فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 1465

100 -وبالسند إلى المؤلف قال:

(حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) بضم الهمزة وبالسين المهملة (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) إمام دار الهجرة.

قال في (( الفتح ) ): قال الدارقطني: لم يروه في (( الموطأ ) )إلا معن بن عيسى، ورواه أصحاب مالك كابن وهب وغيره عن مالك خارج (( الموطأ ) )، وأفاد ابن عبد البر أن سليمان بن برد رواه أيضًا في (( الموطأ ) )، وقد اشتهر هذا الحديث من رواية هشام بن عروة فوقع لنا من رواية أكثر من سبعين نفسًا عنه من أهل الحرمين، والعراقين، والشام، وخراسان، ومصر وغيرها، ووافقه عن روايته عن أبيه عروة أبو الأسود المدني، وحديثه في (( الصحيحين ) )والزهري وحديثه في النسائي، ويحيى بن كثير وحديثه في (( صحيح أبي عوانة ) )، ووافق أباه على روايته عن عبد الله بن عمر، والحكم بن ثوبان وحديثه في مسلم انتهى.

(عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) رضي الله عنهما (قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ) أي: في حجة الوداع كما عند أحمد والطبراني من حديث أبي أمامة (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ) بكسر الموحدة (الْعِلْمَ) من الناس.

(انْتِزَاعًا) بالنصب على المفعولية المطلقة، والعامل فيه فعل من معناه وهو يقبض نحو: رجع القهقري (يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ) صفة مبينة للنوع، ومعناه أن الله لا يقبض العلم من بين الناس على سبيل أن يرفعه من بينهم إلى السماء أو يمحوه من صدورهم (وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ) أرواح (الْعُلَمَاءِ) وموت حملته، وعبر بالمظهر في قوله: يقبض العلم موضع المضمر لزيادة تعظيم المظهر كما في قوله تعالى: {اللهُ الصَّمَدُ} بعد قوله: {اللهُ أَحَدٌ} [الإخلاص:1 - 2] .

قال ابن المنير: محو العلم من الصدور جائز في القدرة إلا أن هذا الحديث دل على عدم وقوعه انتهى.

أقول: ووقع التصريح بذلك بأتم من هذا فيما رواه أحمد والطبراني من حديث أبي أمامة قال: (( لما كان في حجة الوداع قال النبي صلى الله عليه وسلم: خذوا العلم قبل أن يقبض أو يرفع، فقال أعرابي: كيف يرفع؟ فقال: ألا إن ذهاب العلم بذهاب حملته، ثلاث مرات ) ).

وقال ابن بطال: معناه أن الله تعالى لا ينزع العلم من العباد بعد أن تفضل به عليهم، ولا يسترجع ما وهب لهم من العلم المؤدي إلى معرفته وبث شريعته، وإنما يكون انتزاعه بتضييعهم العلم فلا يوجد من يخلف من مضى، وقد أنذر صلى الله عليه وسلم بقبض الخير كله وما ينطق عن الهوى انتهى.

(حَتَّى) ابتدائية (إِذَا لَمْ يُبْقِ) بضم المثناة التحتية وكسر القاف من الإبقاء، وفيه ضمير يرجع إلى الله تعالى؛ أي: حتى إذا لم يبق الله تعالى (عَالِمًا) بالنصب على المفعولية، كذا في رواية الأصيلي، ولغيره: (( يبق ) )بفتح حرف المضارعة من البقاء الثلاثي المجرد، وعالم بالرفع على الفاعلية، ولمسلم: (( حتى إذا لم يترك عالمًا ) ).

قال في (( منحة الباري ) )أخذًا من الكرماني: فإن قلت: لم يبق للمضي فكيف وقعت بعد إذا وهي للاستقبال؟ قلنا: تعارضا فتساقطا فبقي الفعل على أصله مضارعًا مع أنه لا مانع من ذلك كما في قوله تعالى: {إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ} [المنافقون:1] و {إِذَا جَاء نَصْرُ اللهِ} [النصر:1] لأن أداة الشرط تقلب الماضي مضارعًا انتهى.

وقال الكرماني: فإن قلت: إذا كان إذا شرطية يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط، ومن وجود المشروط وجود الشرط، لكنه ليس كذلك لجواز حصول الاتخاذ مع وجود العالم.

قلت: ذلك في الشروط العقلية أما في غيرها فلا نسلم إطراد هذه القاعدة، ثم ذلك الاستلزام إنما هو في موضع لم يكن للشرط بدل فقد يكون لمشروط واحد شروط متعاقبة كصحة الصلاة بدون وضوء عند التيمم، أو المراد بالناس جميعهم فلا يصح أن الكل اتخذوا رؤوسًا جهالًا إلا عند عدم بقاء عالم مطلقًا وذلك ظاهر انتهى.

(اتَّخَذَ) قال الكرماني كالعيني: أصله أأتخذ بهمزتين قلبت الثانية تاء ثم أدغمت التاء في التاء انتهى.

وفيه نظر؛ لأن الهمزة لا تقلب تاء لبعدها منها مخرجًا وصفة، ويمكن الجواب عنهما بأن المراد أنها قلبت ياء لسكونها وكسر ما قبلها ثم قلبت الياء تاء كما في: اتسر من اليسر.

قال في (( الصحاح ) ): والاتخاذ افتعال من الأخذ إلا أنه أدغم بعد تليين الهمزة وإبدال التاء، ثم لما كثر استعماله على لفظ الافتعال توهموا أن التاء أصلية فبنوا منه فعل يفعل فقالوا: اتخذ يتخذ انتهى.

لكن قال البدر بن مالك في (( شرح الخلاصة ) ): وما أصله الهمز من هذا القبيل فقياسه أن لا يبدل تاء وذلك نحو: أيتكل أئتكالًا، الأصل أأتكل أأتكالًا؛ لأنه افتعل من الأكل ففاء الكلمة همزة، ولكنها خففت بإبدالها حرف لين لاجتماعها مع الهمزة التي قبلها، ولا يجوز إبدال ذلك اللين تاء إلا ما شذ من قول بعضهم: اتزر؛ أي: لبس الإزار انتهى.

قال القاضي زكريا في (( حاشيته ) )على الشرح المذكور: صرح جماعة منهم السعد التفتازاني بأن هذا خطأ لا شاذ، وبتقدير شذوذه قصره الشارح على اتزر، ومنع أن يقال اتكل في أئتكل حيث قال: وإلى هذا أشار بقوله

ج 1 ص 502

نحو أئتكل ولا نريد أن يقال في أفتعل من الأكل أتكل انتهى.

لكن قال ابن هشام وغيره: أنه شذ فيه، قال في (( التوضيح ) ): وشذ قولهم في أفتعل من الأكل أتكل، وقول الجوهري في أتخذ أنه أفتعل من الأخذ وهم، وإنما هو من تخذ كاتبع من تبع انتهى.

وأقول فيه: أن الجوهري لم تجعل تخذ بناء أصليًا بل جعله مولدا من اتخذ على توهم أصالة التاء كما تقدم فلا يتم الاحتجاج عليه بذلك فليحرر.

(النَّاسُ رُؤُوسًا) بضم الراء والهمزة والتنوين جمع رأس.

قال في (( الفتح ) ): وفي رواية أبي ذر أيضًا: بفتح الهمزة، وفي آخره أخرى: مفتوحة جمع رئيس.

(جُهَّالًا) بالضم والتشديد جمع جاهل، والمراد بالجهل هنا ما يعم الجهل البسيط وهو عدم العلم بالشيء لا مع اعتقاد العلم به والجهل المركب وهو عدم العلم بالشيء مع اعتقاد العلم به.

(فَسُئِلُوا) بالبناء للمفعول؛ أي: سألهم الناس عما يحتاجون إليه في أمر دينهم (فَأَفْتَوْا) أي: فأفتوا من سألهم من الناس (بِغَيْرِ عِلْمٍ) وفي رواية أبي الأسود في الاعتصام عند المصنف: (( فيفتون برأيهم ) )ورواه مسلم كالأولى، كذا في (( الفتح ) ).

(فَضَلُّوا) من الضلال مقابل الهداية (وَأَضَلُّوا) غيرهم من الإضلال ضد الإرشاد.

قال الكرماني: فإن قلت: الضلال متقدم على الإفتاء فما معنى الفاء؟.

قلت: المجموع المركب من الضلال والإضلال متعقب على الإفتاء، وإن كان الجزء الأول مقدمًا عليه أو الضلال الذي بعد الإفتاء غير الضلال الذي قبله انتهى.

ومثل المفتين في ذلك جهلة القضاة، بل هم أسوء حالًا؛ لأن حكم القاضي ملزم بخلاف بيان المفتي.

وفي العيني قال الداوودي: هذا الحديث خرج مخرج العموم، والمراد به الخصوص لقوله عليه الصلاة والسلام: (( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله ) ).

أو يقال: هذا بعد إتيان أمر الله إن لم يفسر إتيان الأمر بإتيان القيامة، أو عدم بقاء العلماء إنما هو في بعض المواضع كفي غير بيت المقدس مثلًا إن فسرناه به فيكون محمولًا على التخصيص جمعًا بين الأدلة انتهى.

وفي الحديث الحث على حفظ العلم والاشتغال به.

وفيه: التحذير عن اتخاذ الجهال رؤسًا.

وفيه دلالة للجمهور القائلين بجواز خلو الزمان عن مجتهد خلافًا للحنابلة.

وفيه أن الفتوى هي الرئاسة الحقيقية.

وفيه ذم من يقدم عليها بغير علم.

(قَالَ الْفِرَبْرِيُّ) بكسر الفاء وفتحها وفتح الراء وسكون الموحدة نسبة إلى فربر وهي قرية من قرى بخارى على طرف جيحون وهو أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر.

قال الكلاباذي: كان سماع الفربري من البخاري صحيحه مرتين مرة بفربر سنة ثمان وأربعين ومائتين، ومرة ببخارى سنة ثنتين وخمسين ومائتين ولد سنة إحدى وثلاثين ومائتين ومات سنة عشرين وثلاثمائة.

(حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ) بتشديد الموحدة والسين المهملة آخره (قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) ابن سعيد أحد مشايخ المؤلف قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم ابن عبد الحميد الضبي (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة بن الزبير بن العوام (نَحْوَهُ) أي: نحو حديث مالك السابق.

قال في (( الفتح ) ): هذا من زيادات الراوي عن البخاري في بعض الأسانيد وهي قليلة انتهى.

ولفظ رواية قتيبة هذه أخرجها مسلم عنه، وسقط قوله: لابن عساكر والأصيلي وأبي الوقت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت