فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 1465

98 -وبالسند إلى المؤلف قال:

(حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) بمهملة مفتوحة فراء ساكنة فموحدة الأزدي الأنصاري (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ابن الحجاج (عَنْ أَيُّوبَ) السختياني.

(قَالَ سَمِعْتُ عَطَاءً) هو الإمام الجليل أبو محمد عطاء بن أبي رباح، واسم أبي رباح أسلم بهمزة في أوله مفتوحة لا سليمان، كما في القسطلاني المكي القرشي، مولى ابن خيثم الفهري، وابن خيثم عامل عمر بن الخطاب على مكة، ولد عطاء في آخر خلافة عثمان، وروي عنه أنه قال: أعقل قتل عثمان، ويقال أنه من مولدي الجند من مخاليف اليمن ونشأ بمكة وصار مفتيها وهو من كبار التابعين، روى عن العبادلة وعائشة وغيرهم، وروى عنه الليث حديثًا واحدًا وجلالته، وبراعته، وثقته، وديانته متفق عليها، وحج سبعين حجة، وكانت الحلقة بعد ابن عباس له، مات سنة خمس عشرة، وقيل: أربع عشرة ومئة عن ثمانين سنة، وكان حبشيًا، أسود، أعور، أفطس، أشل، أعرج لامرأة من أهل مكة ثم عمي بآخره ولكن العلم والعمل به رفعه.

ومن ئبه: أنه إذا أراد الإنسان سفرًا له القصر

ج 1 ص 496

قبل خروجه من بلده ووافقه طائفة من أصحاب ابن مسعود وخالفه الجمهور، ومن غرائبه أيضًا: أنه إذا وافق يوم عيد يوم جمعة يصلي العيد فقط ولا ظهر ولا جمعة عنده في ذلك اليوم، كذا في ابن الملقن.

(قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (قَالَ أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ) ولأبي الوقت: (صلى الله عليه وسلم أَوْ قَالَ عَطَاءٌ أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) يعني أن أيوب الراوي عن عطاء شك وتردد هل القائل أشهد ابن عباس أو عطاء.

قال في (( الفتح ) ): وقد رواه بالشكل أيضًا حماد بن زيد عن أيوب أخرجه أبو نعيم في (( المستخرج ) )، وأخرجه أحمد بن حنبل عن غندر جازمًا بلفظ: أشهد عن كل منهما، وإنما عبر بالشهادة تأكيدًا لتحققه ووثوقًا بوقوعه انتهى.

وقال الكرماني: وإنما استعمل الشهادة بعلى لا باللام لزيادة التأكيد في وثاقته؛ لأنه يدل على الاستعلاء بالعلم على خروجه عليه السلام انتهى.

وفي (( الصحاح ) ): الشهادة خبر قاطع تقول منه شهد الرجل على كذا انتهى.

(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ) وفي بعض النسخ: (صلى الله عليه وسلم خَرَجَ) من بين صفوف الرجال إلى صف النساء (وَمَعَهُ بِلاَلٌ) أي: ابن أبي رباح بفتح الراء وتخفيف الموحدة وبالحاء المهملة، وأمه حمامة بفتح الحاء وتخفيف الميمين مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يؤذن بعده إلا مرة في خلافة عمر حين قدم الشام فلم ير باك أكثر من ذلك اليوم، وإلا مرة أخرى لما قدم بلال المدينة لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم فطلب منه ذلك فأذن ولم يتمه لما غلب عليه من البكاء، وكان مولى لأمية بن خلف، وكان يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول له: لا تزال كذلك حتى تموت أو تكفر بمحمد فيقول وهو في تلك الحالة: أحد أحد، فمر به أبو بكر فاشتراه منه وأعتقه فلزم النبي صلى الله عليه وسلم وأذن له، وشهد معه جميع المشاهد، ومن لطيف صنع الله تعالى أن أقدر بلالًا على قتل أمية فقتله يوم بدر فقال أبو بكر رضي الله عنه فيه أبياتًا منها:

~هنيئًا زادك الرحمن فضلًا فقد أدركت ثأرك يا بلال

وآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح، ثم خرج بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الشام ومات بها زمن عمر، قاله البخاري.

وقال ابن بكير: مات في طاعون عمواس.

وقال عمرو بن علي: مات سنة عشرين.

وقال ابن زبر: مات بداريا، وفي المعرفة لابن منده ودفن بحلب، كذا في (( الإصابة ) )للحافظ ابن حجر، والمشهور أن قبره بالشام بمقبرة باب الصغير وعليه قبة عظيمة.

(فَظَنَّ) أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم (أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ) من أسمع؛ أي: ظن أنه لم يسمع النساء وعظه حين كان يعظ الرجال، وسقط لفظ (( النساء ) )في بعض الروايات.

(فَوَعَظَهُنَّ) عليه الصلاة والسلام بقوله: (( إني رأيتكن أكثر أهل النار لأنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير ) ).

وفي حديث جابر قال: (( تصدقن فإنكن أكثر حطب جهنم ) ).

وفيه: (( فقالت امرأة: لم يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير ) )وهذا أصل في حضور النساء مجالس الوعظ ونحوها بشرط أمن الفتنة.

(وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ) أي: صدقة التطوع يدل لذلك ما عند المؤلف من حديث جابر في بعض طرقه قلت لعطاء: زكاة الفطر؟ قال: لا ولكن صدقة تصدقن بها حينئذ وأمرهن بها لما رآهن أكثر أهل النار، وجاء في (( الصحيح ) ): (( تصدقن يا معشر النساء فإني رأيتكن أكثر أهل النار ) )وقيل: أمرهن بها؛ لأنه كان وقت حاجة إلى المواساة، والصدقة يومئذ كانت أفضل وجوه البر، كذا في الكرماني.

(فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ) أي: طفقت فهي هنا من أفعال الشروع (تُلْقِي الْقُرْطَ) بضم القاف وسكون الراء وبالطاء المهملة وهو ما يعلق في شحمة الأذن ذهبًا كان أو غيره، كما قاله ابن دريد.

وفي (( البارع ) ): القرط يكون فيه حبة واحدة في حلقة واحدة والجمع أقراط وقروط وقرطه وقراط، كذا في العيني.

(وَالْخَاتَمَ) فيه أربع لغات كسر التاء وفتحها وخيتام وخاتام وأل في القرط والخاتم عوض عن المضاف إليه؛ أي: قرطها وخاتمها، وهل كانت المرأة تلقي ما ذكر في الأرض أو في ثوب بلال؟ الظاهر الأول بدليل قوله:

(وَبِلاَلٌ يَأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ) فإنه لو كان الإلقاء في الثوب لما احتاج إلى أخذه إلا أن يقال المراد بالأخذ ضم الثوب عليه ومفعول يأخذ محذوف؛ أي: يأخذ ما تلقي المرأة.

قال الكرماني: فإن قلت: الصدقة

ج 1 ص 497

حرام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فما مصرفها؟.

قلت: مصرفها مصرف سائر الصدقات انتهى.

(قَالَ إِسْمَاعِيلُ) أي: ابن علية، ولابن عساكر زيادة: قبله (عَنْ أَيُّوبَ) السختياني (عَنْ عَطَاءٍ) ابن أبي رباح (وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، وفي رواية الأصيلي وابن عساكر وأبي الوقت: (أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) فجزم بأن لفظ أشهد من كلام ابن عباس فقط.

قال في (( الفتح ) ): وأراد بهذا التعليق أنه جزم عن أيوب بأن لفظ أشهد من كلام ابن عباس فقط، وكذا جزم به أبو داود الطيالسي في (( مسنده ) )عن شعبة، وكذا قاله وهيب عن أيوب ذكره الإسماعيلي.

وأغرب الكرماني فقال: يحتمل أن يكون قوله: وقال إسماعيل عطفًا على حدثنا شعبة، فيكون المراد حدثنا سليمان بن حرب عن إسماعيل فلا يكون تعليقًا انتهى.

وهو مردود فإن سليمان بن حرب لا رواية له عن إسماعيل أصلًا لهذا الحديث ولا لغيره، وقد أخرجه المصنف في كتاب الزكاة موصولًا عن مؤمل بن هشام عن إسماعيل كما سيأتي، وقد قلنا غير مرة إن الاحتمالات العقلية لا مدخل لها في الأمور النقلية، ولو استرسل فيها مسترسل لقال: يحتمل أن يكون إسماعيل هنا آخر غير ابن علية، وأن أيوب آخر غير السختياني، وكذا في أكثر الرواة فيخرج بذلك إلى ما ليس بمرضي انتهى.

ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: (( فوعظهن وأمرهن بالصدقة ) )وفي الحديث كما قال النووي: استحباب وعظ النساء، وتذكيرهن الآخرة، وأحكام الإسلام، وحثهن على الصدقة إذا لم يترتب على ذلك مفسدة أو خوف فتنة على الواعظ أو الموعوظ.

وفيه: أن على الإمام افتقاد رعيته وتعليمهم ووعظهم.

وفيه: أن صدقة التطوع لا تحتاج إلى إيجاب وقبول ويكفي فيها المعاطاة؛ لأنهن ألقين الصدقة في ثوب بلال من غير كلام منهن ولا من بلال ولا من غيرها، وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعي خلافًا لأكثر العراقيين من أصحابه حيث قالوا: تفتقر إلى الإيجاب والقبول.

وفيه: أن الصدقات العامة إنما يصرفها مصارفها الإمام.

وفيه: دليل على أن الصدقة تنجي من النار قاله ابن بطال.

وفيه: جواز صدقة المرأة من مالها بغير إذن زوجها، ولا يتوقف في ذلك على ثلث مالها.

وقال مالك: لا تجوز الزيادة على الثلث إلا برضى الزوج، والحجة عليه أنه عليه الصلاة والسلام لم يسأل هل هذا بإذن أزواجهن أم لا؟ وهل هو خارج من الثلث أم لا؟ ولو اختلف الحكم بذلك لسأل، قاله العيني وتمامه في شرحه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت