فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 1465

83 -وبالسند إلى المؤلف.

قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) ابن أبي أويس ابن أخت الإمام مالك (قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ) ابن أنس (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهري (عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ) بضم العين القرشي التيمي تابعي ثقة كثير الحديث من أفاضل أهل المدينة وعقلائهم توفي بها سنة مائة، روى له الجماعة.

(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِي) بإثبات الياء على الأفصح، وقرئ بالإثبات والحذف في نحو المتعال (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ) بفتح الحاء من حجة وهي الرواية، ويجوز فيها الكسر.

وفي (( الصحاح ) ): الحجة بالكسر المرة وهي من الشواذ؛ لأن القياس الفتح. انتهى.

والوداع: بفتح الواو اسم التوديع كالسلام بمعنى التسليم.

وقال الكرماني: يجوز الكسر بأن يكون من باب المفاعلة، وتبعه صاحب (( الفتح ) ).

قال العيني: وما أظن هذا صحيحًا؛ لأنه بالكسر يتغير المعنى؛ لأن الموادعة معناها المصالحة، وكذلك الوداع بالكسر، والمعنى على التوديع وهو عند الرحيل معروف وهو تخليف المسافر الناس خافضين وادعين وهم يودعونه إذا سافر تفاؤلًا بالدعة التي يصير إليها إذا قفل؛ أي: يتركونه وسفره. انتهى.

وأقول: يمكن الجواب بأن يكون الوداع بالكسر مصدر وادع بمعنى ودع كسافر بمعنى سفر وكالقتال مصدر قاتلهم الله بمعنى قتلهم.

(بِمِنًى) كإلى معروفة ويجوز فيها الصرف وعدمه.

قال في (( القاموس ) ): وهي قرية بمكة شرفها الله تعالى وتصرف سميت لما يمنى بها من الدماء، وقال ابن عباس: لأن جبريل لما أراد أن يفارق آدم عليهما السلام قال له: تمن قال أتمنى الجنة فسميت منى لأمنية آدم عليه السلام.

(لِلنَّاسِ) متعلق بوقف وقوله: (يَسْأَلُونَهُ) حال من الناس أو من فاعل وقف أو مستأنفة استئنافًا بيانيًا أو صفة للناس؛ لأن المراد به الجنس فهو في قوة النكرة (فَجَاءهُ رَجُلٌ) وللأصيلي بإسقاط ضمير المفعول.

قال في (( الفتح ) ): ولم أعرف اسمه. انتهى.

والظاهر أن عبد الله لم يسمه لكثرة السائلين فلو سمى واحدًا منهم وترك غيره لكان كالترجيح من غير مرجح فذكر لفظًا يشملهم شمولًا بدليًا.

(فَقَالَ) يا رسول الله (لَمْ أَشْعُرْ) بضم العين المهملة؛ أي: لم أفطن (فَحَلَقْتُ) رأسي (قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ) الهدي (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام (اذْبَحْ وَلاَ حَرَجَ) أي: لا إثم عليك في ذلك.

وقال القاضي عياض: هذا إباحة لما فعل وقدم وإجازة له كأنه قال افعل ذلك كما فعلته قبل أو متى شئت ولا حرج عليك؛ لأن السؤال إنما كان عما انقضى وتم. انتهى.

(فَجَاءَ) رجل (آخَرُ) غير الأول (فَقَالَ) يا رسول الله (لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ) هديي (قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ) الجمرة جمرة العقبة والذبح في الحلق والنحر في اللبة بفتح اللام وهو موضع القلادة من الصدر والفاء في (( فحلقت ) )وفي (( فنحرت ) )سببية لتسبب كل منهما عن عدم الشعور كأنه يعتذر لتقصيره

ج 1 ص 471

وحذفت مفاعيل هذه الأفعال للعلم بها من قرينة المقام.

(قَالَ) عليه الصلاة والسلام، ولأبي ذر: بالفاء (ارْمِ وَلاَ حَرَجَ) أي: لا إثم عليك فيما فعلت، ويجري فيه ما مر آنفًا عن القاضي عياض.

قال عبد الله بن عمرو: (فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ) من أعمال الحج في يوم العيد من الرمي والنحر والحلق والطواف (قُدِّمَ وَلاَ أُخِّرَ) بالبناء للمفعول فيهما.

قال الكرماني: لا بد فيه من تقدير لا في الأول؛ لأن الكلام الفصيح قلما يقع لا الداخلة على الماضي فيه إلا مكررة وحسن ذلك هنا؛ لأنه وقع في سياق النفي، ونظيره قوله تعالى: {مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ} [الأحقاف:9] . انتهى.

وتبعه على ذلك العيني والقسطلاني والقاضي زكريا من محققي الشراح.

أقول: وفيه نظر ظاهر إذ يصير حاصل المعنى على هذا التقدير فما سئل عن شيء لا قدم ولا أخر إلا قال افعل ولا حرج، والشيء الذي لم يقدم ولم يؤخر لا شبهة أنه في محله، وهذا غير مراد من الحديث كما لا يخفى، فلعل الصواب ما سنح بخاطر هذا العبد الضعيف وهو أن في الكلام حذف موصوف استغني عنه بصفته وإن كان ذلك فيما إذا كانت الصفة جملة قليلًا والأصل ولا عن شيء أُخّر فيصير حاصل المعنى حينئذ أنه ما سئل عن شيء قدم على محله ولا عن شيء أخر عن محله إلا قال افعل ولا حرج، ويؤيد ذلك رواية مسلم ما سئل عن شيء قدم أو أخر على أن قوله ونظيره قوله تعالى: {مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ} فيه نظر أيضًا؛ لأنه غير مطابق لما قرره من أن لا الداخلة على الفعل الماضي قلما تقع إلا مكررة؛ لأنها في الآية داخلة على المضارع وهي فيه صلة لتأكيد النفي بـ (( ما ) )كما تقول: ما جاءني زيد ولا عمرو دفعًا لوهم أن يكون النفي لمجيئهما معًا فزيدت لا للتنصيص على أن كلًا منهما مقصود بالنفي، والمطابق لما هو بصدده قوله تعالى: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى} [القيامة:31] . هذا ما أدى إليه الفكر الفاتر والنظر القاصر فليتأمل في ذلك الناظر.

(إِلَّا قَالَ افْعَلْ وَلاَ حَرَجَ) أي: عليك فخبر لا محذوف كقوله تعالى: {لَا ضَيْرَ} [الشعراء:50] أي: لا إثم ولا فدية كما يقوله الشافعي وأحمد، أو لا إثم فقط مع وجوب الفدية كما يقوله أبو حنيفة ومالك.

قال الكرماني: واختلف العلماء في ترتيب هذه الأعمال الأربعة على الترتيب المذكور في أنه سنة ولا شيء في تركه أو واجب يتعلق الدم بتركه إلى الأول ذهب الشافعي وأحمد، وإلى الثاني أبو حنيفة ومالك، وأولو قوله: (( لا حرج ) )على نفي الإثم دون الفدية، والصحيح عدم الوجوب إذ لا حرج معناه لا شيء عليك مطلقًا من الإثم لا في ترك الترتيب ولا في ترك الفدية، وقد صرح في بعض الروايات بتقديم الحلق على الرمي. انتهى.

وتفصيل ذلك والاستدلال لكل من الفريقين، وعليه محله كتب الأصول ومطولات الفقه.

وفي الحديث جواز سؤال العالم راكبًا وماشيًا وواقفًا، وأن الجلوس على الدابة جائز للضرورة بل للحاجة كما كان جلوسه صلى الله عليه وسلم ليشرف على الناس، ولا يخفى عليهم كلامه لهم.

قال في (( المصابيح ) ): ولا يعارض بهذا ما يؤثر عن مالك من كراهة الكلام في العلم والسؤال عن الحديث في الطريق؛ لأن الموقف بمنى لا يعد من الطرقات؛ لأنه موقف سنة وعبادة وذكر ووقت حاجة إلى التعلم خوف الفوات إما بالزمان أو بالمكان. قاله ابن المنير. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت