فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 1465

97 -وبالسند إلى المؤلف قال:

(حدثنا) ولغير أبوي ذر والوقت: (مُحَمَّدٌ) ولكريمة: (هُوَ ابْنُ سَلاَمٍ) أي: بتخفيف اللام، وفي رواية أبي ذر والأصيلي: ، وفي رواية ابن عساكر وأبي الوقت: قال:

(حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي الوقت وابن عساكر: (الْمُحَارِبِيُّ) بضم الميم وبالحاء المهملة وكسر الراء والموحدة عبد الرحمن بن محمد بن زياد الكوفي الثقة، المتوفى سنة خمس وتسعين ومئة.

(قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ) بفتح الحاء المهملة وتشديد التحتية نسبة لجده الأعلى لشهرته به، وإلا فهو صالح بن صالح بن مسلم بن حيان وليس هو صالح بن حيان القرشي الضعيف.

(قَالَ) أي: صالح (قَالَ عَامِرٌ) أي: ابن شراحيل (الشَّعْبِيُّ) بفتح المعجمة وإسكان العين (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو بُرْدَةَ) بضم الموحدة (عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى الأشعري كما صرح به في العتق وغيره (قَالَ) أي: أبو موسى (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ثَلاَثَةٌ) مبتدأ ومسوغ الابتداء به مقدر؛ أي: ثلاثة رجال أو ثلاثة من الرجال خبره قوله:

(لَهُمْ أَجْرَانِ رَجُلٌ) بدل من ثلاثة بدل مفصل من مجمل، ويجوز أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف؛ أي: أحدهم أو أولهم رجل ومثله المرأة أو مبتدأ خبره محذوف؛ أي: منهم رجل (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) وفي (( منحة الباري ) ): رجل بدل تفصيل من ثلاث أو بدل بعض وهو وما عطف عليه بدل كل انتهى. وفيه نظر إذ بدل التفصيل عين بدل البعض.

وقوله: (( من أهل الكتاب ) )صفة رجل.

قال الكرماني: لفظ الكتاب وإن كان أعم بحسب المفهوم من التوراة والإنجيل، لكن خصصه عرف استعمال الشرع بهما ولعل ذلك؛ لأن غير اليهود والنصارى لم يوجدوا زمان البعثة المباركة، والمراد نصراني تنصر قبل البعثة، أو بلوغ الدعوة والمعجزة إليه، أو يهودي تهود قبل ذلك أيضًا.

فإن قلت: ينبغي ألا يكون الأجر المضاعف إلا للنصارى إذ لا ثواب على العمل بالدين المنسوخ.

قلت: لا نسلم أن النصرانية ناسخة لليهودية نعم لو ثبت ذلك لكان كذلك.

فإن قلت: يحتمل إجراؤه على عمومه إذ لا يبعد أن يكون طريان الإيمان سببًا لقبول تلك الأعمال وإن كانت منسوخة كما ورد في الحديث: (( أن حسنات الكفار مقبولة بعد إسلامهم ) ).

قلت: لا يحتمل إذ هذا الحكم حينئذ لا يكون مخصوصًا بأهل الكتاب؛ لأن لفظ الكفار في الحديث يتناول الكافر الحربي وليس له أجران قطعًا، وقد جاء في (( الصحيح ) )أيضًا بدل (( آمن بنبيه آمن بعيسى ) )وفي الجملة اللام في الكتاب للعهد إما عن التوراة والإنجيل وإما عن الإنجيل، قال الله عز وجل: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ} [القصص:52] إلى قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ} [القصص:54] انتهى ملخصًا.

وقال في (( الفتح ) ): لفظ الكتاب عام ومعناه خاص؛ أي: المنزل من عند الله، والمراد به التوراة والإنجيل كما تظاهرت به نصوص الكتاب والسنة حيث يطلق أهل الكتاب.

وقيل: المراد به هنا الإنجيل خاصة إن قلنا إن النصرانية ناسخة لليهودية، كذا قرره جماعة ولا يحتاج إلى اشتراط النسخ؛ لأن عيسى عليه السلام كان قد أرسل إلى بني إسرائيل بلا خلاف، فمن أجاب منهم نسب إليه، ومن كذبه منهم واستمر على يهوديته لم يكن مؤمنًا فلا يتناوله الخبر؛ لأن شرطه أن يكون مؤمنًا بنبيه.

نعم من دخل في اليهودية

ج 1 ص 492

من غير بني إسرائيل ولم يكن بحضرة عيسى عليه السلام فلم تبلغه دعوته يصدق عليه أنه يهودي مؤمن بنبيه موسى ولم يكذب نبيًا آخر بعده، فمن أدرك بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ممن كان بهذه المثابة وآمن به لا يشكل أنه يدخل في الخبر المذكور، ومن هذا القبيل العرب الذين كانوا باليمن وغيرها ممن دخل منهم في اليهودية ولم تبلغهم دعوة عيسى عليه السلام لكونه أرسل إلى بني إسرائيل خاصة.

نعم الإشكال في اليهود الذين كانوا يحضرون النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت أن الآية الموافقة لهذا الحديث وهو قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ} [القصص:54] نزلت في طائفة آمنوا منهم كعبد الله بن سلام وغيره، ففي الطبراني من حديث رفاعة القرظي قال: (( نزلت هذه الآية في من آمن معي ) ).

وروى الطبري بإسناد صحيح عن علي بن رفاعة القرظي قال: (( خرج عشرة من أهل الكتاب منهم أبي رفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمنوا به فأوذوا فنزل: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ} ) ) [القصص:52] الآيات، فهؤلاء من بني إسرائيل ولم يؤمنوا بعيسى، بل استمروا على اليهودية إلى أن آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت أنهم يؤتون أجرهم مرتين.

قال الطيبي: فيحتمل إجراء الحديث على عمومه إذ لا يبعد أن يكون طريان الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم سببًا لقبول تلك الأديان وإن كانت منسوخة انتهى.

وسأذكر ما يؤيده بعد، ويمكن أن يقال في حق هؤلاء الذين كانوا بالمدينة أنهم لم تبلغهم دعوة عيسى؛ لأنها لم تنتشر في أكثر البلاد فاستمروا على يهوديتهم مؤمنين بنبيهم موسى إلى أن جاء الإسلام فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، فهذا يرفع الإشكال إن شاء الله تعالى انتهى.

وفي تقييده العرب الذين كانوا باليمن ودخلوا في اليهودية بقوله: (( ولم تبلغهم دعوة عيسى ) )مع قوله: (( لكونه أرسل إلى بني إسرائيل خاصة ) )نظر لأن رسالته لم تشملهم فبلوغ دعوته إليهم وعدمها على حد سواء فليتأمل.

ووقع في شرح ابن التين وغيره: أن الآية المتقدم ذكرها نزلت في كعب الأحبار وعبد الله بن سلام.

قال في (( الفتح ) ): وهو صواب في عبد الله خطأ في كعب؛ لأن كعبًا ليست له صحبة ولم يسلم إلا في عهد عمر بن الخطاب.

وقوله: (آمَنَ بِنَبِيِّهِ) أي: بعيسى أو به وبموسى عليهما السلام، وفائدة التقييد بذلك مع أن الكتابي لا يكون إلا مؤمنًا بنبيه الإشعار بعلية الأجر؛ أي: إن سبب الأجرين الإيمان بالنبيين، والكفار ليسوا كذلك.

قال في (( الفتح ) ): ويمكن أن يقال: الفرق بين أهل الكتاب وغيرهم من الكفار أن أهل الكتاب يعرفون محمدًا صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: {يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ} [الأعراف:157] فمن آمن به واتبعه منهم كان له فضل على غيره، وكذا من كذبه منهم كان وزره أشد من وزر غيره، وقد ورد مثل ذلك في حق نساء النبي صلى الله عليه وسلم لكون الوحي كان ينزل في بيوتهن.

قال: فإن قيل: لم لم يذكرن في هذا الحديث فيكون العدد أربعة؟.

أجاب شيخنا شيخ الإسلام: بأن قضيتهن خاصة بهن مقصورة عليهن، والثلاثة المذكورة في الحديث مستمرة إلى يوم القيامة، وهذا مصير من شيخنا إلى أن قضية مؤمني أهل الكتاب مستمرة، وقد ادعى الكرماني اختصاص ذلك بمن آمن في عهد البعثة، وعلل ذلك بأن نبيهم بعد البعثة إنما هو محمد صلى الله عليه وسلم باعتبار عموم بعثته انتهى.

وقضيته أن ذلك أيضًا لا يتم لمن كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فإن خصه بمن لم تبلغه الدعوة فلا فرق في ذلك بين قرب عهده وبعده، فما قاله شيخنا أظهر، والمراد بنسبتهم إلى غير نبينا صلى الله عليه وسلم إنما هو باعتبار ما كانوا عليه قبل ذلك، وأما ما قوى به الكرماني دعواه بكون السياق مختلفًا حيث قيل في مؤمن أهل الكتاب رجل بالتنكير، وفي العبد بالتعريف، وحيث زيدت فيه إذا الدالة على معنى الاستقبال فأشعر ذلك بأن الأجرين لمؤمن أهل الكتاب لا يقع في الاستقبال بخلاف العبد فهو غير مستقيم؛ لأنه مشى فيه مع ظاهر اللفظ وليس متفقًا عليه بين الرواة بل هو عند المصنف وغيره مختلف، فقد عبر في ترجمة عيسى بإذا في الثلاثة وعبر في النكاح بقوله: أيما رجل في المواضع الثلاثة وهي صريحة في التعميم، وأما الاختلاف في التعريف والتنكير فلا أثر له هنا؛ لأن المعرف بلام الجنس مؤداه مؤدى النكرة انتهى.

واعترضه العيني فقال: قلت: ليس بظاهر ما قاله هو ولا ما قاله شيخه أما عدم ظهور ما قاله فهو أن ببعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم انقطعت دعوة عيسى عليه السلام، وارتفعت شريعته فدخل جميع الكفار أهل الكتاب وغيرهم

ج 1 ص 493

تحت دعوة النبي عليه السلام سواء بلغتهم الدعوة أو لا، ولهذا يقال: هم أهل الدعوة، غاية ما في الباب أن من لم تبلغه الدعوة لا تطلق عليه بالفعل، وأما بالقوة فليسوا بخارجين عنها، وأما عدم ظهور ما قاله شيخه فهو أنه دعوى بلا دليل؛ لأن ظاهر الحديث يرده؛ لأنه قيل في حق أهل الكتاب بقوله: (( آمن بنبيه ) )الذي كان مبعوثًا إليه ثم آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام والكتابي بعد البعثة ليس له نبي غير نبينا عليه السلام لما قلنا من انقطاع دعوة عيسى عليه السلام بالبعثة، فإذا آمن استحق أجرًا واحدًا في مقابلة إيمانه بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأما الحكم في الآخرين وهما العبد وصاحب الأمة فهو مستمر إلي يوم القيامة انتهى.

ثم تعقب قول صاحب (( الفتح ) )، وأما ما قوى به الكرماني دعواه إلى آخر ما تقدم نقله عنه وأطال في ذلك.

وأجاب في (( الانتقاض ) )عن ذلك بقوله: ما أطال به لا يدفع الاحتمال المذكور وهو منتزع من الخلاف المشهور في أن من لم تبلغه الدعوة هل يعاقب في الآخرة أم لا؟. انتهى.

(وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم) معطوف على قوله آمن بنبيه، وفيه إشارة إلى أنه لا يؤتى أجره مرتين إلا إذا آمن بكلا النبيين.

قال القرطبي: الكتابي الذي يضاعف أجره هو الذي كان على الحق في شرعه عقدًا وفعلًا إلى أن آمن بنبينا صلى الله عليه وسلم فيؤجر على اتباع الحق الأول والثاني انتهى.

قال في (( الفتح ) ): ويشكل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى هرقل: (( أسلم يؤتك الله أجرك مرتين ) )وهرقل كان ممن دخل في النصرانية بعد التبديل انتهى.

وأقول: يمكن دفع الإشكال بأن إيتاء هرقل أجره مرتين على تقدير إسلامه لا يستلزم عدم اشتراط الكون على الحق في شرعه عقدًا وفعلًا إذ يجوز أن يكون أحد الأجرين لإيمانه، والثاني لكونه صار سببًا في إيمان أتباعه وأهل مملكته، ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم له: (( فإن توليت فعليك إثم الأريسيين ) )وهم الأتباع كما تقدم شرحه، فإن عدم إيمانه يتسبب عنه عدم إيمانهم فكما يلحقه الإثم بسبب عدم إيمانهم يتضاعف له الأجر بسبب إيمانهم فليتأمل.

وأشار إلى الثاني من الثلاثة بقوله:

(وَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ) المراد به الجنس فيدخل فيه الأنثى والمتعدد، ووصف العبد بقوله المملوك ليعلم أن المراد به الرقيق؛ لأن الخلق كلهم عبيد الله تعالى فأراد تمييزه بكونه مملوكًا لهم أيضًا، وإنما عرف العبد ونكر الرجل في الموضعين؛ لأن أل فيه للجنس والمعرف بلام الجنس مساو للنكرة في المعنى.

(إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ) تعالى من صلاة وصوم ونحوهما (وَحَقَّ مَوَالِيهِ) أي: خدمتهم وجمع المولى مع إفراد العبد؛ لأن المراد به الجنس كما مر فيشمل الجمع، فعلى هذا يكون من مقابلة الجمع بالجمع كركب القوم دوابهم، أو يقال: جمع المولى ليشمل ما لو كان العبد مشتركًا فلا بد من أداء جميع حقوق مواليه الواجبة عليه، ودلت القرينة على أن المراد بالمولى هنا السيد، وإلا فهو يطلق حقيقة على المعتق والعتيق وابن العم والناصر والجار والحليف، ومن ولي أمر غيره، ولا محذور في التزام كون أجر المملوك ضعف أجر سيده؛ لأن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء على أنه استحق الأجرين في مقابلة أداء الحقين، أو يقال: المراد ترجيح العبد المؤدي للحقين على العبد المؤدي لأحدهما، ولا يلزم من ذلك ترجيحه على السيد، أو يقال: استحقاق العبد الأجرين للجهتين المذكورتين، وقد يكون للسيد جهات أخر يستحق بها أجورًا كثيرة يترجح بها على العبد.

قال العيني: فإن قلت: فعلى هذا يلزم أن يكون الصحابي الذي كان كتابيًا أن يكون أجره زائدًا على أجر أكابر الصحابة وذلك باطل بالإجماع، قلت: الإجماع خصصهم، وأخرجهم من ذلك الحكم، ويلتزم ذلك في كل صحابي لا يدل دليل على زيادة أجره على من كان كتابيًا انتهى.

وأشار إلى الثالث بقوله:

(وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ) وللأربعة: أي: يجامعها بالفعل

ج 1 ص 494

أو بالقوة بأن يتمكن من وطئها شرعًا.

قال العيني: يطؤها مهموز وكأن القياس يَوْطِئُها مثل يَوْجِد؛ لأن الواو إنما تحذف إذا وقعت بين الياء والكسرة وهاهنا وقعت بين الياء والفتحة مثل يسع.

قال الجوهري وغيره: إنما سقطت الواو منهما؛ لأن فعل يفعل مما اعتل فاؤه لا يكون إلا لازمًا فلما جاءا بين أخواتهما متعديين خولف بهما نظائرهما انتهى.

أقول: في اقتصاره عليهما نظر؛ لأن مثلهما يضع ويدع ويذر، وقد علل في تصريف العزي بأن الكسر هو الأصل والفتحة عارضة لأجل حرف الحلق، وحمل يذر على يدع؛ لأنه بمعناه، ونظر فيه شارحه المولى سعد الدين التفتازاني بأنه يلزم عليه إدخال نحو وسع في الباب الشاذ وهو فعل يفعل بكسر العين في الماضي والمضارع نحو حسب يحسب.

(فَأَدَّبَهَا) أي: فعلمها الأدب وهو حسن الأحوال والأخلاق (فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا) أي: أدبها (وَعَلَّمَهَا) ما ينفعها من غير عنف وضرب بل بالرفق.

قال في (( منحة الباري ) ): وإنما عطف التعليم على التأديب مع أنه داخل فيه لتعلق التأديب بالمروءات والتعليم بالشرعيات، أو أراد بالأول العرفي أو الدنيوي، وبالثاني الشرعي أو الأخروي.

(فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا) أي: فك رقبتها من الرق (فَتَزَوَّجَهَا) بنكاح صحيح وصداق.

قال الكرماني: وإنما عطف أعتق بثم وأخواته بالفاء؛ لأن التأديب والتعليم يتعقبان على الوطء بل لا بد منهما في نفس الوطء بل قبله أيضًا لوجوبهما على السيد بعد التملك بخلاف الإعتاق، أو لأن الإعتاق نقل من صنف من أصناف الأناسي إلى صنف آخر منها، ولا يخفى ما بين الصنفين المنتقل منه والمنتقل إليه من البعد، بل من الضدية في الأحكام والأحوال فناسب لفْظٌ دال على التراخي بخلاف التأديب وأخواته انتهى.

(فَلَهُ أَجْرَانِ) الضمير يرجع إلى الرجل الأخير، وإنما لم يكتف بقوله: لهم أجران مع كونه داخلًا في الثلاثة بحكم العطف؛ لأن الجهة فيه متعددة وهي التأديب والتعليم والعتق والتزوج، وكأن مظنة أن يستحق الأجر أكثر من ذلك فأعاد قوله: (( فله أجران ) )إشارة إلى أن المعتبر من الجهات أمران، وإنما اعتبر اثنين فقط؛ لأن التأديب والتعليم يوجبان الأجر في الأجنبي والأولاد وجميع الناس فلم يكونا مختصين بالإماء فلم يبق الاعتبار إلا في العتق والتزويج، وإنما ذكر الآخرين لأن التأديب والتعليم أكمل للأجر إذ تزوج المرأة المؤدبة المعلمة أكثر بركة وأقرب إلى أن تعين زوجها على دينه، كذا في القسطلاني.

وقال ابن بطال: أحد الأجرين على العتق والتزويج والآخر على التأديب والتعليم انتهى.

قال الكرماني: وإنما خصص هذه الثلاثة بالذكر مع أن غيرها قد يكون كذلك مثل من صلى وصام فإن للصلاة أجرًا وللصوم أجرًا آخر، وكذا مثل الولد إذا أدى حق الله تعالى وحق والده؛ لأن كل واحد من هذه الثلاثة فاعل للضدين عامل بالمتنافيين بخلاف غيره، ولهذا لم يعتبر في الثالث إلا الأجر الذي من جهة الأحوال التي للرِّقِيَّة، والذي من جهة الأحوال التي للحرية، ولهذا ميز بينهما بثم دون غيرهما انتهى ملخصًا.

وتعقبه العيني بقوله: قلت: هذا الجواب ليس بشيء بل الجواب الصحيح أن التنصيص باسم الشيء لا يدل على نفي الحكم عما عداه وهو مذهب الجمهور.

فإن قلت: التنصيص بعدد محصور يدل على نفي الحكم عن غيره وإليه مال صاحب (( الهداية ) )؛ لأن إثبات الحكم في غيره إبطال للعدد المنصوص.

قلت: الصحيح من المذهب أن التنصيص باسم الشيء لا يدل على النفي فيما عداه وإن كان في العدد المحصور والحكم في غير المذكور إنما يثبت بدلالة النص فلا يوجب إبطال العدد المنصوص فافهم انتهى ملخصًا.

(ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ) أي: الشعبي لراويه صالح المذكور كما جزم به الكرماني وتبعه البرماوي، وتعقبه صاحب (( الفتح ) )وتبعه العيني فقال: ظاهره أنه خاطب بذلك صالحًا الراوي عنه وليس كذلك، بل إنما خاطب بذلك رجلًا من أهل خراسان سأله عمن يعتق أمته ثم يتزوجها كما سيذكر ذلك في ترجمة عيسى عليه السلام من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى انتهى.

(أَعْطَيْنَاكَهَا) أي: المسألة أو المقالة (بِغَيْرِ شَيْءٍ) أي: بغير أخذ مال منك على

ج 1 ص 495

جهة الأجرة عليه، وإلا فلا شيء أعظم من الأجر الأخروي الذي هو ثواب التأديب والتبليغ فكيف يقال فيه بغير شيء.

(قَدْ كَانَ يُرْكَبُ) بالبناء للمفعول، وللأصيلي: بالواو، ولغيره كما قاله العيني والبرماوي: بالفاء (فِيمَا دُونَهَا) أي: المسألة أو المقالة.

(إِلَى الْمَدِينَةِ) أي: مدينة النبي صلى الله عليه وسلم وهي علم بالغلبة عليها؛ أي: كان يرحل في مسألة أدون منها وأسهل إلى المدينة، وأشار الشعبي بقوله: كان إلى أن ذلك كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، ثم تفرق الصحابة في البلدان بعد فتوح الأمصار فاكتفى أهل كل بلد بعلمائها إلا من طلب التوسع في العلم فرحل إلى غير بلدته، وقصد به الشعبي تحريض السامع ليكون ذلك أدعى لحفظه وأجلب لحرصه، وقد روي بسند صحيح عن بسر بضم الموحدة وإسكان المهملة ابن عبيد الله بالتصغير أنه قال: (( إن كنت لأركب إلى مصر من الأمصار في الحديث الواحد ) ).

وعن أبي العالية قال: (( كنا نسمع الحديث عن الصحابة فلا نرضى حتى نركب إليهم فنسمعه منهم ) ).

ومطابقة الحديث للترجمة في الأمة ظاهر، وأما في الأهل فيحتمل وجهين:

أحدهما: أن يكون بطريق القياس على الأمة المنصوص عليها، والاعنتاء بتعليم الحرائر من الأهل في الأمور الدينية آكد من الإماء.

والآخر: أن يكون قد أراد أن يضع فيه حديثًا يدل عليه فلم يتفق له، قاله العيني.

وفي الحديث كما قال المهلبي دليل على أن من أحسن في معنيين من أيِّ فعل كان من أفعال البر فله أجره مرتين والله يضاعف لمن يشاء.

قال النووي: وفي قول الشعبي جواز قول العالم مثله تحريضًا للسامع، وفيه بيان ما كان عليه السلف من الرحلة إلى البلدان البعيدة في حديث واحد أو مسألة واحدة.

قال ابن بطال: وفيه إثبات فضل المدينة وأنها معدن العلم وإليها كان يرحل في طلب العلم ويقصد في اقتباسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت