وبالسند قال:
927 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ) بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة الوراق، ثبت في بعض النسخ الأزدي الكوفي، مات بالكوفة سنة ست عشرة ومائتين.
(قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْغَسِيلِ) بفتح الغين المعجمة وكسر السين المهملة مخففة نسبة لجده الأعلى، وإلا فهو كما قال الكرماني عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الراهب المعروف بابن الغسيل، الأنصاريّ، المدني، مات سنة إحدى وسبعين ومائة وقد نقلوا أنه حين استشهد حنظلة بأحد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( مات حنظلة وغسلته الملائكة فسألوا امرأته فقالت سمع الهيعة وهو جنب فلم يتأخر للاغتسال ) )انتهى.
أقول: وهذا الحديث دليل الحنفية في أن من استشهد وهو جنب يغسل.
قال في (( شرح الإيضاح ) )للشرنبلالي: يصلى على الشهيد بلا غسل ويغسل إن قتل جنبًا عند الجميع لأن حنظلة بن الراهب استشهد يوم أحد فغسلته الملائكة وقال عليه الصلاة والسلام: (( إني رأيت الملائكة تغسل حنظلة بن أبي عامر بين السماء والأرض بماء المزن في صحاف الفضة ) ).
قال أبو أسيد: (( فذهبنا ونظرنا إليه فإذا رأسه يقطر ماء فأرسل صلى الله عليه وسلم إلى امرأته فسألها فأخبرت أنه خرج وهو جنب ) )انتهى.
وعند الشافعية لا يغسل الجنب الشهيد ولا يصلى عليه على الصحيح.
(قَالَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ) مولى ابن عباس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ: صَعِدَ) بكسر العين (النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمِنْبَرَ، وَكَانَ) أي ذلك الصعود المفهوم من صعد.
(آخِرَ مَجْلِسٍ جَلَسَهُ) على المنبر (مُتَعَطِّفًا مِلْحَفَةً) أي: مرتديًا بها يقال: تعطف بالعطاف بكسر العين؛ أي: ارتدى بالرداء، وسمي الرداء عطافًا لوقوعه على عطفي الرجل وهما ناحيتا عنقه.
والملحفة: بكسر الميم وسكون اللام وفتح الحاء المهملة إزار كبير.
(عَلَى مَنْكِبَيْهِ) بفتح الميم وكسر الكاف تثنية منكب، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي: بالإفراد (قَدْ عَصَبَ) بفتح الصاد المهملة مخففة، وفي بعض النسخ: بتشديدها؛ أي: ربط (رَأْسَهُ بِعِصَابَةٍ) بكسر العين وهي ما يشد به العمامة سميت بذلك؛ لأن الرأس يعصب بها.
(دَسِمَةٍ) بفتح الدال وكسر السين المهملتين فميم فهاء تأنيث، وفي رواية في اللباس: (( دسماء ) )بالمد فجعل لونها لون الدسم كالزيت، وشبهه لما أصابها من العرق الناشئ عن المرض، وقيل: سوداء وقد رويت هكذا عصابة سوداء، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام في الصبي الذي خيف عليه من العين: (( دسموا نونته ) )أي: سودوا حفرة ذقنه.
وقال ابن الأنباري: غبرة في سواد، وقيل: إنه من دسم الطيب؛ أي: متغيرة اللون من الطيب كما في الحديث الآخر كان ثوبه ثوب زيات مما يكثر القناع يريد مما يغطي رأسه فيعلق بثوبه مما في شعره من الطيب والغالية.
(فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِلَيَّ) بتشديد ياء المتكلم؛ أي: تقربوا إلي (فَثَابُوا إِلَيْهِ) بمثلثة وبموحدة بعد الألف؛ أي: اجتمعوا ودنوا منه (ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ) وفيها المطابقة.
(فَإِنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنَ الأَنْصَارِ) وهم الأوس والخزرج، وإنما أطلق عليهم الحي مع أنهم حيان؛ لأنهم صاروا بعد مبايعة النبي صلى الله عليه وسلم واتفاقهم على نصرته كالحي الواحد، وكان بين الحيين في الجاهلية حروب ودماء أهدرها الإسلام وألف الله تعالى بينهم ببركة
ج 2 ص 769
نبيه صلى الله عليه وسلم فصاروا يدًا واحدة في نصرته.
(يَقِلُّونَ) بفتح التحتية وكسر القاف؛ أي: ينقصون (وَيَكْثُرُ) بضم المثلثة؛ أي: يزداد (النَّاسُ) من غيرهم وهذا من إعلام نبوته صلى الله عليه وسلم فإنه وقع كما أخبر فإن فيهم الآن قلة، لكن فيه إشارة إلى أنهم لا ينقطعون بالكلية.
(فَمَنْ وَلِيَ) بكسر اللام خفيفة (شَيْئًا) أي: أمرًا (مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم) أي: من أمر أمته (فَاسْتَطَاعَ أَنْ يَضُرَّ فِيهِ) أي: فيما وليه (أَحَدًا أَوْ يَنْفَعَ فِيهِ أَحَدًا) والتنكير فيه للتعميم في المكانين.
(فَلْيَقْبَلْ) بفتح الياء التحتية والموحدة الحسنة (مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَيَتَجَاوَزْ) بالجزم عطفًا على يقبل؛ أي: يعف (عَنْ مُسِيِّهِمْ) بالهمز ويجوز إبدالها ياء فتدغم فيها الياء الساكنة قبلها كخطية بتشديد الياء في خطيئة بالهمز؛ أي: عن إساءة مسيئهم وهذا في غير الحدود.
قال الكرماني: وهذا من جوامع الكلم؛ لأن الحال منحصر في الضر والنفع والشخص في المحسن والمسيء، وفيه من أنواع البديع الطباق، وفيه أن الخلافة ليست في الأنصار، وفيه بيان فضيلتهم.
قال في (( الفتح ) ): وفي الباب مما لم يذكره المصنف عن عائشة في قصة الإفك، وعن أبي سفيان في الكتاب إلى هرقل متفق عليهما، وعن جابر قال: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته ) )الحديث وفيه: (( ويقول أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله ) )أخرجه مسلم.
وفي رواية له عنه: (( كانت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يحمد الله ويثني عليه ثم يقول ثم يقول على أثر ذلك وقد علا صوته ) )فذكر الحديث.
وهذا أليق بمراد المصنف للتنصيص فيه على الجمعة، لكنه ليس على شرطه كما قدمناه، ويستفاد من هذه الأحاديث أن أما بعد لا تختص بالخطب بل تقال أيضًا في صدور الرسائل والمصنفات، والاقتصار عليها في إرادة الفصل بين الكلامين، بل ورد القرآن بلفظ هذا وإن وقد كثر استعمال المصنفين لها بلفظ وبعد ومنهم من صدر بها كلامه فيقول في أول الكتاب أما بعد حمد الله فإن إلا وكذا ولا حجر في ذلك، وقد تتبع طرق الأحاديث التي وقع فيها أما بعد الحافظ عبد القادر الرهاوي في خطبة الأربعين المتباينة له، فأخرجه عن اثنين وثلاثين صحابيًا منها ما أخرجه من طريق ابن جريج عن محمد بن سيرين عن المسور بن مخرمة: (( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب خطبة قال أما بعد ) )ورجاله ثقات وظاهره المواظبة على ذلك انتهى.
ورواة هذا الحديث كلهم مدنيون إلا شيخ المؤلف فإنه كوفي وهو من أفراده وأخرجه أيضًا في علامات النبوة وعلامة الأنصار.