وبالسند إلى المؤلف رحمه الله قال:
8 - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى) ابن باذام _ بالباء الموحدة والذال المعجمة _ وهو لفظ فارسي معناه اللوز العَبْسي _ بفتح العين المهملة وتسكين الباء الموحدة _ مولاهم الكوفي الثقة، سمع الأعمش وخلقًا من التابعين، وعنه البخاري وأحمد وغيرهما، وروى مسلم، وأصحاب السنن الأربعة عن رجل عنه كان عالمًا بالقرآن رأسًا فيه، توفي بالإسكندرية سنة ثلاث عشرة، أو أربع عشرة ومائتين.
وقال ابن قتيبة في (( المعارف ) ): وكان عبيد الله يتشيع ويروي أحاديث منكرة فضعف بذلك عند كثيرين من الناس.
وقال النووي: وقع في (( الصحيحين ) )وغيرهما من كتب أئمة الحديث الاحتجاج بكثير من المبتدعة غير الدعاة إلى بدعتهم، ولم يزل السلف والخلف على قبول الرواية منهم، والاستدلال بها، والسماع منهم، وإسماعهم من غير إنكار.
قَالَ (أَخْبَرَنَا) وفي رواية الهروي: (حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) ابن عبد الرحمن الجمحي المكي القرشي من ذرية صفوان بن أمية الجمحي، وهو ثقة، حجة، سمع عطاء وغيره من التابعين، وعنه الثوري وغيره من الأعلام، مات سنة إحدى وخمسين ومائة، روى له الجماعة، وقيل: إلا ابن ماجه، والصحيح أنه روى له كما نبه عليه المزي.
(عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ) ابن العاص بن هشام المخزومي الثقة المتفق على توثيقه، القرشي، المكي، سمع ابن عمر، وابن عباس، وغيرهما، وروى عنه عمرو بن دينار وغيره من التابعين، مات بمكة بعد عطاء، ومات عطاء سنة أربع عشرة أو خمس عشرة ومائة، والعاص جده وهو أخو أبي جهل، قتله عمر رضي الله عنه ببدر كافرًا، وهو خال عمر على قول.
وفي الصحابة: عكرمة ثلاثة لا رابع لهم، عكرمة بن أبي جهل المخزومي، وعكرمة بن عامر العبدري، وعكرمة بن عبيد الخولاني، وليس في (( الصحيحين ) )من اسمه عكرمة إلا هذا، وعكرمة بن عبد الرحمن، وعكرمة مولى ابن عباس.
وروى مسلم للأخير مقرونًا، وتكلم فيه لرأيه، وعكرمة بن عمار، أخرج له مسلم في الأصول، واستشهد به البخاري في كتاب البر والصلة.
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما وقد ذكر قريبًا (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ) قال النووي: أدخل البخاري هذا الحديث في هذا الباب؛ ليبين أن الإسلام يطلق على الأفعال، وأن الإسلام والإيمان قد يكونان بمعنى واحد انتهى.
قال ابن كمال باشا متعقبًا له: ولا يذهب عليك أن الإدخال المذكور قاصر عن إفادة ما ذكره ثانيا انتهى.
يعني: أن إدخاله تحت ترجمة الإيمان لا يقتضي اتحاد الإسلام والإيمان، بل ربما يدل على المغايرة؛ لأنها مقتضى العطف.
وقال منلا علي القاري في (( شرح المشكاة ) ): الإسلام: اسم للشريعة دون الإيمان، وقد يطلق على الإذعان بالقلب، والاستسلام بجميع القوى والجوارح في كل الأحوال، وهو الذي أمر به إبراهيم عليه السلام حيث قال تعالى له: {أَسْلَمَ} وهذا أخص من الأول، والمراد به الإسلام الكامل؛ لأن حقيقته مبنية على الشهادتين فقط انتهى.
وتظهر ثمرة الاختلاف في المغايرة، والاتحاد أنه على القول بالاتحاد لا يختلف المرتب عليهما، وأما على المغايرة فإنه يختلف، فمن أتى بها فهو مؤمن كامل، ومن أخل بهما فهو كافر كامل، ومن ترك الإسلام وحده فهو فاسق ويسمى مؤمنًا ناقصًا، ومن ترك الإيمان وحده فهو منافق مخلد في الدرك الأسفل من النار، وتجري عليه أحكام المسلمين في الدنيا؛ لأنه مسلم ظاهرًا.
وقوله: (( على خمس ) )بترك التاء؛ أي: خمس دعائم، قال في (( الفتح ) )وصرح به
ج 1 ص 179
عبد الرزاق في روايته، وفي رواية لمسلم: (( على خمسة ) )أي: أركان انتهى.
وقد تبع في ذلك الكرماني، وقال ابن كمال باشا متعقبًا للكرماني: قد تقرر في موضعه أن أسماء العدد إنما يكون تذكيرها بالتاء، وتأنيثها بدونه؛ إذا كان المميز مذكورًا أما لو لم يذكر فيجوز فيها الأمران، ولهذا وقع ههنا في بعض الروايات: (( خمسة ) )بالتاء، وفي بعضها: (( خمس ) )بدونه، ومن توهم أن تقديره على الأول خمسة أشياء، أو أركان، أو أصول، وعلى الثاني خمس دعائم، أو قواعد، أو خصال فقد وهم فكأنه ما فهم موجب تلك القاعدة التي ذكرناها وذكرها أيضًا انتهى.
أقول: هذا مما يقضي منه العجب، فإن الكرماني بعد أن ذكر ما نقله عنه قال: وههنا دقيقة جليلة نطلعك عليها، وهو أن أسماء العدد إنما يكون تذكيرها بالتاء، وتأنيثها بسقوطها إذا كان المميز مذكورًا أما إذا لم يذكر فيجوز فيها الأمران، صرح به النحاة، وذكرها النووي في (( شرح مسلم ) )في حديث (( من صام رمضان وأتبعه ستًا من شوال ) ).
ففي مبحثنا يجوز التاء وعدمها انتهى، فكيف يقال أنه ما فهم موجب تلك القاعدة؟
فإن قلت: فإذا كان الكرماني فهم موجب تلك القاعدة فلم قدر بعد رواية خمس لفظة دعائم، وبعد رواية خمسة لفظة أركان؟
قلت: جرى أولًا على تنزيل المحذوف منزلة المذكور، ثم نبه على تلك القاعدة، أو يكون من قبيل ذكر أحد الوجهين الجائزين، وبالجملة فنسبة الكرماني إلى عدم فهم موجب القاعدة بعد ذكره لها مجازفة غير لائقة فليتأمل بالإنصاف.
وقد خرج على هذه القاعدة قول (( صاحب الهداية ) ): فرائض الصلاة ستة مع أنها جمع فريضة، وأجاب الأكمل بجواب آخر، وهو تأويل الفريضة بالفرض، ولا فرق في هذه القاعدة بين أن يكون المعدود الأيام كما في حديث: (( من صام رمضان ) )المتقدم أو غيرها كما في قول (( صاحب الهداية ) )، وكما في حديث الباب خلافًا لشيخ الإسلام تقي الدين السبكي، فإنه خص هذه القاعدة بما إذا كان المعدود الأيام دون ما سواها، والراجح عدم التخصيص، والمعتبر في التذكير والتأنيث حال المفرد.
وفي قوله: (( بني الإسلام ) )استعارة بالكناية شبه الإسلام بمبنى له دعائم، فحذف المشبه به وذكر المشبه، وأسند إليه ما هو من خواص المشبه به وهو البناء، فالاستعارة بالكناية في لفظ الإسلام المشبه بمبنى له دعائم على المذهب المختار، وإثبات البناء له استعارة تخييلة وهي قرينة المكنية ملازمة لها لا تنفك عنها بخلاف الترشيح، ومثله قوله تعالى: {يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ} [البقرة:27] لا أنبت الربيع البقل، كما ذكره الكرماني؛ لأنه مجاز عقلي إلا على مذهب السكاكي فإنه أنكر المجاز العقلي، وجعل أنبت الربيع البقل استعارة بالكناية كما في (( التلخيص ) )و (( شروحه ) ) [1] .
ويجوز أن تكون استعارة تبعية في بني بأن يشبه ثبات الإسلام واستقامته على هذه الأركان الخمسة ببناء بيت له خمسة أعمدة، ثم يستعار البناء للثبات، ثم يشتق من البناء الذي هو المصدر بني، والقرينة الإسلام كما في قولهم نطقت الحال بكذا.
قال في (( الفتح ) ): فإن قيل: الأربعة المذكورة مبنية على الشهادة إذ لا يصح شيء منها إلا بعد وجودها، فكيف يضم مبنى إلى مبنى عليه في مسمى واحد؟
أجيب: بجواز بناء أمر على أمر ينبني على الأمرين أمر آخر.
فإن قيل: المبنى لابد أن يكون غير المبنى عليه؟
أجيب: بأن المجموع غير من حيث الانفراد عين من حيث الجمع، ومثاله البيت من الشعر يجعل على خمسة أعمدة: أحدها وسط، والبقية أركان فإذا سقط الأوسط سقط مسمى البيت، فالبيت بالنظر إلى مجموعه شيء واحد، وبالنظر إلى أفراده أشياء، وأيضًا فبالنظر إلى أسه وأركانه، الأس أصل، والأركان تبع وتكملة انتهى.
أي: وكذلك الإسلام مبني على خمسة: أحدها كلمتا الشهادة يتوقف الإسلام عليهما وينعدم بانعدامهما كالعمود الأوسط للخباء، وأما الأربعة الباقية فأركان لكماله لا ينعدم بانعدام واحد منها، فإنها مكملات ومن هذا القبيل قول الحسن للفرزدق في مجمع شهود جنازة ما أعددت لهذا اليوم؟ فقال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ كذا سنة، قال الحسن: هذا العمود فأين الأطناب؟ انتهى.
وقول الفرزدق: شهادة أن لا إله إلا الله من إطلاق إحدى القرينتين وإرادة الأخرى
ج 1 ص 180
كقوله تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل:81] أي والبرد، وإلا فشهادة أن لا إله إلا الله وحدها غير منجية من الكفر.
وقال العيني تبعًا للكرماني بعد ما ذكر جواب صاحب (( الفتح ) )المتقدم بقوله: وأجيب بجواز بناء أمر على أمر ... إلخ ما نصه أو يقال: لا نسلم أن الأربعة مبنية على الكلمة، بل صحتها موقوفة عليها وذلك غير معنى بناء الإسلام على الخمس.
وقال التيمي: بني الإسلام على خمس، كأن ظاهره أن الإسلام مبني على هذه، وإنما هذه الأشياء مبنية على الإسلام؛ لأن الرجل ما لم يشهد لا يخاطب بهذه الأشياء الأربعة، ولو قالها فإنا نحكم في الوقت بإسلامه، ثم إذا أنكر حكمًا من هذه الأحكام المذكورة المبنية على الإسلام حكمنا ببطلان إسلامه إلا أنه عليه الصلاة والسلام لما أراد بيان أن الإسلام لا يتم إلا بهذه الأشياء ووجودها معه جعله مبنيًا عليها، ولهذا المعنى سوى بينها وبين الشهادة، وإن كانت هي الإسلام بعينه.
قال الكرماني: حاصل كلامه أن المقصود من الحديث بيان كمال الإسلام وتمامه، ولذلك ذكر هذه الأمور مع الشهادة لا نفس الإسلام وهو حسن، لكن قوله: ثم إذا أنكر حكمًا من هذه حكمنا ببطلان إسلامه ليس من المبحث، إذ المبحث في فعل هذه الأمور وتركها لا في إنكارها كيف وإنكار كل حكم من أحكام الإسلام موجب للكفر فلا معنى للتخصيص بهذه الأربعة انتهى.
قال العيني: قلت: استدراك الكرماني لا وجه له فافهم انتهى.
أقول: لعل وجه سقوط استدراكه أنه اعترف بأن البحث في فعل هذه الأمور وتركها، ولا شك أن الإنكار متضمن للترك فهو ترك وزيادة، فلم يكن خارجًا عن المبحث على أن قول الكرماني إنكار كل حكم من أحكام الإسلام موجب للكفر محل نظر؛ لأن الحكم الذي يكون إنكاره موجبًا للكفر هو الحكم المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة فليتأمل.
وفي الكرماني أيضًا قال الطيبي: لا تخلو هذه الخمس من أن تكون قواعد البيت أو أعمدة الخباء، وليس الأول لكون القواعد على أربع فتعين الثاني، وينصره ما جاء في حديث معاذ: (( وعموده الصلاة ) ).
مثلت حالة الإسلام مع أركانه الخمسة بحالة خباء أقيمت على خمسة أعمدة، وقطبها الذي تدور عليه الأركان هو الشهادة انتهى.
وأقول: بنى كلامه على نفي الأول وإرادة الثاني على امتناع أن يكون للبيت خمس قواعد، ولم يقم على ذلك الامتناع دليل عقلي ولا نقلي، وأي مانع من أن يبني إنسان بيتًا على أربع قواعد من جوانبه معتمدة على قاعدة في وسطه كالخباء الذي ذكره، ولو ادعى مدع امتناعه لرده دليل الوجدان، فإنا نجد أبنية كثيرة على هذه الطريقة.
وقوله: وينصره ... إلخ ليس ذلك النصر مؤزرًا؛ لأن العمود كما يكون للخبأ يكون للبيت أيضًا، بل في هذا الحديث ما ينصر أن المراد قواعد البيت وهو قوله: بني؛ لأن المبالغة وضع شيء على شيء على صفة يراد بها الثبوت، وليس وضع الخبأ كذلك، والمتعارف في ذي الأطناب أن يقال فيه ضرب لأبني فليتأمل.
وقال ابن كمال باشا: فإن قلت: فعلى هذا؛ أي: على تقدير كون بناء الإسلام على الأمور المذكورة لا يتحقق الإسلام بدون واحد منها، وإذا لم يتحقق الإسلام لا يتحقق الإيمان، إما على أصل القائلين بأنهما واحد فظاهر، وإما على أصل المنكرين له فلأنهم لا يقولون بالانفكاك بينهما، كيف وقد دل قضية الاستغناء في قوله تعالى: {فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذاريات:36] على تصادق المؤمن والمسلم، وإن لم تدل على اتحادهما مفهومًا، ومن أثبت الانفكاك بينهما يقال له: ما حكم من آمن ولم يسلم، أو أسلم ولم يؤمن؟
فإن أثبت حكمًا لأحدهما ليس بثابت للآخر، والأظهر بطلان قوله: لا يقال قوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات:14] صريح في تحقق الإسلام بدون الإيمان؛ لأنا نقول: المراد أن الإسلام المعتبر في الشرع لا يوجد بدون الإيمان، وهو في الآية بمعنى الانقياد، والظاهر
ج 1 ص 181
من غير الانقياد الباطن بمنزلة التلفظ بكلمة الشهادتين من غير تصديق في باب الإيمان، فيلزم أن لا يكون الشخص مؤمنًا عند تركه شيئًا منها، لكن الإجماع منعقد على أن العبد لا يكفر بترك الصوم ونحوه.
وأما قول الإمام أحمد: يكفر تارك الصلاة عمدًا، فلدليل خارجي وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (( من ترك صلاة متعمدًا فقد كفر ) )لا لأن الصلاة جزء من الإيمان، وإلا لما دار الحكم على قيد العمد.
قلت: نعم إن الإسلام المبني على الأمور المذكورة لا يتحقق بدونها كلًا أو بعضًا، ولكن الإسلام اللازم للإيمان المقابل للكفر هو الإسلام بمعنى الخضوع والانقياد الباطنيين، وذلك غير الإسلام المذكور وغير مستلزم له، وأما التأويل بأن المراد أن ثمرات الإسلام وعلاماته تلك الأمور فيأباه عبارة بني كما لا يخفى انتهى.
أقول: هذا تعريض بالمولى سعد الدين في شرحه لعقائد النسفي كما أشار إليه في هامش تعليقته فإنه قال في شرح قول المصنف: والإيمان والإسلام واحد ما نصه: لأن الإسلام هو الخضوع والانقياد بمعنى قبول الأحكام والإذعان وذلك حقيقة التصديق على ما مر، ويؤيده قوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذاريات:35 - 36] إلى آخر ما استدل به على اتحادها في الماصدق.
والجواب عما يوهم تغايرهما ثم قال فإن قيل: قوله صلى الله عليه وسلم: (( الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا ) )دليل على أن الإسلام هو الأعمال لا التصديق القلبي.
قلنا: المراد أن ثمرات الإسلام وعلاماته ذلك كما قال صلى الله عليه وسلم لقوم وفدوا عليه: (( أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ ) )فقالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (( شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس ) ).
وقال صلى الله عليه وسلم: (( الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ) )انتهى.
ولا يخفى عليك أن هذا الحديث الذي أورده وأجاب عنه ليس فيه لفظ بني ليأبى حمل الإسلام على ثمراته وعلاماته على أن لقائل أن يمنع كون بني مانعًا عن حمل الإسلام على ثمراته وعلاماته إذ يمكن هنا تقدير مضاف؛ أي: بنيت ثمرات الإسلام، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فليتأمل.
ثم قال: وبما قررناه اتضح فساد ما قيل، فإن قلت: الإسلام هو الكلمة فقط، ولهذا يحكم بإسلام من تلفظ بها، فلم ذكر الأخوات معها؟
قلت: تعظيمًا لأخواتها، وما قيل حكم الإسلام في الظاهر ثبت بالشهادتين، وإنما أضيف إليهما الصلاة ونحوها؛ لكونها أظهر شعائر الإسلام، وأعظمها، وبتمامه يتم استسلامه، وتركه لها يشعر بانحلال قيد انقياده واختلاله؛ لأن مبناهما عدم الفرق بين الإسلام اللغوي بمعنى الانقياد الظاهر الثابت بكلمة الشهادة، والإسلام المراد ههنا المفسر بالمعنى المذكور.
نعم أحسن من قال أن المقصود من الحديث بيان كمال الإسلام وتمامه، ولذلك ذكر هذه الأمور مع الشهادة لا نفس الإسلام انتهى.
وقائل القول الأول الكرماني، والثاني النووي كما أشار إليه في هامش تعليقته، ثم قال الكرماني بعد ما جعل الاستعارة في بني الإسلام محتملة للتبعية والمكنية وظهر من هذا التحقيق أن الإسلام غير والأركان غير، كما أن البيت غير، والأعمدة غير، ولا يستقيم ذلك إلا على مذهب أهل السنة، فإن الإسلام عبارة عن التصديق، والقول، والعمل انتهى.
قال ابن كمال باشا: وفيه نظر.
أما أولًا: فلأنه لا دلالة في قوله عليه السلام: (( بني الإسلام على خمس ) )على أن يكون الإسلام غير ذلك المجموع كما لا دلالة في قول من قال: رتبت الكتاب على مقدمة وثلاث مقالات على أن يكون
ج 1 ص 182
الكتاب المذكور غير مجموع المقدمة والمقالات، والفرق بين بنى ورتب في العبارة لا في المعنى، فلا يؤثر في القياس المذكور كما لا يخفى، وصحة الاستعارة المعتبرة فيه لا تقتضي تشبيه الإسلام بالخيمة، ونحوها بخصوصها على أنه تخييل لا تحقيق.
وأما ثانيًا: فلأن الإسلام إذا كان عبارة عن التصديق والقول والعمل يكون التصديق من جملة ما بني عليه الإسلام، فلا يكون بناؤه على خمس، بل على ست، فما ذكره خلاف ما دل عليه نص الحديث المذكور.
وأما ثالثًا: فلما عرفت فيما سبق أن كون الإسلام عبارة عن التصديق، والقول، والعمل مذهب المعتزلة وبعض المحدثين لا مذهب أهل السنة.
وأما رابعًا: فلأن القائل المذكور قد اعترف قبل هذا بأن كون الإسلام عبارة عن التصديق، والقول، والعمل مذهب السلف، والمتأخرون من أهل السنة يخالفونهم فيه، وكذا أبو حنيفة وأصحابه يخالفونهم فيه مع أنهم من أهل السنة أيضًا.
وأما خامسًا: فلأن مساق كلامه على عدم الفرق بين الإيمان والإسلام، والحديث المذكور ظاهر في الفرق، وكذا مساق كلام المصنف فيما سبق على ما نبهت عليه.
ثم اعلم أن في الإيمان ثمانية مذاهب لا خمسة كما توهم وتفصيلها على ما وقع في بعض الكتب المعتبرة أن الإيمان عندنا يعني اتباع الشيخ أبي الحسن الأشعري، وعليه أكثر الأئمة كالقاضي والأستاذ، ووافقهم على ذلك الصالحي، وابن الراوندي من المعتزلة التصديق للرسول عليه السلام فيما علم مجيئه به ضرورة فتفصيلًا فيما علم تفصيلًا، وإجمالًا فيما علم إجمالًا، فهو في الشرع تصديق خاص.
وقيل: الإيمان هو المعرفة فقوم بالله وهو مذهب جهم بن صفوان، وقوم بالله وبما جاءت به الرسل إجمالًا، وهو منقول عن بعض الفقهاء.
وقالت الكرامية: هو كلمتا الشهادة، وقالت طائفة: هو التصديق مع الكلمتين، ويروى هذا عن أبي حنيفة وقال قوم: إنه أعمال الجوارح، وذهب الخوارج والعلاف وعبد الجبار إلى أنه الطاعات بأسرها فرضًا كانت أو نفلًا.
وذهب الجبائي وابنه وأكثر المعتزلة البصرية إلى أنه الطاعات المفترضة من الأعمال والتروك دون النوافل.
وقال السلف؛ أي: بعضهم كابن مجاهد وأصحاب الأثر؛ أي: المحدثون كلهم: إنه مجموع هذه الثلاثة فهو عندهم تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان انتهى.
وإنما أشبعنا الكلام في هذا المقام لكثرة الاحتياج إلى مباحث الإيمان والإسلام.
(شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) بالجر وهو الأشهر؛ لأنه عطف بيان أو بدل من خمس بدل كل وهو مجموع المجرورات المتعاطفة من كل، ولا يصح أن يكون بدل بعض لعدم الرابط، وبالنصب على تقدير أعني وبالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف هو هي أو إحداها، أو على أنه مبتدأ خبره محذوف؛ أي: منها شهادة أن لا إله إلا الله، كذا في (( شرح المشكاة ) )للمحقق علي القاري.
وقال في (( المصابيح ) ): أما وجه الرفع فظاهر، وأما وجه الجر فقد يقال فيه أن البدل من خمس وهو مجموع المجرورات المتعاطفة لا كل واحد منها.
فإن قلت: يكون كل منها بدل بعض، قلت: يحتاج حينئذ إلى تقدير رابط انتهى.
يعني أن الأول وهو بدل المفصل من المجمل أرجح لعدم احتياجه إلى تقدير رابط لا أن الثاني ممتنع لأن تقدير الرابط كثير في الكلام الفصيح كقوله تعالى: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران:97] .
أي منهم وأن مخففة من الثقيلة، ولا نافية للجنس، وآله اسم ركب معها تركيب خمسة عشر ففتحته فتحة بناء لا إعراب خلافًا للزجاج حيث زعم أنه نصب بها لفظًا، وهو ظاهر كلام صاحب الأجرومية حيث، قال: اعلم أن لا تنصب النكرات من غير تنوين وخبرها محذوف تقديره موجود إن أريد بالإله المعبود بحق أو معبود بحق إن أريد به مطلق المعبود، وإلا حرف استثناء وما بعدها
ج 1 ص 183
مرفوع على أنه بدل من الضمير المستتر في الخبر، وقيل: على أنه خبر لا وعليه جماعة.
فما في (( القسطلاني ) ) (( وشرح المشكاة ) )لعلي القاري من أن الخبر محذوف اتفاقًا منظور فيه، وفي كلامهما ما يناقض نقل الاتفاق، فإن كلًا منهما نقل قولًا في أن ما بعد الأخير عن لا، وقيل: إن المرفوع بدل من اسم لا باعتبار محله قبل دخولها.
وقيل: أن إلا بمعنى غير، وهي مع ما بعدها صفة للفظ إله، وجوز نصب الجلالة نعتًا لإله على أن إلا بمعنى غير، وقيل: على الاستثناء، كذا في (( شرح المشكاة ) )لعلي القاري.
وفيه نظر؛ لأن في الإبدال رفعًا ونصبًا عمل لا في معرفة مع أن شرط عملها تنكير معموليها، وأما النصب على الاستثناء فقد ذكر شيخ مشايخنا المعبر عنه بالسعد الثاني الشيخ إبراهيم الكوارني في كتابه (( إنباه الأنباه على تحقيق إعراب لا إله إلا الله ) )فساده، ونص عبارته بعد نقله القول بالنصب على الاستثناء.
أقول: هذا القول ظاهر الفساد؛ لأن المستثنى منه إذا كان الضمير المستكن في الخبر المقدر يكون مقدرًا أيضًا والكلام غير موجب، وكلما كان المستثنى منه غير مذكور، ويكون الكلام غير موجب كان الاستثناء مفرغًا، وكلما كان مفرغًا كان معربًا بحسب العوامل، والعامل هنا هو الخبر المحذوف، وهو رافع ليس إلا سواء قدر موجودًا، أو في الوجود غير أن المرفوع به على الأول نائب الفاعل، وعلى الثاني فاعل، وكلما كان العامل رافعًا ليس إلا كان المستثنى مرفوعًا ليس إلا، وكلما كان كذلك كان القول بنصبه فاسدًا ظاهر الفساد، فالقول بأن الاسم الجليل منصوب على الاستثناء من الضمير المستكن في الخبر المقدر فاسد ظاهر الفساد وهو المطلوب انتهى.
ثم إن مثل هذا التركيب عند علماء المعاني يفيد القصر، وهو في هذه الكلمة من باب قصر الصفة على الموصوف لا العكس، فإن إله في معنى الوصف.
وفي (( إرشاد الساري ) ): فإن قلت: لمَ قدم النفي على الإثبات فقيل: لا إله إلا الله، ولم يقل الله لا إله إلا هو بتقديم الإثبات على النفي؟
أجيب: بأنه إذا نفى أن يكون ثم إله غير الله فقد فرغ قلبه مما سوى الله بلسانه ليواطئ القلب، وليس مشغولًا بشيء سوى الله تعالى، فيكون نفي الشريك عن الله تعالى بالجوارح الظاهرة والباطنة انتهى.
(وَ) شهادة (أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) ولتلازم الشهادتين شرعًا جعلتا خصلة واحدة، واقتصر في رواية على إحدى الشهادتين.
قال العيني: فإن قلت: ما تقول على الرواية التي اقتصرت على إحدى الشهادتين؟
قلت: إما اكتفاء بذكر إحداهما عن الأخرى لدلالتها عليها، وإما لتقصير من الراوي فزاد عليه غيره فقبلت زيادته انتهى.
قال الشهاب ابن حجر المكي في (( شرحه على الأربعين النووية ) ): ظاهره إن لم تحمل الشهادة على العلم بدليل فاعلم أنه لا إله إلا الله أنه لابد في الإسلام من لفظ: أشهد بأن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فلو قال: أعلم بدل أشهد أو أسقطها فقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله لم يكن مسلمًا، ويوافقه رواية: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ) )الحديث.
وهو ما اعتمده بعض المتأخرين منا، ويؤيده أن الشارع تعبد بلفظ أشهد في أداء الشهادة فلا يكفي أعلم ونحوها، وإن رادفت أشهد؛ أي: في إفادة مطلق العلم لا مطلقًا؛ لأن الشهادة أخص منه فكل شهادة علم ولا عكس، واستدل بكلام الروضة في الكفارة، لكن رواية حتى يقولوا ... إلخ ظاهرة في عدم اشتراط لفظ أشهد، وأن المراد به في أحاديثه يقول ولم يعكس؛ لأن حمل شهد على يقول عليه قرينة خارجية هي أن هذه الكلمة تسمى كلمة الشهادة، وإن سقط منها أشهد، وحمل يقول على أشهد لا قرينة عليه خارجية، وأيضًا فالاحتياط للمشهود به المبني على المشاحة غالبًا، اقتضى تضييق طرقه، والاقتصار فيه على الوارد، والاحتياط للدخول في الإسلام والعصمة المتشوف إليها الشارع اقتضى توسعة طرقه فعملنا بالاحتياط المذكور في البابين.
وكلام الروضة في الإيمان يقتضي عدم الاشتراط، ويؤيده اكتفاؤهم في حق من لم يدن بشيء بآمنت وكذا أؤمن إن لم يرد به الوعد بالله، أو أسلمت لله، أو الله خالقي أو ربي، ثم يأتي بالشهادة الأخرى، فإذا اكتفوا بنحو: الله خالقي، مع أنه لا شيء فيه من الوارد نظرًا للمعنى دون اللفظ فأولى الاكتفاء بلا إله إلا الله كما هو واضح؛ لأنه وجد فيه لفظ الوارد نظرًا لرواية يقولوا أو معناه؛ أي: نظرًا لرواية يشهدوا، فعلم أنهم لم يتعبدوا
ج 1 ص 184
هنا بلفظ الوارد، فيكفي بدل إله بارئ، أو رحمن، أو رازق، وبدل الله يحيي، أو يميت إن لم يكن طبائعيًا أو أحد تلك الثلاثة أو من في السماء دون ساكن السماء، أو من آمن به المسلمون، وبدل محمد أحمد، وأبو القاسم، وبدل إلا غير، وسوى، وعدا، وبدل رسول نبي.
ولبعض أئمتنا رأي ثالث: وهو اشتراط أشهد أو مرادفها كأعلم، وأنه يشترط ترتيبهما وإن لم تقتضه الواو فلا يصح الإيمان بالنبي قبل الإيمان بالله، نعم لا تشترط الموالاة بينهما ولا العربية وإن أحسنها، وإنه لابد من مجموعهما في الإسلام فلا يكفي إحداهما خلافًا لما شذ به بعض أصحابنا أنه يكفي لا إله إلا الله وحدها، وأنه لا يشترط زيادة عليها وهي البراءة من كل دين يخالف دين الإسلام، ومحله إن أنكر أصل رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم، فإن خصصها بالعرب اشترط زيادة إقرار بعمومها، ويزيد حتمًا من كفر بإنكار معلوم من الدين بالضرورة اعترافه بما كفر بإنكاره، أو التبرؤ من كلما خالف الإسلام والشرك، وكفرت بما كنت أشركت به انتهى.
(وَإِقَامِ الصَّلاَةِ) أي: المفروضة، قال الجوهري: أقام بالمكان إقامة والهاء عوض عن عين الفعل؛ لأن أصله أقوام انتهى.
وقد تحذف هذه الهاء عند الإضافة لإقامتهم المضاف إليه مقامها؛ كقوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ} [الأنبياء:73] هذا هو التحقيق كما قاله الزجاج، وقيل: هما مصدران.
قال ابن كمال باشا: وإقامة الشيء جعله قائمًا، والقيام انتصاب القامة، ولما كانت هيئة الانتصاب أكمل هيئات من له القامة وأحسنها استعيرت الإقامة للتكميل والتحسين، ومنه أقام الأمر إذا أتمه وجاء به معطى حقوقه، وأيضًا لما كان استعمال من له القامة بإقامتها استعيرت الإقامة للاستعمال أيضًا، ومنه أقام القوم سيوفهم إذا استعملوها ولم يعطلوها، فالمعنى على الأول يعدلون أركانها، ويكملون حدودها، وعلى الثاني يحافظون عليها في مواقيتها، ولا يعطلونها، والصلاة الأذكار المعروفة، والأفعال المشهورة، وأصلها الدعاء قال الله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة:103] أي: ادع لهم.
وفيما نقلها الشرع إليه اشتمال على الدعاء، وفائدة الإطناب بزيادة الإقامة التنبيه على أنه لم يرد إيقاعها فقط، ولهذا لم يؤمر بالصلاة، ولم يمدح بها إلا بلفظ الإقامة نحو: {أَقِمِ الصَّلاَةَ} [هود:114] {وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ} [الحج:35] .
ولم يقل والمصلين إلا في المنافقين حيث قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون:4 - 5] ومن ثمة قيل: المصلون كثير، والمقيمون لها قليل، كما قال عمر رضي الله عنه: الحاج قليل والركب كثير، وكثير من الأفعال التي حث الله تعالى على توفية حقه ذكره بلفظ الإقامة نحو: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ} [المائدة:66] {وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ} [الرحمن:9] انتهى.
(وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) الإيتاء متعد إلى مفعولين، فأضيف إلى أحد المفعولين بعد حذف الفاعل وحذف الآخر؛ أي: إيتاء الزكاة مستحقيها، والزكاة في اللغة عبارة عن الطهارة قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى} [الأعلى:14] أي: تطهر.
وعن النماء يقال: زكا الزرع إذا نما، قال في (( الصحاح ) ): زكا الزرع يزكو زكاء ممدودًا؛ أي: نما، وهذا الأمر لا يزكو بفلان؛ أي: لا يليق به ويقال: زكا الرجل يزكو زكوًا إذا تنعم وكان في حسب، وزكى ماله تزكية إذا أدى عنه زكاته وتزكى؛ أي: تصدق، وزكى نفسه تزكية مدحها، وفي الشريعة عبارة عن إيتاء جزء من النصاب الحولي إلى فقير غير هاشمي، ويراعي فيها معانيها اللغوية، وذلك أن المال يطهر أو يطهر صاحبه أو هي سبب نمائه وزيادته، كذا في عمدة القاري.
(وَالْحَجِّ) بالألف واللام أي: حج البيت وهو في اللغة القصد، أو قصد معظم كما في فتح القدير، وأصله من قولك حججت فلانًا أحجه حجًا إذا عدت إليه مرة بعد أخرى فنقل إلى حج البيت؛ لأن الناس يأتونه في كل سنة ومنه قول المنخل السعدي:
~وأشهد من عوف حؤولًا كثيرة يحجون سب الزبرقان المزعفرا
يقول:
~يأتونه مرة بعد أخرى لسؤدده
والسِبِّ _ بكسر السين المهملة وتشديد الباء الموحدة _ شقة من كتان رقيقة، وأراد به ههنا العمامة.
قال الصغاني: هذا الأصل ثم تعورف استعماله في القصد
ج 1 ص 185
إلى مكة حرسها الله تعالى للنسك تقول: حججت البيت أحجه حجًا فأنا حاج، ويجمع على حج مثل بازل وبزل، والحِج _ بالكسر _ الاسم، والحجة المرة الواحدة، وهذا من الشواذ؛ لأن القياس بالفتح، وفي الشريعة: هو قصد مخصوص في وقت مخصوص إلى مكان مخصوص، قاله العيني.
(وَصَوْمِ رَمَضَانَ) الصوم في اللغة الإمساك، وقد صام الرجل صومًا وصيامًا وقوم صوَّم _ بالتشديد _ وصيم أيضًا، ورجل صومان أي: صائم، وصام الفرس صومًا؛ أي: قام على غير اعتلاف قال النابغة:
~خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وخيل تعلك اللجما
وصام النهار صومًا إذا قام قائم الظهيرة واعتدل، والصوم ركود الريح والسكوت أيضًا قال تعالى حكاية عن مريم: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا} [مريم:26] .
قال ابن عباس: صمتًا، وقال أبو عبيدة: كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم، والصوم ذرق النعامة وشجر في لغة هزيل، وفي الشريعة إمساك عن المفطرات الثلاث نهارًا مع النية وههنا مباحث مهمة تتعلق بهذا الحديث:
الأول: في الحديث دليل على جواز حذف لفظ الشهر، وإطلاق رمضان بدونه لا يقال: يلزم عليه حذف جزء الكلمة؛ لأن مجموع المضاف والمضاف إليه هو العلم، فكما لا يقال في امرئ القيس القيس، لا يقال في شهر رمضان رمضان؛ لأنا نقول شهر رمضان علم، ورمضان فقط علم آخر فالتعبير بالحذف مسامحة، وقيل: إن العلم رمضان فقط، وإن إضافة الشهر إليه بيانية.
الثاني: قال في (( الفتح ) ): لم يذكر الجهاد؛ لأنه فرض كفاية، ولا يتعين إلا في بعض الأحوال، ولهذا جعله ابن عمر جواب السائل، وزاد في رواية عند عبد الرزاق في آخره: (( وإن الجهاد من العمل الحسن ) ).
وأغرب ابن بطال فزعم أن هذا الحديث كان أول الإسلام قبل فرض الجهاد وفيه نظر، بل هو خطأ؛ لأن فرض الجهاد كان قبل وقعة بدر، وبدر كانت في رمضان في السنة الثانية، وفيها فرض الصيام والزكاة بعد ذلك والحج بعد ذلك على الصحيح انتهى.
قوله: ولهذا جعله ابن عمر جواب السائل؛ أي: جعل هذا الحديث جواب من سأله وهو كما سيأتي عن المصنف في التفسير: (( أن رجلًا قال لابن عمر: ما حملك على أن تحج عامًا، وتعتمر عامًا، وتترك الجهاد ) ).
وفي بعضها: (( أن رجلًا قال لابن عمر ألا تغزو؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بني الإسلام على خمس ) )الحديث.
قال العيني: فهذا يدل على أن ابن عمر كان لا يرى فرضه إما مطلقًا كما نقل عنه، أو في ذلك الوقت انتهى.
الثالث: قال في (( الفتح ) ): فإن قيل: لم يذكر الإيمان بالأنبياء والملائكة وغير ذلك مما تضمنه سؤال جبريل؟
أجيب: بأن المراد بالشهادة تصديق الرسول فيما جاء به، فيستلزم جميع ما ذكر من المعتقدات.
وقال الإسماعيلي ما محصله: هو من باب تسمية الشيء ببعضه كما تقول: قرأت الحمد، وتريد جميع الفاتحة، فكذا تقول شهدت برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وتريد جميع ما ذكر انتهى.
الرابع: وجه الحصر في هذه الخمسة أن العبادة إما قولية وهي الشهادة، أو غير قولية فهي إما تركي وهو الصوم، أو فعلي، وهو إما بدني وهو الصلاة، أو مالي وهو الزكاة، أو مركب منهما وهو الحج.
الخامس: إن قيل: ما وجه الترتيب بين هذه الخمسة؟
أجيب: بأن الواو لا تدل على الترتيب، ولكن الحكمة في ذكرها كذلك أن الإيمان أصل العبادات، فتعين تقديمه، ثم الصلاة؛ لأنها عماد الدين، ثم الزكاة؛ لأنها قرينة الصلاة، ثم الحج للتغليظات الواردة فيه؛ ولأنه جامع للعبادتين، ومحل للمشقتين ولأن تاركه من غير عذر على مدرجة خاتمة السوء، كما يدل عليه الحديث الذي اختلف في صحته وضعفه، من استطاع الحج ولم يحج فليمت إن شاء يهوديًا وإن شاء نصرانيًا، ويشير إليه قوله تعالى: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران:97] حيث وضع موضع من لم يحج مع ما في قوله تعالى: {غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} دون أن يقول عنه من زيادة التهديد وغير ذلك من المؤكدات التي ذكرها البيضاوي وغيره فبالضرورة يقع الصوم آخرًا.
السادس: إن قيل: الإسلام هو الكلمة فقط ولهذا يحكم بإسلام من تلفظ بها فلم ذكر الأخوات معها؟
أجيب: تعظيمًا لأخواتها، وقال النووي: حكم الإسلام في الظاهر ثبت بالشهادتين، وإنما أضيف إليها الصلاة ونحوها؛ لكونها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها، وبقيامه بها يتم إسلامه، وتركه لها يشعر بانحلال قيد انقياده واختلاله انتهى.
السابع: قال في (( الفتح ) ): وقع هنا تقديم الحج على الصوم، وعليه بنى البخاري ترتيبه، لكن وقع في مسلم من رواية سعد بن عبيدة، عن ابن عمر بتقديم الصوم
ج 1 ص 186
على الحج قال: فقال رجل: (( والحج وصيام رمضان، فقال ابن عمر: لا صيام رمضان والحج ) ). هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى.
وفي هذا إشعار بأن رواية حنظلة التي في البخاري مروية بالمعنى إما لأنه لم يسمع رد ابن عمر على الرجل لتعدد المجلس، أو حفظ ذلك ثم نسيه، ويبعد ما جوزه بعضهم أن يكون ابن عمر سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم على الوجهين، ونسي أحدهما عند رده على الرجل.
ووجه بعده أن تطرق النسيان إلى الراوي عن الصحابي أولى من تطرقه إلى الصحابي، كيف وفي رواية مسلم من طريق حنظلة بتقديم الصوم على الحج، ولأبي عوانة من وجه آخر عن حنظلة: اجعل رمضان قبل فتنويعه دال على أنه روي بالمعنى.
ويؤيده ما وقع عند البخاري في التفسير بتقديم الصيام على الزكاة أفيقال: إن الصحابي سمعه على ثلاثة أوجه والله أعلم انتهى.
واسم الرجل الذي رد عليه ابن عمر يزيد بن بشر السكسكي، ذكره الخطيب كما نبه عليه في (( الفتح ) )وقيل: إن ابن عمر كان يرى أن الواو توجب الترتيب، فيجب المحافظة على اللفظ؛ لأنه قد تتعلق به أحكام.
قال ابن الصلاح: محافظة ابن عمر على ما سمعه، ونهيه عن عكسه يصلح حجة لكون الواو تقتضي الترتيب، وهو مذهب كثير من الفقهاء الشافعيين، ولشذوذ من النحويين ومن قال: لا تقتضي الترتيب وهو المختار.
وقول الجمهور فله أن يقول لم يكن ذلك لكونها تقتضي الترتيب، بل لأن فرض صوم رمضان نزل في السنة الثانية، وفرض الحج نزل سنة ست، وقيل: تسع، فحافظ ابن عمر على مراعاة الترتيب في النزول، وأما رواية تقديم الحج فكأنه وقع ممن كان يرى جواز الرواية بالمعنى، ويرى أن تأخير الأول أو الأهم سائغ، فتصرف بالتقديم والتأخير لذلك مع أنه لم يسمع نهي ابن عمر عن ذلك.
ورده النووي بوجهين:
أحدهما: أن الروايتين ثبتتا في الصحيح وهما صحيحتان في المعنى لا تنافي بينهما، فلا يجوز إبطال إحداهما بالأخرى.
ثانيهما: فتح باب احتمال التقديم والتأخير قدح في الرواة، والروايات ولو فتح ذلك لم يبق وثوق بشيء من الروايات إلا القليل، ولا يخفى ما يترتب عليه من المفاسد، وتعلق من في قلبه مرض بذلك انتهى.
وتعقب بعض الشارحين إنكار النووي احتمال التقديم والتأخير وقال: إنه واقع في كلام الله تعالى وسرد عدة آيات من ذلك، وأجاب عنه الشهاب ابن حجر المكي في (( شرحه على الأربعين النووية ) )وأطال في ذلك فليراجع لمزيد الاطلاع.
الثامن: الإيمان باق شرعًا مع النوم، والغفلة، والإغماء، والجنون، والموت، وإن ضادت هذه الأشياء التصديق والمعرفة، ونظير ذلك بقاء النكاح وسائر العقود في هذه الأحوال.
التاسع: قد وقع الاختلاف في قول الإنسان أنا مؤمن إن شاء الله، فمنع ذلك الحنفية، وأجازه الشافعية والمالكية وكثير من السلف.
قال النسفي في (( عقائده ) ): وإذا وجد من العبد التصديق والإقرار صح أن يقول: أنا مؤمن حقًا، ولا ينبغي له أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله.
قال المولى سعد الدين في (( شرحه ) ): لأنه إن كان للشك فهو كفر لا محالة، وإن كان للتأدب وإحالة الأمور إلى مشيئة الله تعالى، وللشك في العاقبة والمآل، لا في الآن والحال، أو للتبرك بذكر الله تعالى والتبرؤ عن تزكية نفسه والإعجاب بحاله، فالأولى تركه؛ لما أنه يوهم بالشك ولهذا قال: لا ينبغي دون أن يقول لا يجوز؛ لأنه إذا لم يكن للشك فلا معنى لنفي الجواز، كيف وقد ذهب إليه كثير من السلف حتى الصحابة والتابعين، وليس هذا مثل قولك: أنا شاب إن شاء الله؛ لأن الشباب ليس من الأفعال المكتسبة، ولا يتصور البقاء عليه في العاقبة والمآل، ولا مما يحصل به تزكية النفس والإعجاب، بل مثل قولك أنا زاهد متق إن شاء الله تعالى.
وذهب بعض المحققين: أن الحاصل للعبد هو حقيقة التصديق الذي به يخرج عن الكفر، لكن التصديق في نفسه قابل للشدة والضعف، وحصول التصديق الكامل المنجي المشار إليه بقوله تعالى: {أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال:4] إنما هو في مشيئة الله تعالى ثم قال: والحق أنه لا خلاف في المعنى؛ لأنه إن أريد بالإيمان مجرد حصوله فهو حاصل في الحال، وإن أريد ما يترتب عليه النجاة والثواب فهو في مشيئة الله تعالى لا قطع بحصوله في الحال، فمن قطع بالحصول
ج 1 ص 187
أراد الأول، ومن فرض إلى المشيئة أراد الثاني انتهى.
وهنا تصريح منه بأن الخلاف في هذه المسألة لفظي كما نص عليه غيره أيضًا.
العاشر: في أن الإيمان مخلوق أم غير مخلوق، والذي عليه محققو الحنفية، وكلام أبي حنيفة صريح فيه أنه مخلوق؛ لأنه فعل من أفعال العبد، وأفعال العباد كلها مخلوقة له تعالى، وقال آخرون منهم: غير مخلوق مع قولهم بأن أفعال العباد كلها مخلوقة لله تعالى، وبالغ جمع منهم فكفروا من قال بخلقه لما يلزم عليه من خلق كلامه تعالى؛ لأنه تعالى قال: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ} [محمد:19] .
فالمتكلم بها قائم لكلامه ما ليس بمخلوق، كما أن قارئ آية يصير قارئًا لكلامه تعالى، قال الشهاب ابن حجر المكي في (( شرحه على الأربعين النووية ) )ورد بأن هذا جهل وغباوة، إذ الإيمان وفاقًا التصديق بالجنان، أو مع الإقرار باللسان، وكل منهما فعل العبد، وهو مخلوق لله تعالى، وأيضًا فقد قال الفقهاء: لا يكون المقروء قرآنًا إلا بالقصد، وأيضًا يلزمهم أن كل ذاكر بل كل متكلم وافق كلامه أجزاء من القرآن قد قام به ما ليس بمخلوق من معاني كلامه تعالى، وذلك مما لا يقوله ذو لب، وأيضًا المتلفظ بالشهادتين لم يقصد به قراءة، بل هو إقرار بالتصديق إلى آخر ما أطال به.
ثم قال: ثم ما مر من القول بعدم خلق الإيمان لم ينفرد به الحنفية، بل نقله الأشعري عن أحمد وجماعة من أهل الحديث ومال إليه، لكن وجهه بغير ما مر وهو أن المراد بالإيمان حينئذ ما دل عليه وصفه تعالى بالمؤمن، فإيمانه هو تصديقه في الأزل بكلامه القديم لا إخباره بوحدانيته، وليس تصديقه هذا محدثًا ولا مخلوقًا تعالى أن يقوم به حادث بخلاف تصديقه لرسله بإظهار المعجزة فإنه من صفات الأفعال، وهي حادثة عند الأشاعرة قديمة عند الماتريدية، وبذلك علم أنه لا خلاف في الحقيقة؛ لأنه إن أريد بالإيمان المكلف به فهو مخلوق قطعًا، أو ما دل عليه وصفه تعالى بالمؤمن فهو غير مخلوق قطعًا انتهى.
وهو كلام جيد يخرج منه محمل صحيح لمن قال من الحنفية بأن الإيمان غير مخلوق غير أن كون الإيمان غير مخلوق بهذا المعنى لا يخص بعض الحنفية، بل الحنفية بأسرهم وأهل الحق قاطبة قائلون بذلك فنسبته إلى البعض تأبى ذلك في الجملة فليتأمل.
وقوله: إن صفات الأفعال قديمة عند الماتريدية فيه مسامحة، إذ القائل بذلك بعضهم، والمحققون منهم على أن القديم صفة التكوين فقط، وهي مبدأ صفات الأفعال الحادثة.
قال السعد: وإما كون كل من صفات الأفعال كالتخليق، والترزيق، والإحياء، والإماتة حقيقية أزلية، فمما تفرد به علماء ما وراء النهر، وفيه تكثير للقدماء جدًا، وإن لم تكن متغايرة، والأقرب ما ذهب إليه المحققون منهم وهو أن مرجع الكل إلى التكوين، فإن تعلق بالحياة يسمى إحياء، وبالموت إماتة، وبالصورة تصويرًا، وبالرزق ترزيقًا إلى غير ذلك، فالكل تكوين، وإنما الخصوص بخصوصية التعلقات انتهى.
ومن لطائف إسناد هذا الحديث جمعه للتحديث، والإخبار، والعنعنة، وكل رجاله مكيون إلا عبيد الله فإنه كوفي وهو من رباعيات المؤلف، وخماسيات مسلم، وأخرج متنه المؤلف أيضًا في التفسير، ومسلم في الإيمان.
[1] في هامش المخطوط: (( وحاصله عند السكاكي أن الاستعارة بالكناية أن تذكر المشبه وتريد المشبه به بواسطة قرينه وهي أن تنسب إليه شيئًا من اللوازم المساوية للمشبه به فيراد بالربيع الفاعل الحقيقي بقرينة نسبة الإنبات الذي هو من اللوازم المساوية للفاعل الحقيقي والمراد الإنبات بالقوة وإلا لما حصل التساوي ) )،