88 -وبالسند إلى المؤلف قال:
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزي، وفي رواية غير الأصيلي: (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) ابن المبارك المروزي (قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ) بضم العين في الأول وكسرها في الثاني (بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ) مصغرًا النوفلي المكي.
(قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللَّهِ) بفتح العين (بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضم الميم زهير التيمي القرشي الأحول نسبة لجده أبي مليكة لشهرته به، وإلا فأبوه عبيد الله بضم العين (عَنْ عُقْبَةَ) بضم العين وسكون القاف وفتح الموحدة (بْنِ الْحَارِثِ) ابن عامر القرشي أبي سروعة بكسر السين المهملة وقد تفتح أسلم يوم الفتح وسكن مكة هذا قول أهل الحديث، وأما جمهور أهل النسب فيقولون عقبة هذا هو أخو أبي سروعة؛ وأنهما أسلما جميعًا يوم الفتح، وعند المؤلف في النكاح في باب شهادة المرضعة أن ابن مليكة قال: حدثنا عبيد الله بن أبي مريم عن عقبة بن الحارث قال: وسمعته من عقبة، لكني لحديث عبيد أحفظ فصرح بسماعه عن عقبة فانتفى قول أبي عمر أن ابن [أبي] مليكة لم يسمع من عقبة بينهما عبيد بن أبي مريم فإسناده منقطع.
(أَنَّهُ) أي: عقبة بن الحارث (تَزَوَّجَ ابْنَةً) وللأصيلي: (لأَبِي إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ) بكسر الهمزة من إهاب، وبصيغة التكبير في عزيز بن قيس بن سويد التيمي الدارمي واسم ابنته غنية بفتح الغين المعجمة وكسر النون وتشديد المثناة التحتية، وكنيتها أم يحيى (فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ) قال في (( الفتح ) ): لم أقف على اسمها.
(فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ) ابن الحارث (وَ) المرأة (الَّتِي تَزَوَّجَ بها) وهي غنية، وفي رواية الأربعة حذف: فيكون العائد إلى الموصول ضميرًا منصوبًا محذوفًا تقديره تزوجها (فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ) بكسر الكاف (أَرْضَعْتِنِي) وفي رواية ابن عساكر وأبي الوقت: بزيادة مثناة تحتية قبل النون تولدت من إشباع الكسرة.
(وَلاَ أَخْبَرْتِنِي) بكسر التاء المثناة فوق من غير ياء، ولابن عساكر: بإثبات الياء المتولدة من إشباع الكسرة، وعبر بأعلم مضارعًا وأخبرت ماضيًا؛ لأن نفي العلم حاصل في الحال بخلاف نفي الإخبار فإنه كان في الماضي فقط.
(فَرَكِبَ) عقبة من مكة (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) حال كونه (بِالْمَدِينَةِ) حال من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والباء بمعنى في فهو ظرف مستقر لا لغو متعلق بركب (فَسَأَلَهُ) أي: سأل عقبة النبي صلى الله عليه وسلم عن الحكم في المسألة النازلة به.
(فَقَالَ) وفي رواية الأصيلي وأبي الوقت وابن عساكر: (رَسُولُ اللَّهِ) وفي رواية أبي ذرّ: (( النبي ) ) (صلى الله عليه وسلم كَيْفَ) هو ظرف يسأل به عن الحال.
وقوله: (وَقَدْ قِيلَ) أيضًا حال وهما يستدعيان عاملًا يعمل فيهما والتقدير كيف تباشرها وتفضي إليها وقد قيل إنك أخوها؛ أي: إن ذلك بعيد من ذوي
ج 1 ص 481
المروءة والورع، فاجتناب مواطن التهم طريقة مسلوكة لأولي المروءات والهمم، ومن عرض نفسه لبعض الظنّ فقل أن يسلم من معرة سهام الطعن، ولله در من قال:
~قد قيل ما قيل إن حقًا وإن كذبا فما اعتذارك عن قول إذا قيلا
(فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ) أي: صورة بأن تجنبها وأرسلها إلى أهلها أو طلقها احتياطًا وورعًا لا حكمًا بثبوت الرضاع وفساد النكاح، إذ ليس قول المرأة الواحدة حجة يثبت بها التحريم، نعم أخذ بظاهره الإمام أحمد في المرضعة فقال: الرضاع يثبت بشهادة المرضعة وحدها بيمينها.
قال ابن بطال: قال جمهور العلماء: إن النبي صلى الله عليه وسلم أفتاه بالتحرز عن الشبهة وأمره بمجانبة الريبة خوفًا من الإقدام على فرج قام فيه دليل على أن المرأة أرضعتهما، لكنه لم يكن قاطعًا ولا قويًا لإجماع العلماء أن شهادة المرأة الواحدة لا تجوز في مثل ذلك، لكن أشار عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالأحوط. انتهى.
(وَنَكَحَتْ) أي: غنية المذكورة بعد مفارقتها لعقبة وانقضاء عدتها منه (زَوْجًا غَيْرَهُ) أي: غير عقبة وهو ظريب بضم الظاء المعجمة المشالة مصغرًا ابن الحارث وتزوجه لها دليل ظاهر على أن مفارقة عقبة إياها كانت بالطلاق؛ لأن مجرد الاحتياط في حق الأول لا يبيحها للثاني إلا عند من يثبت الرضاع بقول امرأة واحدة وهو أحمد بن حنبل، وهذا يقدح في نقل ابن بطال الإجماع على أن شهادة المرأة الواحدة لا تجوز في مثل ذلك.
وفي العيني: ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أن شهادة الواحدة تقبل إذا كانت مرضية وتستحلف مع شهادتها.
وقال مالك: يقبل قولها بشرط أن يفشو ذلك بين الأهل والجيران، فإن شهدت امرأتان شهادة فاشية فلا خلاف في الحكم بها عنده، وإن شهدتا من غير فشو أو شهدت واحدة مع الفشو ففيه قولان.
ومنع أبو حنيفة من شهادة النساء متمحضات في الرضاع ولا يثبت الرضاع إلا بما يثبت به المال وهو شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، ولا تقبل عنده شهادة النساء المنفردات لأن ثبوت الحرمة من لوازم الملك في باب النكاح، ثم الملك لا يزول بشهادة النساء المنفردات فلا تثبت الحرمة.
وعند الشافعي تثبت بشهادة أربع نسوة.
وقال التيمي: معنى الحديث الأخذ بالوثيقة في باب الفروج، وليس قول المرأة الواحدة شهادة يجوز بها الحكم في أصل من الأصول وفي كيف وقد قيل: الاحتراز من الشبهة ومعنى فارقها طلقها. انتهى ملخصًا.
أقول: وهذا خلاصة ما ذكروه هنا، ولا يخفى على من أمعن النظر أنه لا يخلو عن شوب كدر؛ لأن أمر عقبة بمفارقتها من غير حجة شرعية يستلزم من جانبه الإضرار به بمفارقة أهله وغرامة صداقها، ومن جانب الزوج الذي اتصلت ضد ما قالوه من الاحتياط فإن نكاح عقبة لا ينفسخ بمجرد احتمال الرضاع، بل لا بد من ثبوته شرعًا وكونه طلقها غير ثابت، وعلى فرض ثبوته كيف يأمره به صلى الله عليه وسلم لأمر متوهم.
والذي سنح لهذا العبد الضعيف في دفع هذا الإشكال أنه صلى الله تعالى عليه وسلم اطلع على ثبوت الرضاع وحقيته في نفس الأمر، فقضى فيها بعلمه مستندًا فيها بحسب الظاهر إلى قول تلك المرأة فتكون هذه المسألة من المسائل التي قضى فيها رسول الله بعلم الباطن.
فقد نص السيوطي في (( الخصائص الكبرى ) )أنه اختص بالقضاء بالظاهر والباطن، وذكر من ذلك عدة مسائل:
منها: أن امرأة ادعت على ورثة بعض الصحابة بدينارين على مورثهم ولم يكن لها بينة فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإعطاء الدينارين بدون بينة وقال: إنها محقة فأعطوها إياهما.