وبالسند قال:
912 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) ابن أبي إياس (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمد بن عبد الرحمن (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم (عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ) الكندي (قَالَ: كَانَ النِّدَاءُ) بالمد؛ أي: المذكور في القرآن (يَوْمَ الْجُمُعَةِ، أَوَّلُهُ) بالرفع بدل من اسم كان.
وقوله: (إِذَا جَلَسَ الإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ) خبر كان، وقوله: (عَلَى عَهْدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم) متعلق بكان إن قلنا أنها تدل على الحدث وهو الصحيح (وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) أي: وعلى عهدهما.
قال في (( فتح الباري ) ): وعند ابن خزيمة من رواية أبي عامر كان ابتداء النداء الذي ذكره الله تعالى في القرآن يوم الجمعة، وعنده من رواية وكيع كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر أذانين يوم الجمعة.
قال ابن خزيمة: يريد الأذان
ج 2 ص 752
والإقامة يعني تغليبًا أو لاشتراكهما في الإعلام كما تقدم في باب الأذان، وفي رواية أبي عامر المذكورة بدل إذا جلس ... إلخ إذا خرج الإمام، وإذا أقيمت الصلاة، وكذا للبيهقي ورواه النسائي عن الزهري بلفظ: (( كان بلال يؤذن إذا جلس النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فإذا نزل أقام ) ).
قال المهلب: والحكمة في جعل الأذان في هذا المحل ليعرف الناس بجلوس الإمام على المنبر فينصتون له إذا خطب.
وتعقبه في (( الفتح ) )فقال: وفيه نظر فإن في سياق ابن إسحاق عند الطبراني وغيره عن الزهري في هذا الحديث أن بلالًا كان يؤذن على باب المسجد، فالظاهر أنه لمطلق الإعلام لا لخصوص الإنصات، نعم لما زيد الأذان الأول كان للإعلام وكان الذي بين يدي الخطيب للإنصات انتهى.
وأقول: ولعل هذا مراد المهلب وليس في كلامه ما يمنع حمله عليه فليتأمل.
(فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ) أي: فلما صار عثمان بن عفان خليفة وقيل كان تامة (وَكَثُرَ النَّاسُ) أي: المسلمون في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(زَادَ) أي: بعد مضي مدة من خلافته كما عند أبي نعيم في (( المستخرج ) ) (النِّدَاءَ الثَّالِثَ) أي: عند دخول الوقت، وإنما عد ثالثًا بالنظر إلى تغليب الأذان على الإقامة.
قال في (( الفتح ) ): في رواية وكيع عن ابن أبي ذئب فأمر عثمان بالأذان الأول ونحوه للشافعي من هذا الوجه ولا منافاة بينهما؛ لأنه باعتبار كونه مزيدًا يسمى ثالثًا وباعتبار كونه جعل مقدمًا على الأذان والإقامة يسمى أولًا، ولفظ رواية عقيل الآتية بعد بابين أن التأذين الثاني أمر به عثمان وتسميته ثانيًا أيضًا متوجه بالنظر إلى الأذان الحقيقي لا الإقامة انتهى.
والحاصل أنه أطلق على أذان عثمان الأول والثاني والثالث، ولا تعارض بينها فكل واحد منها وجه.
وقال الكرماني: هو ثالث باعتبار مشروعيته وكان باجتهاد عثمان وموافقة سائر الصحابة له بالسكوت وعدم الإنكار فصار إجماعًا سكوتيًا.
(عَلَى الزَّوْرَاءِ) بفتح الزاي وسكون الواو وبالراء ممدودًا اسم موضع معروف.
قال ابن الملقن: قال أبو عبيد: متصلة بالمدينة وبها كان مال أحيجة بن الجلاح وهي التي عنى بقوله:
~إني مقيم على الزوراء أعمرها أن الكريم على الإخوان ذو مال
وقال أبو عبيد الحموي: هي قرب الجامع مرتفعة كالمنارة وفرق بينها وبين أرض أحيجة انتهى.
وزاد أبو ذر في روايته: (( قال أبو عبد الله ) )أي: البخاري الزوراء موضع بالسوق بالمدينة.
قال في (( الفتح ) ): وهو المعتمد ونظر في قول ابن بطال: أنه حجر كبير عند باب المسجد قال: لما عند ابن خزيمة عن الزهري، وكذا ابن ماجه بلفظ: زاد النداء الثالث على دار في السوق يقال لها: الزوراء ولما عند الطبراني: فأمر بالنداء الأول على دار له يقال لها: الزوراء فكان يؤذن عليها فإذا جلس على المنبر أذن مؤذنه الأول، فإذا نزل أقام الصلاة.
وفي رواية له من هذا الوجه: (( فأذن بالزوراء قبل خروجه ليعلم الناس أن الجمعة قد حضرت ) )، ولما عند مسلم في (( صحيحه ) ): (( أن نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا بالزوراء والزوراء بالمدينة عند السوق ) )الحديث.
زاد أبو عامر عن ابن أبي ذئب: (( فثبت ذلك حتى الساعة ) )ثم قال: (( والذي يظهر أن الناس أخذوا بفعل عثمان في جميع البلاد إذ ذاك لكونه كان خليفة مطاع الأمر ) ).
وتبين بما ذكر أن عثمان أحدثه لإعلام الناس بدخول وقت الصلاة قياسًا على بقية الصلوات فألحق الجمعة بها وأبقى خصوصيتها بالأذان بين يدي الخطيب، وفيه استنباط معنى من الأصل لا يبطله.
وأما ما روى ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: (( الأذان الأول يوم الجمعة بدعة ) )فالظاهر أنه أراد بدعة حسنة ومعنى كونه بدعة أنه لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أقول: وهذا مثل ابتداع أبيه عمر رضي الله عنه صلاة التراويح على هذه الكيفية وخرج فرأى الناس يصلونها فقال: نعمت البدعة هذه.
قال في (( الفتح ) ): تنبيه: ورد ما يخالف هذا الخبر أن عثمان هو الذي زاد الأذان، ففي تفسير جويبر، عن الضحاك، عن برد بن سنان، عن مكحول، عن معاذ: (( أن عمر أمر مؤذنين أن يؤذنا للناس الجمعة خارجًا من المسجد حتى يسمع الناس وأمر أن يؤذن بين يديه كما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ثم قال عمر: نحن ابتدعناه لكثرة المسلمين ) )انتهى.
وهذا منقطع بين مكحول ومعاذ ولا يثبت؛ لأن معاذًا كان خرج من المدينة إلى الشام في أول ما غزوا الشام واستمر إلى أن مات بالشام في طاعون عمواس، وقد تواردت الروايات أن عثمان هو الذي زاده فهو المعتمد، ثم وجدت لهذا الأثر ما يقويه، فقد أخرج عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قال
ج 2 ص 753
سلمان بن موسى: (( أول من زاد الأذان بالمدينة عثمان، فقال عطاء: كلا إنما كان يدعوا الناس دعاء، ولا يؤذن غير أذان واحد ) )انتهى.
وعطاء لم يذكر عثمان فرواية من أثبت ذلك عنه مقدمة على إنكاره وعلى الجمع بأن الذي ذكره عطاء هو الذي كان في زمن عمر، واستمر على عهد عثمان، ثم رأى أن يجعله أذانًا وأن يكون على مكان عال ففعل ذلك فنسب إليه لكونه بألفاظ الأذان وترك ما كان فعله عمر لكونه مجرد إعلام انتهى.
وقال ابن الملقن: قال أبو عمر: وكان عطاء ينكر أن يكون عثمان أحدث الثاني، وإنما أحدثه معاوية وعنه أنه كان يدعوا الناس ولم يؤذن غير واحد.
والحديث أخرجه أبو داود في الصلاة، وكذا الترمذي، وابن ماجه.