وبالسند قال:
930 - (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمد بن الفضل السدوسي (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ) بتشديد الميم ابن زيد (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) وسقط: لابن عساكر (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) هو سليك بضم السين المهملة آخره كاف ابن هدبة بضم الهاء وسكون الدال المهملة وبالموحدة، وقيل: ابن عمرو الغطفاني بفتحات، ورواه مسلم عن جابر بلفظ: (( جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر فقعد سليك قبل أن يصلي فقال له أصليت ركعتين قال لا قال قم فاركعهما ) ).
وقوله: (وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) جملة حالية، وسقط: لأبي ذر (قَالَ) صلى الله عليه وسلم لسليك؛ أي: بعد أن قعد كما تقدم في رواية مسلم وسيأتي للمصنف أيضًا.
(أَصَلَّيْتَ) بالاستفهام، ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر: بزيادة الفاء في قال، وحذف الهمزة من أصليت لكنها مقدرة. وقال في (( الفتح ) ): بحذف الهمزة للأكثر، وثبتت للأصيلي.
(يَا فُلاَنُ) بالضم كناية عن سليك (قَالَ) ولأبي ذر: (لاَ، قَالَ: قُمْ فَارْكَعْ ركعتين) عند المستملي والأصيلي، وعند غيرهما: بحذف ركعتين، ولمسلم: (( ذكر ركعتين ) )وزيادة وتجوز فيها ثم قال: (( إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيها ) ).
وروى ابن ماجه عن جابر أنه قال: (( دخل سليك الغطفاني المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال له أصليت قال لا قال فصل ركعتين ) ).
وروى الطبراني في (( الكبير ) )عن جابر أنه قال: (( دخل النعمان بن قوقل ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يخطب يوم الجمعة فقال النبي صلى الله عليه وسلم له صل ركعتين تجوز فيهما ) )ولا مانع من بعد والقصة.
قال الكرماني: قال الشافعي وأحمد: يستحب للداخل حال الخطبة أن يصلي تحية المسجد، ولكن ليتجوز فيهما ليستمع الخطبة.
وقال مالك وأبو حنيفة: لا يصليهما وحجتهما الأمر بالإنصات، ولا يخفى أن القول بالاستحباب عمل بالآية والحديث كليهما فهو أولى انتهى.
والمراد بالتخفيف والتجوز فيما ذكر الاقتصار على الواجبات كما لو ضاق عن الوضوء فإنه يقتصر على الواجبات وجرى على ذلك كثيرون.
وقال النووي: هذه الأحاديث صريحة في الدلالة لمذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وفقهاء المحدثين أنه إذا دخل الجامع يوم الجمعة والإمام يخطب يستحب له أن يصلي ركعتين تحية المسجد، ويكره الجلوس قبل أن يصليهما، وأنه يستحب أن يتجوز فيهما ليسمع الخطبة، وحكي هذا المذهب عن الحسن وغيره من المتقدمين.
وقال عياض: قال مالك، والليث، وأبو حنيفة، والثوري، وجمهور السلف من الصحابة والتابعين يصليهما وهو مروي عن عمر وعثمان وعلي وحجتهم الأمر بالإنصات وقالوا: هذه الأحاديث بأنه كان عريانًا فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقيام ليراه الناس ويتصدقوا عليه وهو مردود بقوله صلى الله عليه وسلم: (( إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما ) ).
وهذا نص لا يتطرق إليه تأويل ولا أظن عالمًا يبلغه هذا اللفظ صحيحًا فيخالفه انتهى كلام النووي.
وقال العيني: قلت أصحابنا لم يأولوا الأحاديث المذكورة بهذا الذي ذكره ليشنع عليهم هذا التشنيع بل أجابوا بأجوبة غير هذا.
الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم أنصت له حتى فرغ من صلاته، والدليل عليه ما رواه الدارقطني في (( سننه ) )
ج 2 ص 773
من حديث عبيد بن محمد العبدي: حدثنا معتمر، عن أبيه، عن قتادة، عن أنس قال: (( دخل رجل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قم فاركع ركعتين وأمسك عن الخطبة حتى فرغ من صلاته ) ).
فإن قلت: قال الدارقطني: أسنده عبيد بن محمد ووهم فيه، قلت: ثم أخرجه عن أحمد بن حنبل: حدثنا معمر، عن أبيه قال: (( جاء رجل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال: يا فلان أصليت، قال: لا قال: قم فصل ثم انتظره حتى صلى ) ).
قال: وهذا المرسل هو الصواب، قلت: المرسل حجة عندنا، ويؤيد هذا ما أخرجه ابن أبي شيبة: حدثنا هشيم: أخبرنا أبو معشر، عن محمد بن قيس: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم حيث أمره أن يصلي ركعتين أمسك عن الخطبة حتى فرغ من ركعتيه ثم عاد إلى خطبته ) ).
الجواب الثاني: أن ذلك كان قبل شروعه في الخطبة، وقد بوب النسائي في (( سننه الكبرى ) )على حديث سليك قال: باب الصلاة قبل الخطبة، ثم أخرج عن الزبير عن جابر قال: (( جاء سليك الغطفاني ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد على المنبر فقعد سليك قبل أن يصلي فقال له صلى الله عليه وسلم أركعت ركعتين قال لا قال قم فاركعهما ) ).
الثالث: أن ذلك كان قبل أن ينسخ الكلام في الصلاة، ثم لما نسخ في الصلاة نسخ أيضًا في الخطبة؛ لأنها شطر صلاة الجمعة وشرطها.
وقال الطحاوي: ولقد تواترت الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن: (( من قال لصاحبه أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغا ) )فإذا كان قول الرجل لصاحبه والإمام يخطب أنصت لغوًا كان قول الإمام للرجل قم فصل لغوًا أيضًا، فثبت بذلك أن الوقت الذي كان فيه الأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم لسليك مما أمر به إنما كان قبل النهي، وكان الحكم فيه في ذلك الوقت بخلاف الحكم في الوقت الذي جعل فيه مثل ذلك لغوا.
وقال ابن شهاب: خروج الإمام يقطع الصلاة وكلامه يقطع الكلام.
وقال ثعلبة بن مالك: كان عمر رضي الله عنه إذا خرج للخطبة أنصتنا.
وقال عياض: كان أبو بكر وعمر وعثمان يمنعون من الصلاة عند الخطبة.
وقال ابن العربي: الصلاة حين ذلك حرام من ثلاثة أوجه:.
الأول: قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ} [الأعراف:204] فكيف بترك الفرض الذي شرع الإمام فيه إذا دخل عليه فيه ويشتغل بغير فرض.
الثاني: صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إذا قلت لصاحبك أنصت فقد لغوت ) )فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأصلان المفروضان الركنان في المسألة يحرمان في حال الخطبة فالفضل أولى أن يحرم.
الثالث: لو دخل والإمام في الصلاة لم يركع والخطبة صلاة إذ يحرم فيها من الكلام والعمل ما يحرم في الصلاة، ثم أخذ يتكلم على حديث سليك والجواب عنه، وأطال في ذلك جدًا فليراجع لمريد الاطلاع.