75 -وبالسند إلى المؤلف:
قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بميمين مفتوحتين بينهما عين مهملة ساكنة عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج البصري المشهور بالمُقعَد بضم الميم وفتح العين المنقري الحافظ الحجة.
قال يحيى بن معين: هو ثقة عاقل وفي رواية: ثبت، وكان يقول بالقدر توفي سنة أربع وعشرين ومائتين.
وقول القسطلاني: سنة تسع وعشرين: سبق قلم أو من تغيير النساخ.
(قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) أي: ابن سعيد بن ذكوان التميمي العنبري أبو عبيدة البصري المعروف بالتنوري، رمي بالقدر، لكن نفاه عنه ولده عبد الصمد، وقال: إنه مكذوب عليه، قاله البخاري، توفي في المحرم سنة ثمانين ومائة.
(قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو ابن مهران الحَذَّاء بفتح الحاء المهملة وتشديد الذال المعجمة والمد ولم يكن حذاء إنما كان يجلس إليهم يقال: إنه ما حذا نعلًا قط وإنما كان يجلس إلى صديق له حذاء، وقيل: لنزوله في محلة الحذاءين حتى تزوج امرأة فيهم، مات سنة إحدى وأربعين ومائة.
(عَنْ عِكْرِمَةَ) بكسر العين المهملة المفسر القرشي أبي عبد الله مولى ابن عباس أصله من البربر من أهل المغرب كان للعنبري قاضي البصرة فوهبه لابن عباس حين جاء واليًا على البصرة لعلي بن أبي طالب، ومات ابن عباس وعكرمة عبد فباعه علي بن عبد الله من خالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار.
فأتى عكرمة عليًا فقال: ما خير لك بعت غلامًا لأبيك فاستقاله فأقاله فأعتقه.
وقال الحارث بن عبد الله: دخلت على علي بن عبد الله وعكرمة موثق على باب كنيف فقلت أتفعلون هذا بمولاكم فقال: إن هذا يكذب على أبي.
قال محمد بن سعد: كان كثير العلم بحرًا من البحور، ولكن يتكلم الناس فيه، وكان ذلك؛ لأنه كان يرى رأي الخوارج.
ولكن قال البخاري: ليس أحد من أصحابنا إلا ويحتج بعكرمة.
وقال يحيى بن معين: إذا رأيت من يتكلم في عكرمة فاتهمه على الإسلام، وقيل: لسعيد بن جبير هل أحد أعلم منك؟ قال: عكرمة، وكان جوالًا في البلاد، ومات بالمدينة سنة خمس أو ست أو سبع ومائة، ومات معه في ذلك العام كثير الشاعر، فقيل: مات اليوم أفقه الناس وأشعر الناس.
(عَنِ) عبد الله (ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (قَالَ: ضَمَّنِي رَسُولُ اللَّهِ) وفي رواية الأصيلي: صلى الله عليه وسلم )) زاد المصنف في فضل ابن عباس عن مسدد عن عبد الوارث إلى صدره وكان ابن عباس إذ ذاك غلامًا مميزًا فيستفاد منه جواز احتضان الصبي القريب على جهة الشفقة كذا في (( الفتح ) ).
ج 1 ص 453
(وَقَالَ اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ) من علم بمعنى عرف فهو متعد لاثنين ليس أصلهما المبتدأ والخبر.
وقال في (( الفتح ) )بين المصنف في كتاب الطهارة من طريق عبد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس سبب هذا الدعاء ولفظه: (( دخل النبي صلى الله عليه وسلم الخلاء فوضعت له وضوءًا ) )زاد مسلم: (( فلما خرج ثم التفت قال من وضع هذا فأخبر ) ).
ولمسلم: (( قالوا ابن عباس ) )ولأحمد وابن حبان من طريق سعيد بن جبير عنه أن ميمونة هي التي أخبرته بذلك وأن ذلك كان في بيتها ليلًا ولعل ذلك كان في الليلة التي بات ابن عباس فيها عندها ليرى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقد أخرج أحمد من طريق عمرو بن دينار عن كريب عن ابن عباس في قيامه خلف النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل وفيه فقال: (( ما بالك أجعلك حذائي فتخلفني فقلت: أوينبغي لأحد أن يصلي حذاءك وأنت رسول الله؟ قال: فدعا لي أن يزيدني الله فهمًا وعلمًا ) ).
والمراد بالكتاب القرآن؛ لأن العرف الشرعي عليه والمراد بالتعليم ما هو أعم من حفظه والتفهم فيه ووقع في رواية مسدد: الحكمة بدل الكتاب وذكر الإسماعيلي أن ذلك هو الثابت في الطرق كلها عن خالد الحذاء كذا قال.
وفيه نظر؛ لأن المصنف أخرجه أيضًا من حديث وهيب عن خالد الحذاء بلفظ: الكتاب أيضًا، فيحمل على أن المراد بالحكمة أيضًا القرآن، فيكون بعضهم رواه بالمعنى.
وللنسائي والترمذي من طريق عطاء عن ابن عباس قال: (( دعا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أوتى الحكمة مرتين ) ).
فيحتمل تعدد الواقعة فيكون المراد بالكتاب القرآن وبالحكمة السنة.
ويؤيده أن في رواية عبيد الله بن أبي يزيد التي قدمناها عند الشيخين: (( اللهم فقهه في الدين ) )، لكن لم تقع عند مسلم في الدين.
وذكر الحميدي في (( الجمع ) ): أن أبا مسعود ذكره في (( أطراف الصحيحين ) ).
قلت: وهو كما قال، نعم هي رواية سعيد بن جبير التي قدمناها عند أحمد وابن حبان والطبراني، ورواها ابن سعد من وجه آخر عن عكرمة مرسلًا. انتهى.
وفي الكرماني: فإن قلت: هل جاز أن لا يستجاب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم؟.
قلت: لكل نبي دعوة مستجابة وإجابة الباقي في مشيئة الله تعالى، وأما هذا الدعاء فمما لا شك في قبوله؛ لأنه كان عالمًا بالكتاب حبر الأمة بحر الحلم والعلم رئيس المفسرين ترجمان القرآن رضي الله عنه.
وكونه في الدرجة القصوى والمحل الأعلى مما لا يخفى.
وقال ابن بطال: كان ابن عباس من الأحبار الراسخين في علوم القرآن والسنة أجيبت فيه الدعوة. انتهى.
وتعقبه العيني بقوله: قلت: هذا السؤال لا يعجبني، فإن فيه بشاعة وأنا لا أشك أن جميع دعوات النبي صلى الله عليه وسلم مستجابة.
وقوله: (( لكل نبي دعوة مستجابة ) )لا ينفي ذلك؛ لأنه ليس بمحصور. انتهى.
وفي (( الفتح ) )أيضًا: وقع في بعض نسخ ابن ماجه من طريق عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء في حديث الباب بلفظ: (( اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب ) )، وهذه الزيادة مستغربة من هذا الوجه فقد رواه الترمذي والإسماعيلي وغيرهما من طريق عبد الوهاب بدونها.
وقد وجدتها عند ابن سعد من وجه آخر عن طاووس عن ابن عباس قال: (( دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح على ناصيتي وقال: اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب ) ).
وقد رواه أحمد عن هشيم عن خالد في حديث الباب بلفظ: (( مسح على رأسي ) ).
وهذه الدعوة مما تحقق إجابة النبي صلى الله عليه وسلم فيها لما علم من حال ابن عباس في معرفة التفسير والفقه في الدين.
واختلف الشراح في المراد بالحكمة فقيل: القرآن كما تقدم، وقيل: العمل به، وقيل: السنة، وقيل: الإصابة
ج 1 ص 454
في القول، وقيل: الخشية، وقيل: الفهم عن الله تعالى، وقيل: العقل، وقيل: ما يشهد العقل بصحته، وقيل: نور يفرق به بين الإلهام والوسواس، وقيل: سرعة الجواب مع الإصابة.
وبعض هذه الأقوال ذكرها بعض أهل التفسير في قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ} [لقمان:12] .
والأقرب: أن المراد بها في حديث ابن عباس الفهم في القرآن، وسيأتي مزيد لذلك في المناقب إن شاء الله تعالى. انتهى.
قال في (( منحة الباري ) )للقاضي زكريا الأنصاري: وفي الحديث جواز الضم؛ أي: المعانقة وهي جائزة للطفل وللقادم من سفر ونحوه بلا كراهة، ولغيرهما: بها، وهذا كله في غير الأمرد الحسن الوجه أما فيه فالظاهر كما قال النووي أنه حرام. انتهى.
وأقول: في الاستدلال على جواز المعانقة بهذا الحديث نظر من وجهين:
الأول: أن المعانقة ليست عين الضم ولا لازمة له؛ لأنها وضع العنق على العنق والضم جمع الشخص إلى الصدر ولا يلزم من جواز الضم جوازها إذ لا إفضاء ولا مباشرة في الضم بخلافها.
والثاني: أنه لا يلزم من إباحته له صلى الله عليه وسلم إباحته لغيره كما أن القبلة في الصيام للزوجة غير مكروهة في حقه صلى الله عليه وسلم ومكروهة في حق غيره وكما أن له الخلوة بالأجنبية وليس ذلك لغيره وقد عللت عائشة رضي الله عنها عدم كراهة قبلته صائمًا بأنه يملك إربه؛ بخلاف غيره فليتأمل.
وعند أبي حنيفة يكره تحريمًا تقبيل الرجل فم الرجل أو يده أو شيئًا منه وكذا تقبيل المرأة المرأة عند لقاء أو وداع كما في (( القنية ) )وكذا معانقته في إزار واحد ولو كان عليه قميص أو جبة جاز.
وفي (( تنوير الأبصار ) ): ولا يجوز للرجل مضاجعة الرجل وإن كان كل واحد منهما في جانب من الفراش ولا بأس بتقبيل يد العالم والسلطان العادل وتقبيل رأسه أجود ولا رخصة فيه لغيرهما.
لكن قال في (( المحيط ) ): إن لتعظيم إسلامه وإكرامه جاز وإن لنيل الدنيا كره. انتهى.
وقال الإمام أبو منصور الماتريدي: المكروه من المعانقة ما كان على وجه الشهوة وأما على وجه البر والكرامة فجائز، وفيه أيضًا الحث على تعلم العلم وعلى حفظ القرآن والدعاء إلى الله تعالى في ذلك.
ورجال هذا السند كلهم بصريون؛ لأن ابن عباس وعكرمة سكنا البصرة.