79 -وبالسند إلى المؤلف:
قال: (حَدَّثَنَا) بصيغة الجمع (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ) بالمهملة وبالمد المكنى بأبي كُريب بضم الكاف مصغر كرب، وغلبت
ج 1 ص 461
كنيته هذه على اسمه الهمْدَاني بسكون الميم وبالدال المهملة الكوفي المتوفى سنة ثمان وأربعين ومائتين.
(قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ) بفتح الحاء وتشديد الميم (بْنُ أُسَامَةَ) بضم الهمزة ابن يزيد الهاشمي القرشي الكوفي وكنيته أبو أسامة، واشتهر بها روى عن هشام بن عروة ستمائة حديث، وكان ثبتًا صدوقًا أخباريًا، روى عنه الشافعي وأحمد وغيرهما، روي عنه أنه قال: كتبت بإصبعي هاتين مائة ألف حديث، وتوفي سنة إحدى ومائتين وهو ابن ثمانين سنة فيما قيل.
(عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بضم الموحدة وفتح الراء وسكون الياء التحتية وبالدال المهملة (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بضم الموحدة وإسكان الراء عامر بن أبي موسى الأشعري (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعري، وقد تقدم هو وابنه وابن ابن ابنه في باب أي الإسلام أفضل.
(عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنه (قَالَ: مَثَلُ) بفتحتين والمراد به هنا الصفة العجيبة لا القول السائر (مَا) موصولة أو نكرة موصوفة وجملة (بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ) صلة أو صفة ومن الهدى بيان لـ (( ما ) ) (( والعلم ) )معطوف عليه.
قال القسطلاني: من عطف المدلول على الدال؛ لأن الهدى هو الدلالة الموصلة للقصد والعلم هو المدلول. انتهى.
وفيه نظر من وجهين:
الأول: أن المشهور في تفسير الهداية كالهدى: أنها الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب وقد أطلقت في القرآن بهذا المعنى؛ كقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى:52] ، {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء:9] .
وقد تطلق بمعنى الدلالة الموصلة كقوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص:56] ، إذ لا يصح نفي الهداية لمن أحبه بمعنى الدلالة؛ لأن دلالته عليه الصلاة والسلام عامة فلو كان المراد بما جاء به من الهدى هو الدلالة الموصلة للقصد لآمن به كل من أرسل إليهم.
والواقع خلاف ذلك، فتعين أن يكون المراد بالهدى هنا ما جاء به صلى الله عليه وسلم من القرآن والوحي الدال على ما يوصل إلى القصد لا الإيصال إلى القصد كما هو ظاهر.
والثاني: أن ليس عطف العلم على الهدى من عطف المدلول على الدليل لظهور أن ليس معنى الهدى العلم ليكون مدلولًا له، وقد تبع في ذلك الكرماني.
لكن عبارته سالمة عما ورد عليه ونصها وجمع بينهما؛ أي: الهدى والعلم إما نظرًا إلى أن الهدى بالنسبة إلى الغير؛ أي: التكميل والعلم بالنسبة على نفس الشخص؛ أي: الكمال، وإما إلى أن الهدى هو الدلالة والعلم هو المدلول. انتهى.
ومراده: أن الدلالة من حيث هي دلالة مقدمة على المدلول من حيث هو مدلول، ولا يلزم منه أن يكون العلم مدلول الهدى كما هو ظاهر عبارة القسطلاني.
وقد ذكر الخطابي في (( حاشيته على المختصر ) ): عند قول السعد هداه الله سواء الطريق ما نصه: أقره علي إلى سواء الطريق أو لسواء.
ملاحظة: لما قيل: أن الهداية إذا تعدت بنفسها يراد معنى الإيصال، وإذا وصلت بحرف الجر من اللام أو إلى يراد معنى الدلالة قال الله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء:9] ، {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى:52] . انتهى.
والمراد بالتعدي: بنفسه أو بحرف الجر إلى المفعول الثاني فمن رد عليه بقوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} [فصلت:17] فليس بمصيب لأن الهاء مفعول أول والمفعول الثاني محذوف فيمكن تقديره إلى الحق مثلًا والعلم كما في الكرماني صفة توجب تمييزًا لا يحتمل النقيض.
(كَمَثَلِ) بفتحتين (الْغَيْثِ) أي: المطر أو ما يكون عرضه بريدًا كما في (( القاموس ) )يقال: غاث الغيث الأرض إذا أصابها، ووصفه بقوله: (الْكَثِيرِ) لأن الذي ينقسم إلى الأقسام الآتية وينبت الكلأ والعشب الكثير ويشرب الناس منه ويسقون لا يكون إلا كثيرًا.
وأيضًا فإن الجامع بين المشبه والمشبه به كثرة الانتفاع وذلك لا يكون إلا في الغيث الكثير.
(أَصَابَ أَرْضًا) جملة وقعت صفة ثانية لـ (( الغيث ) )؛ لأن (( الـ ) )فيه جنسية فهو في قوة النكرة كقوله تعالى: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة:5] . ويجوز أن تكون حالًا بتقدير قد.
(فَكَانَ مِنْهَا) أي: من الأرض أرض (نَقِيَّةٌ) بنون مفتوحة وقاف مكسورة ومثناة تحتية مشددة؛ أي: طيبة.
قال الكرماني: وفي بعض النسخ: بالمثلثة والغين المعجمة المفتوحتين وبالموحدة وقد تسكن الغين رواه الخطابي وقال: هو مستنقع الماء في الجبال والصخور.
قال صاحب (( المطالع ) ): هذه الرواية غلط من الناقلين وتصحيف وإحالة للمعنى؛ لأنه إنما جعلت هذه الطائفة الأولى مثلًا لما ينبت والثغبة لا تنبت.
ج 1 ص 462
انتهى.
وقال في (( الفتح ) ): وقال القاضي عياض: وذا غلط في الرواية وإحالة للمعنى؛ لأن المراد هنا وصف الطائفة التي تنبت.
وما ذكره يصلح وصفًا للثانية التي تمسك الماء، قال: وما ضبطناه في البخاري في جميع الطرق: بفتح النون وكسر القاف وتشديد الياء التحتانية، وهو مثل قوله في مسلم: (( طائفة طيبة ) ).
قلت: وهو في جميع ما وقفت عليه من (( المسانيد ) )و (( المستخرجات ) )كما عند مسلم.
وفي كتاب الزركشي: وروي: (( بقعة ) ).
قلت: هو بمعنى طائفة لكن ليس ذلك في شيء من روايات (( الصحيحين ) ).
وقرأت في (( شرح ابن رجب ) ): في رواية: بالموحدة بدل النون، قال: والمراد بها القطعة الطيبة كما يقال: فلان بقية الناس ومنه: {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ} [هود:116] . انتهى.
(قَبِلَتِ الْمَاءَ) بفتح القاف وكسر الموحدة من القبول.
قال في (( الفتح ) ): كما في معظم الروايات ووقع عند الأصيلي: بالتحتانية المشددة وهو تصحيف كما سنذكره بعد. انتهى.
(فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ) بفتح الكاف واللام وبالهمز في آخره مقصورًا وهو النبات رطبًا كان أو يابسًا (وَالْعُشْبَ) هو الرطب منه فعطفه على الكلأ من عطف الخاص على العام، والنكتة فيه مزيته عليه بكثرة الانتفاع به ويطلق شذوذًا على اليابس، ويقال لليابس: هشيم ومثله الخلا والحشيش كالهشيم على ما نقله البطليوسي عن الأصمعي، ونقل عن أبي حاتم: إطلاقه على الرطب أيضًا.
(الْكَثِيرَ) صفة العشب وهو في مقابلة الغيث الكثير (وَكَانَتْ) وفي بعض النسخ: (مِنْهَا أَجَادِبُ) بجيم ودال مهملة جمع جدب على غير قياس كما جمعوا حسنًا على محاسن، وقياس أجادب أن يكون مفرده أجدب، ومحاسن أن يكون مفرده محسن، أو جمع جديب على غير قياس أيضًا.
والجدب: القحط والأرض الجدبة التي لم تمطر والمراد هنا الأرض التي لا تشرب الماء لصلابتها فلا تنبت شيئًا.
قال الخطابي: وقال بعضهم: أحارب بالحاء المهملة والراء وبعضهم: بها والدال وليس بشيء وبعضهم أجارد بالجيم والراء المهملة قال: وهو صحيح المعنى إن ساعدته الرواية والأجارد ما لا ينبت الكلأ معناه: أنها جرداء يابسة لا يسترها النبات كذا في الكرماني.
وقال في (( الفتح ) ): في رواية أبي ذر: بكسر الهمزة والخاء والذال المعجمتين وآخره مثناة من فوق قبلها ألف جمع إخاذة وهي الأرض التي تمسك الماء كالغدير. انتهى.
قال الزركشي بعد أن ضبط بهذا الضبط: وقال أبو الحسين عبد الغافر الفارسي: إنه الصواب. انتهى.
وفي (( المصابيح ) ): وروي: بكسر الهمزة وتخفيف الخاء والدال المهملة من الإخد جمع إخادة، وهي الغدران التي تمسك الماء.
وقال عبد الغافر الفارسي: إنه الصواب. انتهى فليحرر.
أي: التصويبين هو الصواب.
ولعل الصواب ما ذكره الزركشي، فإنه رواية أبي ذر كما نص على ذلك صاحب (( الفتح ) )، وذكر العيني تصويب عبد الغافر الفارسي له بعد أن ضبطه بالذال المعجمة ومادة: (( ا خ د ) )بالخاء المعجمة والدال المهملة ليست في (( الصحاح ) )، ولا في (( القاموس ) )، بل في (( القاموس ) )من زياداته على (( الصحاح ) ): المستأخد: المستكين لمرضه، أو الصواب: بالذال يعني: المعجمة فلعل ما في (( المصابيح ) )من تحريف النساخ، فليحرر.
(أَمْسَكَتِ) أي: حفظت (الْمَاءَ) والجملة صفة (( أجادب ) ) (فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ) جملة معطوفة على التي قبلها من عطف المسبب على السبب، وللأصيلي: ؛ أي: بالماء.
والاقتصار على الناس مع أن الحيوانات تنتفع بذلك أيضًا لشرفهم أو؛ لأن انتفاع أكثر الحيوانات راجع إليهم ويؤيد ذلك قوله: (فَشَرِبُوا) من الماء (وَسَقَوْا) بفتح السين والقاف.
يقال: سقاه وأسقاه لغتان، وقيل: سقاه ناوله، وأسقاه جعل له سقيا، قاله في (( منحة الباري ) ).
(وَزَرَعُوا) ما يصلح للزرع من غيرها لا منها لأن الكلام في القسم الثاني، وهي الأجادب التي تمسك الماء ولا تنبت.
ولذا قال القاضي عياض: قوله: (( وزرعوا ) )راجع للأولى؛ لأن الثانية لم يحصل منها نبات. انتهى.
وقال في (( الفتح ) ): ويمكن أن يرجع إلى الثانية أيضًا بمعنى أن الماء الذي استقر بها سقيت منه أرض أخرى بالمعالجة فأنبتت. انتهى.
ولمسلم والنسائي وغيرهما: (( ورعوا بغير
ج 1 ص 463
زاي من الرعي )) .
قال النووي: كلاهما صحيح.
ورجح القاضي رواية مسلم بلا مرجح؛ لأن رواية (( زرعوا ) )تدل على مباشرة الزرع؛ ليطابق في التمثيل مطابقة طلب العلم، وإن كانت رواية (( رعوا ) )مطابقة لقوله: (( أنبتت ) )لكن المراد أنها قابلة للإنبات.
وقيل: إنه روي: (( ووعوا ) )بواوين، ولا أصل لذلك، بل هو تصحيف، كذا في (( الفتح ) ).
(وَأَصَابَ) أي: الغيث ومن جعل مرجع الضمير الماء كصاحب (( الفتح ) )نظر إلى جانب المعنى (طَائِفَةً أُخْرَى) مفعول به لـ (( أصاب ) )وللأصيلي وكريمة: بالتأنيث فطائفة على هذه الرواية فاعل والمفعول محذوف؛ أي: الماء وهي ملاقية في المعنى للرواية الأولى؛ لأن الماء إذا أصابها فقد أصابته ووقع كذلك صريحًا عند النسائي.
(إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ) بكسر القاف وبالعين المهملة جمع قاع وهو الأرض المستوية، وقيل: الملساء، وقيل: التي لا نبات فيها وهو المناسب هنا (لاَ تُمْسِكُ مَاءً) جملة في محل الصفة لـ (( قيعان ) ).
(وَلاَ تُنْبِتُ كَلأً) بضم التاء فيهما من باب الأفعال (فَذَلِكَ) أي: ما ذكر من الأقسام الثلاثة (مَثَلُ) بفتحتين؛ أي: صفة (مَنْ فَقُهَ) بضم القاف؛ أي: صار فقيهًا.
وقال ابن التين: رويناه بكسرها والضم أشبه، كذا في (( الفتح ) ).
وقال في (( منحة الباري ) ): يقال: (( فقُه ) )بالضم إذا صار الفقه له سجية (( وفقِه ) )بالكسر إذا فهم (( وفقَه ) )بالفتح إذا سبق غيره إلى الفهم، قاله ابن القطاع وغيره. انتهى.
(فِي دِينِ اللَّهِ) الذي هو الإسلام (وَنَفَعَهُ) عطف على (( فقه ) ) (مَا) أي: الذي (بَعَثَنِي اللَّهُ تعالى بِهِ) فالموصول فاعل نفع، وفي رواية أبي الوقت وابن عساكر: .
فالفاعل على هذه الرواية ضمير راجع إلى لفظ الجلالة، ولا يصح أن تكون الباء زائدة في الفاعل هنا؛ لأنها لا تزاد في مثله إلا ضرورة.
(فَعَلِمَ) ما جئت به (وَعَلَّمَ) بتشديد اللام؛ أي: غيره فانتفع هو وغيره بعلمه، وهذا يكون على قسمين:
فالأول: العالم العامل المعلم وهو كالأرض الطيبة شربت فانتفعت في نفسها وأنبتت فنفعت غيرها.
والثاني: الجامع للعلم المستغرق لزمانه فيه المعلم غيره، لكنه لم يعمل بنوافله، ولم يتفقه فيما جمع فهو كالأرض التي يستقر فيها الماء، فينتفع به الناس فقد تبين أن هذا القسم قد اشتمل على قسمين.
وأشار صلى الله عليه وسلم إلى الثالث بقوله: (وَمَثَلُ) بفتح الميم والمثلثة (مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا) أي: تكبر ولم يلتفت إليه لفرط تكبره وهو من دخل في الدين على جهل، ولم يصرف همته إلى تعلم العلم أو تعلَّمَه ولم يعمل به، ولم يعلمه غيره فهو كالأرض السبخة التي لا تقبل الماء ولا تنبت الكلأ والعشب، ولا تمسك الماء لينتفع به الناس بل ربما أفسدته.
(وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ) هذا في الحقيقة قسم من القسم الثالث، وهو من لم يدخل في الدين أصلًا بل بلغه فكفر به، وإلا لصارت الأقسام أربعة فهو كالأرض الصماء الملساء التي يمر عليها الماء فلا تنتفع به، فعلى هذا القسمة بين المشبه والمشبه ثلاثية.
قال النووي: معنى هذا التمثيل أن الأرض ثلاثة أنواع، فكذلك الناس.
فالنوع الأول من الأرض: ينتفع بالمطر فيحيى بعد أن كان ميتًا وينبت الكلأ فينتفع به الناس والدواب.
والنوع الأول من الناس: يبلغه الهدى والعلم فيحفظه ويحيا قلبه به ويعمل به ويعلمه غيره فينتفع وينفع.
والنوع الثاني من الأرض: ما لا يقبل الانتفاع في نفسها لكن فيها فائدة وهي إمساك الماء لغيرها فينتفع به الناس والدواب.
وكذا النوع الثاني من الناس لهم قلوب حافظة، لكن ليست لهم أذهان ثاقبة ولا رسوخ لهم في العلم يستنبطون به المعاني والأحكام، وليس لهم اجتهاد في العمل به فهم يحفظونه حتى يجيء أهل العلم للنفع والانتفاع فيأخذه منهم فينتفع به فهؤلاء نفعوا الناس بما بلغهم.
والثالث من الأرض: هو السباخ التي لا تنبت فهي لا تنتفع بالماء ولا تمسكه لينتفع به غيرها.
وكذلك الثالث من الناس ليست لهم قلوب حافظة ولا أفهام واعية، فإذا سمعوا العلم لا ينتفعون به ولا يحفظونه لنفع غيرهم؛ أي:
ج 1 ص 464
الأول للمنتفع النافع، والثاني للنافع غير المنتفع، والثالث لغيرهما، أو الأول إشارة إلى العلماء، والثاني إلى النقلة، والثالث إلى من لا علم له ولا نقل. انتهى.
قال الكرماني: ولا يخفى أن دلالة اللفظ على كون الناس ثلاثة أنواع غير ظاهرة. انتهى.
أقول: والمحققون من الشراح ذهبوا إلى أن القسمة ثنائية على خلاف ما ذهب إليه النووي.
قال الطيبي: القسمة الثنائية هي المنصورة وذلك إن أصاب منها طائفة معطوفة على أصاب أرضًا، وكانت الثانية معطوفة على كان لا على أصاب، وقسمت الأرض الأولى إلى النقية، وإلى الأجادب والثانية على عكسها، وفي كان ضم وتر إلى وتر، وفي أصاب ضم شفع إلى شفع.
وهو نحو قوله تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [الأحزاب:35] من جهة أنه عطف الإناث على الذكور أولًا، ثم عطف الزوجين، وكذا هاهنا عطف كانت على كانت ثم عطف أصاب على أصاب.
فالحاصل: أنه قد ذكر في الحديث الطرفان العالي في الاهتداء، والعالي في الضلال، فعبر عمن قبل هدى الله والعلم بقوله فقه، وعمن أبى قبولهما بقوله: لم يرفع بذلك رأسًا؛ لأن ما بعدهما وهو نفعه ... إلخ في الأول، ولم يقبل هدى الله ... إلخ في الثاني عطف تفسيري لفقه.
ولقوله: لم يرفع وذلك؛ لأن الفقيه هو الذي علم وعمل ثم علم غيره وترك الوسط وهو قسمان:
أحدهما: الذي انتفع بالعلم في نفسه فحسب.
والثاني: الذي لم ينتفع هو بنفسه ولكن نفع الغير. انتهى.
وقال المظهري في (( شرح المصابيح ) ): اعلم أنه ذكر في تقسيم الأرض ثلاثة أقسام، وفي تقسيم الناس باعتبار قبول العلم قسمين:
أحدهما: من فقه ونفع الغير.
والثاني: من لم يرفع به رأسًا، وإنما ذكره كذلك؛ لأن القسم الأول والثاني من أقسام الأرض كقسم واحد من حيث أنه ينتفع به، والثاني هو ما لا ينتفع به وكذلك الناس قسمان من يقبل ومن لا يقبل.
وهذا يوجب جعل الناس في الحديث على قسمين: من ينتفع به ومن لا ينتفع به وأما في الحقيقة فالناس على ثلاثة أقسام: فمنهم من يقبل من العلم بقدر ما يعمل به ولم يبلغ درجة الإفادة، ومنهم من يقبل ويبلغ، ومنهم من لا يقبل. انتهى.
قال العيني: والصواب مع الطيبي؛ لأن تقسيم الأرض وإن كان ثلاثة بحسب الظاهر ولكنه في الحقيقة قسمان؛ لأن النوعين محمودان والثالث مذموم، وتقسيم الناس نوعان: أحدهما ممدوح أشار إليه بقوله: (( مثل من فقه في دين الله ... الخ ) )، والآخر: مذموم أشار إليه بقوله: (( من لم يرفع بذلك رأسًا ) ). انتهى.
وقال البد [ر] الدماميني في (( المصابيح ) ): وتشبيه الهدى والعلم بالغيث المذكور تشبيه مفرد بمركب إذ الهدى مفرد وكذا العلم والمشبه به وهو غيث كثير أصاب أرضًا منها ما قبلت وأنبتت، ومنها ما أمسكت خاصة، ومنها ما لم تنبت ولم تمسك، مركب من عدة أمور كما تراه.
وشبه من انتفع بالعلم ونفع به بأرض قبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب وهو تمثيل؛ لأن وجه الشبه فيه هو الهيئة الحاصلة من قبول المحل لما يرد عليه من الخير مع ظهور أمارته وانتشارها على وجه عام الثمرة متعدي النفع.
ولا يخفى أن هذه الهيئة منتزعة من أمور متعددة ويجوز أن يشبه انتفاعه بقبول الأرض الماء ونفعه المتعدي بإنباتها الكلأ والعشب والأول أكمل وأجزل؛ لأن لهيئة المركبات من الوقع في النفس ما ليس في المفردات من ذواتها من غير نظر إلى تضامها والالتفات إلى هيأتها الاجتماعية قال الشيخ عبد القاهر في قول القائل:
~وكأن أجرام النجوم لوامعًا درر نثرن على بساط أزرق
لو قلت: كأن النجوم درر وكأن السماء بساط أزرق كان التشبيه مقبولًا لكن أين هو من التشبيه الذي يريك الهيئة التي تملأ النواظر عجبًا وتستوقف العيون وتستنطق القلوب بذكر الله تعالى من طلوع النجوم مؤتلقة مفترقة في أديم السماء وهي زرقاء زرقتها بحسب الرؤية الصافية.
والنجوم تبرق وتتلألأ في أثناء تلك الزرقة، ومن لك بهذه الصورة إذا جعلت التشبيه مفردًا، وشبه من انتفع بالعلم في خاصة نفسه، ولم ينفع به أحدًا بأرض أمسكت الماء، ولم تنبت شيئًا أو شبه انتفاعه
ج 1 ص 465
المجرد بإمساك الأرض للماء مع عدم إنباتها، وشبه من عدم فضيلتي النفع والانتفاع جميعًا بأرض لم تمسك ماءً أصلًا، أو شبه فوات ذلك بعدم إمساكها الماء.
وهذه الحالات الثلاث مستوفية لأقسام الناس ففيه من البديع التقسيم.
فإن قلت: ليس في الحديث تعرض إلى القسم الثاني، وذلك أنه قال: (( فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ) )وهذا القسم الأول.
ثم قال: (( ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ) )وهذا هو القسم الثالث، فأين الثاني؟.
قلت: يحتمل أن يكون ذكر من الأقسام أعلاها وأدناها، وطوى ذكر ما بينهما لفهمه من أقسام المشبه به المذكورة أولًا، ويحتمل أن يكون قوله: نفعه ... إلخ صلة موصول محذوف معطوفًا على الموصول الأول؛ أي: فذلك مثل من فقه في دين الله ومثل من نفعه كقول حسان رضي الله عنه:
~أمن يهجو رسول الله منكم ويمدحه وينصره سواء
أي: ومن يمدحه وينصره سواء وعلى هذا فتكون الأقسام الثلاثة مذكورة، فمن فقه في دين الله هو الثاني، ومن نفعه الله من ذلك فعلم وعلم هو الأول، ومن لم يرفع بذلك رأسًا هو الثالث، وفيه حينئذ لف ونشر غير مرتب فتأمل. انتهى.
وفي الكرماني: وقد اشتمل الحديث على تشبيهات متفرقة متعددة باعتبار الأجزاء كتشبيه ما بعثه الله تعالى به بالغيث الكثير وكتشبيه أنواع الناس بأنواع الأرض ونحوهما.
والأول: من تشبيه المعقول بالمحسوس، والثاني: من تشبيه المحسوس بالمحسوس، ويحتمل أن يكون تشبيهًا واحدًا من باب التمثيل؛ أي: تشبيه صفة العلم الواصل إلى أنواع الناس من جهة اعتبار النفع وعدمه بصفة المطر المصيب إلى أنواع الأرض من تلك الجهة.
فإن قلت: فقوله: (( فذلك مثل من فقه ) )هل هو داخل في التشبيه أو تشبيه آخر؟.
قلت: هو تشبيه آخر ذكر كالنتيجة للأول، ولبيان المقصود منه. انتهى ملخصًا.
وهذا الحديث فيه التحديث والعنعنة، ورواته كلهم كوفيون.
وأخرجه المؤلف هنا فقط، ومسلم في فضائله صلى الله عليه وسلم، والنسائي في العلم.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) أي: البخاري، وفي رواية غير الأصيلي وابن عساكر حذف ذلك (قَالَ إِسْحَاقُ) أي: ابن إبراهيم بن مَخْلَد بفتح الميم وسكون الخاء وفتح اللام الحنظلي المروزي، المشهور بابن راهَويْه بهاء مفتوحة وواو كذلك بعدها ياء ساكنة ثم هاء، وبالفارسية: واوه ساكنة مضموم ما قبلها مفتوح ما بعدها والتاء خطأ.
وعليه أهل الحديث تفاديًا من وقوع وَلَهِ آخر الكلام، كذا في (( شرح الشفاء ) )للدلجي.
وفي الكرماني: أن عبد الله بن طاهر سأله لم قيل لك: ابن راهويه؟ فقال: اعلم أيها الأمير أن أبي ولد في طريق مكة، فقال: المراوزة: راهوي؛ لأنه ولد في الطريق وهو بالفارسية راه. انتهى.
وهو أحد أركان الإسلام وعلم من أعلام الدين، مات بنيسابور سنة ثمان وثلاثين ومائتين.
وفي العيني: ويحتمل أن يراد به إسحاق بن إبراهيم بن نصر السعدي البخاري بالخاء المعجمة نزيل المدينة توفي سنة اثنين وثلاثين ومائتين، أو إسحاق بن منصور بن بهرام الكوسج المروزي، مات عام أحد وخمسين ومائتين، إذ البخاري في هذا الصحيح يروي عن الثلاثة عن أبي أسامة. انتهى.
وفي الكرماني: قال الغساني في كتابه (( تقييد المهمل ) ): أن البخاري إذا قال: حدثنا إسحاق غير منسوب، حدثنا أبو أسامة يعني به: أحد هؤلاء الثلاثة، ولا يخلو عن أحدهم.
وقال القسطلاني: الظاهر: أنه ابن راهويه؛ لأنه إذا وقع في هذا الكتاب إسحاق غير منسوب فهو كما قال الجياني عن ابن السكن يكون ابن راهويه في روايته عن أبي أسامة، فليحرر.
(وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ الْمَاءَ) بالمثناة التحتية المشددة بدل قوله: (( قبلت ) )بالموحدة، وجزم الأصيلي: بأنها تصحيف من إسحاق، وصوبها غيره والمعنى شربت القيل وهو شرب نصف النهار، وزاد في رواية المستملي: .
(قَاعٌ) أي: أن قيعان المذكور في الحديث جمع قاع وهو أرض (يَعْلُوهُ الْمَاءُ) ولا يستقر فيه (وَالصَّفْصَفُ الْمُسْتَوِي مِنَ الأَرْضِ) كذا
ج 1 ص 466
عند ابن عساكر، وهذا ليس في الحديث، وإنما ذكره جريًا على عادته من الاعتناء بتفسير ما يقع في الحديث من الألفاظ الواقعة في القرآن بنفسها أو ما يجمعها وإياه اشتقاق، وتفسير الصفصف بما ذكر هو قول أكثر أهل اللغة وقال ابن عباد الصفصف حرف الجبل.