99 -وبالسند إلى المؤلف قال:
(حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) ابن يحيى سبط أبي سرح بالمهملات الأويسي القرشي العامري المدني أبو القاسم الفقيه.
قال أبو حاتم: مدني صدوق، وقال: هو أحب إلي من يحيى بن بكير.
(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ) ابن بلال أبو محمد التيمي القرشي (عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو) بفتح العين المهملة فيهما أبو عثمان المدني مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب بفتح المهملة وسكون النون وفتح المهملة وبالموحدة المخزومي القرشي، مات في أول خلافة المنصور سنة ست وثلاثين ومئة.
قال أبو زرعة: ثقة لأن مالكًا روى عنه وهو لا يروي إلا عن صدوق ثقة.
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) بالتكبير فيهما (الْمَقْبُرِيِّ) مثلث الموحدة والضم أشهر (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه
ج 1 ص 498
(أَنَّهُ) بفتح الهمزة (قَالَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) ولغير أبي ذر وكريمة: بإسقاط قيل.
قال في (( الفتح ) ): وهو الصواب، ولعلها كانت قلت فتصحفت فقد أخرجه المصنف في الرقاق كذلك، وللإسماعيلي ، ولأبي نعيم (( أن أبا هريرة قال: يا رسول الله ) )انتهى.
أقول: ويؤيد هذا قوله في الحديث: (( لقد ظننت يا أبا هريرة ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك ) )لكن ذلك لا يقتضي تخطئة رواية أبي ذر وكريمة لإمكان تأويلها بأن التعبير بقيل لا ينافي كون السائل هو أبا هريرة؛ لأن الراوي قد يبهم نفسه لغرض من الأغراض كما تقدم قريبًا في اللقطة (( عن زيد ابن خالد الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله رجل عن اللقطة ) )الحديث.
فإنه قيل: إن الرجل هو زيد بن خالد نفسه، وهذا أولى من تخطئة الرواية المذكورة إذ يحتمل أن أبا هريرة قال أولًا للرسول: (( يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك ) )ثم لما رواه للناس عبر عن ذلك بقيل، ولا شبهة في صحة هذا التعبير سواء كان هو القائل أم غيره فليتأمل فإن جميع من رأيناهم من الشراح حكموا بالتخطئة.
(مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) الشفاعة مشتقة من الشفع وهو ضم الشيء إلى مثله كأن المشفوع له كان فردًا فجعله الشفيع شفعًا بضم نفسه إليه، والشفاعة الضم إلى آخر معاونًا له، وأكثر ما تستعمل في انضمام من هو أعلى مرتبة إلى من هو أدنى، كذا في الكرماني.
(قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) مجيبًا لأبي هريرة ومنبهًا على حرصه (لَقَدْ ظَنَنْتُ) اللام مؤكدة أو في جواب قسم محذوف (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ) قال في (( منحة الباري ) ): وفي نسخة (( يا با هريرة ) )بحذف الهمزة تخفيفًا.
(أَلا يَسْأَلَنِي) بنصب الفعل ورفعه لوقوعه بعد فعل الظن كقوله تعالى: {وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ} [المائدة:71] قرئ بهما بناء على أن أن مصدرية أو مخففة من الثقيلة.
(عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ) فاعل يسألني (أَوَّلُ مِنْكَ) برفع أول صفة لأحد أو بدل منه وبالنصب وهو الذي في اليونينية كفرعها، وصحح عليه وخرج على الظرفية أو الحالية من أحد لوقوعه في سياق النفي.
وقال عياض: على المفعول الثاني لظننت.
قال في (( المصابيح ) ): ولا يظهر له وجه انتهى؛ أي: لأن الساد مسد المفعولين أن ومعمولاها، والصحيح أن وزنه أفعل لا فوعل لاستعماله بمن.
(مَما رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ) ما موصولة أو موصوفة والعائد محذوف ومن بيانية تقديره للذي أو لشيء رأيته من حرصك.
قال الكرماني وتبعه العيني: أو مصدرية ومن تبعيضية مفعول رأيت؛ أي: لرؤيتي بعض حرصك انتهى.
أقول: لا يخفى ما فيه من المسامحة؛ لأن من التبعيضية حرف، ولم تستعمل اسمًا فيما رأينا فالوجه أن المفعول محذوف وهي تبيينية أو تبعيضية لذلك المحذوف؛ أي: لما رأيت الكثير من حرصك، ورأيت هنا بمعنى علم العرفانية فتنصب مفعولًا واحدًا، ويحتمل أن تكون بصرية بتجوز.
(أَسْعَدُ النَّاسِ) طائعهم وعاصيهم (بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ظرف متنازع فيه لكل من أسعد وشفاعتي (مَنْ قَالَ) في موضع رفع خبر المبتدأ الذي هو أسعد؛ أي: الذي قال.
(لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) أي: مع قول محمد رسول الله فهو من الاكتفاء بإحدى القرينتين عن الأخرى كقوله تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل:81] أي: والبرد، أو أن لا إله إلا الله صار في عرف الشرع علمًا على مجموعهما، أو مجاز مرسل من إطلاق الجزء وإرادة الكل حال كونه (خَالِصًا) من الشرك، وزاد في رواية الكشميهني وأبي الوقت: وهذه تؤيد كون خالصًا حالًا من فاعل قال: لا من المفعول الذي هو مقول القول.
(مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ) الشك فيه من أبي هريرة أو غيره، وللمصنف في الرقاق: (( خالصًا من قبل نفسه ) )وذكر ذلك على سبيل التأكيد كما في قوله تعالى: {فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة:283] وهو احتراز عن المنافق كما أن من قال لا إله إلا الله احتراز عن الشرك.
قال في (( الفتح ) ): ومعنى أفعل في قوله: (( أسعد ) )الفعل لا أنه أفعل التفضيل؛ أي: سعيد الناس كقوله تعالى: {وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} [الفرقان:24] ويحتمل أن يكون أفعل التفضيل على بابه وأن كل أحد يحصل له سعد بشفاعته، لكن المؤمن المخلص أكثر سعادة بها فإنه صلى الله عليه وسلم يشفع للخلق لإراحتهم من هول الموقف، ويشفع في بعض الكفار بتخفيف العذاب كما صح في حق أبي طالب، ويشفع في بعض المؤمنين بالخروج من النار بعد أن دخلوها، وفي بعضهم بعدم دخولها بعد أن استوجبوا دخولها، وفي بعضهم بدخول الجنة بغير حساب،
ج 1 ص 499
وفي بعضهم برفعة الدرجات فيها، فظهر الاشتراك في السعادة بالشفاعة، وأن أسعدهم بها المؤمن المخلص انتهى.
فهذه ست شفاعات، وقد أوصلها الحافظ السيوطي في (( خصائصه الصغرى ) )إلى عشر شفاعات ذكرتها في نظمي للكتاب المذكور بقولي:
~وخص بالشفاعة العظمى لدى فصل القضا من شدة الهول غدا
~كذا في الادخال بلا حساب قومًا لدار الخلد والثواب
~كذاك في من يستحق النار أن ينجو من دخولها ومن محن
~كذا برفع درجات زمرة في الغرفات وقصور الجنة
~كذا بإخراج عموم أمته من نار ربه بفضل رحمته
~كذاك بالعفو عن التقصير في طاعة المقتدر الخبير
~في صلحاء قصروا في الطاعة فبلغوا الكمال بالشفاعة
~كذاك بالتخفيف للحساب في يوم موقف بلا ارتياب
~كذا بتخفيف عذاب النار عن بعض من فيها من الكفار
كذا بأطفال لهم يشفع وعنهم العذاب حقًا يدفع
~عاشرها في أهل بيته الغرر فلا تمس أحدًا منهم سقر
والأحاديث الدالة على هذه الشفاعات مذكورة في شرح هذه الأبيات، والاختصاص في بعضها حقيقي، وفي بعضها إضافي كما يعلم بالتأمل، وقد زدت عليها في شرحي لنظم هذا الكتاب بقولي تتمة ما ذكره المصنف أعني مصنف الأصل وهو الحافظ السيوطي هنا من مشاهير شفاعاته، وبقيت له صلى الله عليه وسلم شفاعات أخر لم يتعرض لها، فقد أخرج الطبراني والبزار عن عبد الله بن جعفر مرفوعًا: (( أول من أشفع له من أمتي أهل المدينة وأهل مكة وأهل الطائف ) ).
وأخرج الطبراني عن ابن عمر مرفوعًا: (( أول من أشفع له من أمتي يوم القيامة أهل بيتي، ثم الأقرب فالأقرب من قريش، ثم الأنصار، ثم من آمن بي واتبعني من أهل اليمن، ثم من سائر العرب، ثم من الأعاجم ومن أشفع له أولًا أفضل ) ).
فقد اشتمل هذان الحديثان على عدة شفاعات لم تدخل فيما تقدم.
الأولى: شفاعته لأهل المدينة.
الثانية: شفاعته لأهل مكة.
الثالثة: شفاعته لأهل الطائف.
الرابعة: شفاعته للأقرب فالأقرب من قريش.
الخامسة: شفاعته للأنصار.
السادسة: شفاعته لمن آمن به واتبعه من أهل اليمن.
السابعة: شفاعته لمن آمن به من سائر العرب.
الثامنة: شفاعته لمن آمن به من الأعاجم.
التاسعة: شفاعته لمن بلغ من أمته أربعين سنة.
العاشرة: شفاعته لمن بلغ منهم خمسين سنة.
الحادية عشر: شفاعته لمن بلغ منهم ستين سنة.
فقد روى أبو الشيخ والديلمي عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا: (( سألت الله في أبناء الأربعين من أمتي فقال: يا محمد قد غفرت لهم، قلت: فأبناء الخمسين؟ قال: إني قد غفرت لهم، قلت: فأبناء الستين؟ قال: قد غفرت لهم، قلت: فأبناء السبعين؟ قال: يا محمد إني لأستحي من عبدي أن أعمره سبعين سنة يعبدني لا يشرك بي شيئًا أن أعذبه بالنار، فأما أبناء الأحقاب أبناء الثمانين والتسعين فإني واقفهم يوم القيامة فقائل لهم: أدخلوا من أحببتم الجنة ) ). انتهى.
فهذه إحدى عشرة شفاعة تبلغ مع العشرة المتقدمة إحدى وعشرين شفاعة، وربما زادت للمتتبع؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كريم على ربه وفضله تعالى واسع نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أحد هذه الأقسام المشمولين بشفاعته عليه الصلاة والسلام.
وفي الحديث من الفوائد التنبيه على الحرص على العلم والخير، فإن الحريص يبلغ بحرصه إلى البحث عن الغوامض ودقيق المعاني.
وفيه: تفرس العالم في المتعلم منه، وتنبيهه على ذلك ليكون أبعث على اجتهاده في العلم.
وفيه: جواز سكوت العالم عن العلم إذا لم يسأل حتى يسأل ولا يكون ذلك كتمًا؛ لأن على الطالب السؤال لقوله تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [الأنبياء:7] .
ج 1 ص 500
وفيه: أن على العالم أن يبين إذا سئل وإن لم يبين فقد كتم إلا أن يكون له عذر.
وفيه: ثبوت الشفاعة وأنها تكون لأهل الإخلاص والتوحيد.
وفيه: جواز القسم للتأكيد.
وفيه الخطاب بالكنية.
وفيه فضل أبي هريرة رضي الله عنه.