبد الرحمن بن الأسود وغيرهما.
وروي عن عبد الرحمن بن الأسود أنه قال: كان يعجبهم أن يواقعوا النساء يوم الجمعة؛ لأنهم قد آثروا أن يغتسلوا وأن يغسلوا انتهى.
ولفظ حديث السنن المروي عن أوس الثقفي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( من غسل يوم الجمعة واغتسل وبكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام واستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها ) )، قال الترمذي: حديث حسن انتهى.
وغسل بالتخفيف على الأرجح؛ أي: غسل رأسه أو زوجته.
وقال العيني: ثم اختلفوا في معنى غسل الجنابة فقال قوم: إنه حقيقة حتى يستحب أن يواقع زوجته ليكون أغض لبصره وأسكن لنفسه، قالوا: ويشهد لذلك حديث أوس الثقفي، ثم أورد الحديث المتقدم ثم قال: معنى قوله غسل وطئ امرأته قبل الخروج إلى الصلاة، يقال: غسل الرجل امرأته وغسلها مشددًا ومخففًا إذا جامعها وفحل غسلة إذا كان كثير الضراب انتهى.
ومعنى قوله في الحديث: بكر بالتشديد؛ أي: أتي بالصلاة في أول وقتها وهو الأشهر، وبالتخفيف خرج من بيته باكرًا، وابتكر؛ أي: أدرك أول الخطبة أو تأكيد.
(ثُمَّ رَاحَ) قال في (( الفتح ) ): زاد أصحاب (( الموطأ ) )عن مالك في الساعة الأولى انتهى.
وقال العيني: ثم راح؛ أي: ذهب أول النهار ويشهد لهذا ما رواه أصحاب (( الموطأ ) )عن مالك في الساعة الأولى، قال مالك: المراد بالساعات هنا لحظات لطيفة بعد زوال الشمس.
وبه قال القاضي حسين وإمام الحرمين والرواح عندهم بعد الزوال وادعوا أن هذا معناه في اللغة.
وقال جماهير العلماء باستحباب التبكير إليها أول النهار، وبه قال الشافعي وابن حبيب المالكي والساعات عندهم من أول النهار، والرواح يكون أول النهار وآخره.
وقال الأزهري: لغة العرب أن الرواح الذهاب سواء كان أول النهار أو آخره، أو في الليل وهذا هو الصواب الذي يقتضيه الحديث، والمعنى: لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الملائكة تكتب من جاء في الساعة الأولى وهو كالمهدي بدنة ثم من جاء في الساعة الثانية ثم الثالثة ثم الرابعة ثم الخامسة.
وفي رواية النسائي السادسة فإذا خرج الإمام طووا الصحف ولم يكتبوا بعد ذلك، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (( كان يخرج إلى الجمعة متصلًا بالزوال ) )وهو بعد انقضاء الساعة السادسة، فدل على أنه لا شيء من الفضيلة لمن جاء بعد الزوال.
ولأن ذكر الساعات إنما كانت للحث على التبكير إليها والترغيب في فضيلة السبق وتحصيل الصف الأول وانتظارها والاشتغال بالتنفل والذكر ونحو ذلك.
وهذا كله لا يحصل بالذهاب بعد الزوال ولا فضيلة لمن أتى بعد الزوال؛ لأن النداء يكون حينئذ ويحرم التخلف بعد
ج 2 ص 719
النداء.
قلت: الحاصل أن الجمهور حملوا الساعات المذكورة في الحديث على الساعات الزمانية كما في سائر الأيام، وقد روى النسائي: أنه صلى الله عليه وسلم قال: (( يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة وأما أهل علم الميقات فيجعلون ساعات النهار ابتداءها من طلوع الشمس ويجعلون الحصة التي من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس من حساب الليل واستواء الليل، والنهار عندهم إذا تساوى ما بين المغرب وطلوع الشمس، وما بين طلوع الشمس وغروبها، فإن أريد الساعات على اصطلاحهم فيكون ابتداء الوقت المرغب فيه لذهاب الجمعة من طلوع الشمس وهو أحد الوجهين للشافعية.
وقال الماوردي: أنه الأصح ليكون قبل ذلك من طلوع الفجر زمان غسل وتأهب.
وقال الروياني: إن ظاهر كلام الشافعي أن التبكير يكون من طلوع الفجر وصححه الروياني وكذا صاحب المهذب قبله ثم الرافعي والنووي.
ولهم وجه تأليف أن التبكير من الزوال كقول مالك، حكاه البغوي والروياني، وفيه وجه رابع حكاه الصيدلاني أنه من ارتفاع النهار وهو وقت الهجير.
وقال الرافعي: ليس المراد من الساعات على اختلاف الوجوه الأربع والعشرين التي قسم اليوم والليلة عليها وإنما المراد ترتيب الدرجات وفضل السابق على الذي يليه انتهى.
(فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ) بتشديد الراء (بَدَنَةً) : أي: تصدق بها وهي من الإبل ذكرًا أو أنثى والتاء فيها وفيما بعدها للوحدة لا للتأنيث.
وقال العيني: والبدنة تطلق على الإبل والبقر وخصصها مالك بالإبل، ولكن المراد هنا من البدنة الإبل بالاتفاق لأنها قوبلت بالبقرة وتقع على الذكر والأنثى.
وقال بعضهم: المراد بالبدنة هنا الناقة بلا خلاف، قلت: فيه نظر فكأن لفظ الهاء فيه غرة وحسب أنه للتأنيث وليس كذلك، فإنه للوحدة كقمحة وشعيرة ونحوهما من أفراد الجنس سميت بذلك لعظم بدنها انتهى.
وأجاب في (( الانتقاض ) )فقال: ليس هذا النظر صحيحًا فإنما المراد تخصيص الإبل دون البقر والغنم، فأراد صاحب (( الفتح ) )رد ذلك ومع ذلك فالذي في شرح ألفاظ المزني للأزهري البدنة لا تكون إلا من الإبل وأما الهدي فمن الإبل والبقر والغنم انتهى.
أقول: ويدل لذلك ما ذكره صاحب (( الفتح ) )قبل ذلك بيسير بقوله، والمراد بالبدنة البعير ذكرًا كان أو أنثى والهاء فيه للوحدة لا للتأنيث، وكذا في باقي ما ذكر فكيف يظن به أنه توهم أن التاء للتأنيث، والمعنى إن ذهب لصلاة الجمعة في الساعة الأولى من النهار بعد الاغتسال لها فكأنما تصدق ببدنة متقربًا بها إلى الله تعالى.
وفي رواية ابن جريج عند عبد الرزاق: (( فله من الأجر مثل الجزور ) )، يحتمل أن يكون على تقدر [1] مضافين؛ أي: مثل أجر إهداء الجزور، ويحتمل أن يكون المراد أن الأجر لو تجسم لكان قدر الجزور.
قال في (( الفتح ) ): وقيل: ليس المراد بالحديث إلا بيان تفاوت المبادرين إلى الجمعة، وأن نسبة الثاني إلى الأول نسبة البقرة إلى البدنة في القيمة مثلًا، ويدل عليه أن في مرسل طاووس عن عبد الرزاق كفضل صاحب الجزور على صاحب البقرة.
(وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً) قال العيني: التاء فيها للوحدة، قال الجوهري: البقر اسم جنس والبقرة تقع على الذكر والأنثى وإنما دخله الهاء للدلالة على أنه واحد من الجنس، والباقر جماعة البقر مع رعاتها والبيقور البقر، وأهل اليمن يسمون البقرة باقورة وهو مشتق من البقر وهو الشق فإنها تبقر الأرض؛ أي: تشقها بالحراثة انتهى.
(وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ) وصفه به؛ لأنه أكمل وأحسن صورة ولأن قرنه ينتفع به ولأنه يكون سمينًا غالبًا لدفعه بقرنه من يزاحمه في المرعى، وجمع الكبش أكبش وكباش وأكباش.
(وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً) قال العيني: بكسر الدال وفتحها لغتان مشهورتان، وحكي الضم أيضًا.
وعن محمد بن حبيب: أنها بالفتح من الحيوان، وبالكسر من الناس والدجاجة تقع على الذكر والأنثى، وسميت بذلك لإقبالها وإدبارها وجمعها دجاج ودجائج ودجاجات، ذكره ابن سيده.
ج 2 ص 720
وفي (( المنتهى ) )لأبي المعالي: فتح الدال في الدجاج أفصح من كسره ودخلت الهاء في الدجاجة؛ لأنها واحدة من جنس مثل حمامة وبطة وكما جاءت الدال مثلثة في المفرد فكذلك يقال في الدجاج بتثليث الدال انتهى.
(وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً) واحدة البيض والجمع بيوض، وجاء في الشعر بَيَضَات قال أخو: بَيَضَاتٍ رائح متأوب.
قال في (( الفتح ) ): واستشكل التعبير بالدجاجة والبيضة بقوله في رواية الزهري: كالذي يهدي لأن الهدي لا يكون منهما.
وأجاب القاضي عياض تبعًا لابن بطال: بأنه لما عطفه على ما قبله أعطاه حكمة في اللفظ فيكون من الإتباع كقوله متقلدًا سيفًا ورمحًا، والذي يظهر أنه من باب المشاكلة وإلى ذلك أشار ابن العربي بقوله: هو من تسمية الشيء باسم قرينه.
وقال ابن دقيق العيد: قوله: قرب بيضة وفي الرواية الأخرى كالذي يهدي يدل على أن المراد بالتقريب الهدي وينشأ من أن الهدي يطلق على مثل هذا حتى لو التزم هديًا هل يكفيه ذلك أو لا انتهى.
والصحيح عند الشافعية الثاني وكذا عند الحنفية والحنابلة وهذا ينبني على أن النذر هل يسلك به مسلك جائز الشرع أو واجبه فعلى الأول يكفي أقل ما يتقرب به، وعلى الثاني يحمل على أقل ما يتقرب به من ذلك الجنس، ويقوي الصحيح أيضًا أن المراد بالهدي هنا التصدق كما دل عليه لفظ التقرب انتهى.
فالساعات على ما هنا خمسة وعلى ما في رواية النسائي المتقدمة ستة، وفي بعض الروايات زيادة عصفور بين الدجاجة والبيضة، والمراد بالمهدي في رواية النسائي المتصدق فتساوي رواية البخاري فلا يرد ما قيل: أن الهدي لا يكون بالدجاجة والعصفور والبيضة أو أنه سماه هديًا من باب المشاكلة كما تقدم.
قال القسطلاني: واستشكل بأن الساعات خمس لا ست والجمعة لا تصح في السادسة بل في السابعة، نعم عند النسائي بإسناد صحيح (( بعد الكبش بطة ثم دجاجة ثم بيضة ) )، وفي أخرى: (( دجاجة ثم عصفور ثم بيضة ) )، ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم: (( كان يخرج إلى الجمعة متصلًا بالزوال وهو بعد انقضاء الساعة السادسة ) ).
وفي حديث واثلة عند الطبراني في (( الكبير ) )مرفوعًا: (( إن الله يبعث الملائكة يوم الجمعة على أبواب المساجد يكتبون القوم الأول والثاني والثالث والرابع والخامس والسادس فإذا بلغوا السابع كانوا بمنزلة من قرب العصافير ) )انتهى.
ووجد في بعض نسخ القسطلاني: ست لا خمس ولا يظهر لها وجه صحة إلا بتكلف والأولى هي المطابقة لما يفهم من كلام صاحب (( الفتح ) )فإنه قال: واستدل به؛ أي: بالحديث على أن الجمعة تصح قبل الزوال كما سيأتي الخلاف فيه بعد أبواب، ووجه الدلالة منه تقسيم الساعات إلى خمس ثم عقب بخروج الإمام وخروجه عند أول وقت الجمعة فيقتضي أنه يخرج في أول الساعة السادسة وهي قبل الزوال.
والجواب أنه ليس في شيء من طرق هذا الحديث ذكر الإتيان من أول النهار فلعل الساعة الأولى منه جعلت للتأهب بالاغتسال وغيره ويكون مبدأ المجيء من أول الثانية فهي أولى بالنسبة للمجيء ثانية بالنسبة للنهار وعلى هذا فآخر الخامسة أول الزوال فيرتفع الإشكال.
وإلى هذا أشار الصيدلاني شارح المختصر حيث قال: إن أول التبكير يكون من ارتفاع النهار وهو أول الضحى وهو أول الهاجرة ويؤيده الحث على التهجير إلى الجمعة.
ولغيره من الشافعية في ذلك وجهان اختلف فيهما الترجيح فقيل: أول التبكير طلوع الشمس، وقيل: طلوع الفجر.
ورجحه جمع وفيه نظر: إذ يلزم منه أن يكون التأهب قبل طلوع الفجر.
وقد قال الشافعي يجزئ الغسل إذا كان بعد الفجر فأشعر بأن الأولى أن يقع بعد ذلك، ويحتمل أن يكون ذكر الساعة السادسة ولم يذكره الراوي انتهى.
(فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ) جواب إذا (الْمَلاَئِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ) بكسر الذال المعجمة وهو الخطبة، الفاء للتفريع على ما يستفاد من الاقتصار على الرواح في هذه الساعات التي تكتب فيها الملائكة من يجيء أولًا فأولًا وهي تنتهي بخروج الإمام للخطبة من منزله أو المكان المعد لجلوسه قبل
ج 2 ص 721
الخطبة فيه والمراد بهؤلاء الملائكة غير الحفظة ممن وظيفته كتابة من يحضر الجمعة قاله المازري ثم النووي، وتوقف ابن بزيزه ذكره ابن الملقن.
أقول: والتوقف في ذلك أسلم إذ مثل ذلك لا يعلم إلا بالتوقيف وقد يستدل بأنهم غير [2] بما رواه مسلم من طريق الزهري بلفظ: إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على أبواب المساجد يكتبون الأول فالأول فإذا جلس الإمام طووا الصحف وجاؤوا يسمعون الذكر فيكون ابتداء طي الصحف عند ابتداء خروج الإمام وانتهاؤه بجلوسه على المنبر، وهو أول سماعهم الذكر.
ووقع في حديث ابن عمر صفة الصحف المذكورة فيما أخرجه أبو نعيم في الحلية مرفوعًا بلفظ: (( إذا كان يوم الجمعة بعث الله ملائكة بصحف من نور وأقلام من نور ) ).
وبما رواه أحمد بسند جيد عن أبي سعيد الخدري رفعه قال: (( إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد فيكتبون الناس من جاء على قدر منازلهم فرجل قدم جزورًا ورجل قدم بقرة ورجل قدم دجاجة، ورجل قدم بيضة، فإذا أذن المؤذن وجلس الإمام على المنبر طويت الصحف فدخلوا المسجد يستمعون الذكر ) ).
وبما رواه أحمد عن أبي أمامة قال: (( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقعد الملائكة على أبواب المساجد فيكتبون الأول والثاني والثالث ) )الحديث.
وبما رواه أبو داود من حديث عطاء الخراساني قال: (( سمعت عليًا على منبر الكوفة يقول: إذا كان يوم الجمعة غدت الشياطين براياتها إلى الأسواق فيرمون الناس بالترابيث والربائث ويثبطونهم عن الجمعة وتغدو الملائكة فتجلس على أبواب المسجد فيكتبون الرجل من ساعة، والرجل من ساعتين حتى يخرج الإمام فإذا جلس الرجل مجلسًا يستمكن فيه من الاستماع والنظر فأنصت ولم يلغ كان له كفلان من الأجر فإن نأى حيث لا يستمع فأنصت ولم يلغ كان له كفل من الأجر، وإن جلس مجلسًا يستمكن من الاستماع والنظر فلغا ولم ينصت كان له كفل من وزر، ومن قال يوم الجمعة لصاحبه: مه لغا فليس له في جمعته تلك شيء، ثم يقول في آخر ذلك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك ) ).
والترابيث والربائث بمثلثة فيهما جمع تربيثة وربيثة ما يحبس الإنسان ويشغله، ورواه أحمد بلفظ: (( وتقعد الملائكة على أبواب المساجد يكتبون الناس على قدر منازلهم السابق والمصلي والذي يليه حتى يخرج الإمام ) ).
قال في (( الفتح ) ): والمراد بطي الصحف طي صحف الفضائل المتعلقة بالمبادرة إلى الجمعة دون غيرها من سماع الخطبة وإدراك الصلاة والذكر والدعاء ونحو ذلك، فإنه يكتبه ملك اليمين قطعًا.
وقد روى ابن خزيمة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فيقول: (( بعض الملائكة لبعض ما حبس فلانًا فتقول: اللهم إن كان ضالًا فاهده، وإن كان مريضًا فاشفه ) ).
وفي رواية: (( فعافه وإن كان عائلًا فأغنه ) )، وفي رواية: (( وإن كان فقيرًا فأغنه ) )وفي الحديث من الفوائد الحض على الاغتسال والتبكير يوم الجمعة وفضلهما.
واستنبط منه الماوردي: أن التبكير لا يستحب للإمام، قال: ويدخل المسجد من أقرب أبوابه إلى المنبر.
وتعقبه صاحب (( الفتح ) )فقال: وما قاله غير ظاهر لإمكان أن يجمع بين الأمرين بأن يبكر ولا يخرج من المكان المعد له في الجامع إلا إذا حضر الوقت، أو يحمل على من ليس له مكان انتهى.
وفيه: أن مراتب الناس في الفضل بحسب أعمالهم وأن القليل من الصدقة غير محتقر في الشرع وأن التقرب بالإبل أفضل من التقرب بالبقر وهو بالاتفاق في الهدي، وأما في الضحايا ففيه خلاف والجمهور على أن البدن أفضل.
[1] لعل الصواب: (( تقدير ) ).
[2] هكذا في الأصل ولعل العبارة تحتاج لإضافة.