101 -102 - وبالسند إلى المؤلف قال:
(حَدَّثَنَا آدَمُ) ابن أبي إياس (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ابن الحجاج (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ الأَصْبَهَانِيِّ) بفتح الهمزة وكسرها وبالباء وقد تبدل ياؤها فاء.
قال الكرماني: أهل المشرق يقولون: أصفهان، وأهل المغرب بالباء وهي مدينة بعراق العجم عظيمة، أكثر المحدثين منها انتهى. والأصبهاني هو عبد الرحمن بن عبد الله الكوفي.
(قَالَ سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ) بفتح الذال المعجمة وسكون الكاف (يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) بضم الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة سعد بن مالك أحد المكثرين على خلاف في ذلك.
(قَالَ: قَالَ النِّسَاءُ) ولغير أبي ذر: بتاء التأنيث وكلاهما جائز مع اسم الجمع المؤنث (لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ) بملازمتهم لك كل الأيام يتعلمون منك أحكام الدين ونحن نساء ضعفة لا نقدر على
ج 1 ص 503
مزاحمتهم (فَاجْعَلْ لَنَا) أي: عين لنا (يَوْمًا) من الأيام تعلمنا فيه يكون منشأ تعيينه.
(مِنْ نَفْسِكَ) أي: من اختيارك لا من اختيارنا، وعبر عن التعيين بالجعل؛ لأنه لازمه (فَوَعَدَهُنَّ) عليه الصلاة والسلام (يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ) قال العيني: يومًا مفعول ثان لوعد، وجملة: (( لقيهن فيه ) )في محل نصب صفة يومًا، ويحتمل أن يكون استئنافًا.
قال العيني: فإن قلت: عطف الجملة الخبرية وهي قوله: (( فوعدهن ) )على الإنشائية وهي قوله: (( فاجعل لنا ) )وقد منعه ابن عصفور وابن مالك وغيرهما.
أجيب: بأن العطف ليس على قوله: (( فاجعل ) )بل العطف على جميع الجملة من قوله: (( غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يومًا ) )انتهى.
وأقول: لا يخفى على المتأمل أن ذلك بعيد من جهة المعنى؛ لأن الفاء في فوعدهن فيها معنى السببية والوعد لا يتسبب عن غلبة الرجال عليهن بل عن قولهن: (( فاجعل لنا ) )فالظاهر أن العطف على (( فاجعل لنا ) )ويجاب عنه بما ذكره صاحب (( الكشاف ) )في قوله تعالى في سورة البقرة: {وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ} [البقرة:25] بقوله.
فإن قلت: علام عطف هذا الأمر ولم يسبق أمر ولا نهي يصح عطفه عليه؟.
قلت: ليس الذي اعتمد بالعطف هو الأمر حتى يطلب له مشاكل من أمر أو نهي يعطف عليه إنما المعتمد بالعطف هو جملة وصف ثواب المؤمنين فهي معطوفة على جملة وصف عقاب الكافرين كما تقول: زيد يعاقب بالقيد والإرهاق وبشر عمرًا بالعفو والإطلاق انتهى.
غير أن ما هنا عكس ما في الآية الكريمة ولا ضير في ذلك إذ لا فرق في عطف الإنشاء على الخبر بين أن يكون الإنشاء مقدمًا والخبر مؤخرًا وبالعكس، ولك أن تقول هو من عطف الخبر على الخبر لكن المعطوف عليه محذوف والفاء في المعطوف فصيحة على حد قوله تعالى: {فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ} [البقرة:60] أي: فضرب فانفجرت، ولعل هذا الوجه أقل تكلفًا كما يعلم بالتأمل.
(فَوَعَظَهُنَّ) الفاء فيه فصيحة؛ لأن المعطوف عليه محذوف؛ أي: فوفى بعهدهن فوعظهن، قاله العيني. ويجوز عطفه على وعدهن أو لقيهن (وَأَمَرَهُنَّ) معطوف على وعظهن وحذف المفعول الثاني في الفعلين لإرادة التعميم؛ أي: فوعظهن بمواعظ تردعهن عن القبائح وترغبهن في الأعمال الصالحة وأمرهن بأوامر دينية.
(فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلاَثَةً مِنْ الولد إِلاَّ كَانَ) أي: التقديم المفهوم من تقدم (لَهَا حِجَابًا) من النار خبر كان الأولى فيما قال؛ أي: فيما قاله لهن، واسمها (( ما منكن امرأة ... إلخ ) )على إرادة اللفظ وخبر كان الثانية قوله: (( حجابًا ) )وللأصيلي وابن عساكر والحموي: بالرفع على أن كان تامة، وزاد الأصيلي: للتأكيد وهي مقيسة هنا لتقدم النفي والثلاثة من الولد أعم من أن يكونوا ذكورًا أو إناثًا، أو البعض ذكورًا، والبعض إناثًا وثبوت التاء في ثلاثة لا يعين الذكور؛ لأنه باعتبار لفظ الولد وللمؤلف في الجنائز إلا كن؛ أي: الثلاثة بتأويل الأنفس، وفي الاعتصام إلا كانوا؛ أي: الأولاد رؤية تأويل الأشخاص.
(فَقَالَتِ امْرَأَةٌ) هي أم سليم كما عند أحمد، أو أم أيمن كما عند الطبراني في (( الأوسط ) )، أو أم مبشر بالمعجمة المشددة كما بينه المؤلف، قاله القسطلاني.
(وَاثْنَيْنِ) ولكريمة: بالتاء؛ أي: أو من تقدم اثنين مثل من تقدم ثلاثة.
قال الكرماني: فإن قلت: علام عطف اثنين؟.
قلت: على ثلاثة، ومثله يسمى بالعطف التلقيني كقوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي} [البقرة:124] انتهى.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (وَاثْنَيْنِ) أي: ومن تقدم اثنين يكونان لها حجابًا من النار، ولكريمة: كالسابق وهل جوابه لها بالاثنين كان عن وحي أو اجتهاد؟ الظاهر الأول.
قال العيني: يحتمل أنه أوحي إليه في الحين بأن يجيب عليه السلام بذلك، ولا يمتنع أن ينزل عليه الوحي بذلك حين السؤال.
قال النووي: ويجوز أن يكون أوحي إليه قبله، وقال أبو الحسن القابسي وغيره: قد أخرج البخاري في كتاب الرقاق من حديث أبي هريرة ما يدل على أن الواحد كالاثنين وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (( يقول الله عز وجل: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة ) ).
وأي صفي أعظم من الولد، بل قد جاء في غير الصحيح ما يدل صريحًا على أن الواحد كالاثنين والثلاثة وهو ما رواه الترمذي وابن ماجه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من قدم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كانوا له حصنًا حصينًا من النار، فقال أبو ذر: قدمت اثنين، قال: واثنين، قال أبي بن كعب:
ج 1 ص 504
قدمت واحدًا، قال: وواحدًا )) . قال الترمذي: غريب.
فإن قلت: هل للرجل مثل ما للمرأة إذا قدم الولد؟.
قلت: نعم، لأن حكم المكلفين على السواء إلا إذا دل دليل على التخصيص انتهى ملخصًا.
وبه قال:
(حَدَّثَنَا) ولأبوي ذر والوقت: بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) الملقب ببندار (قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) هو محمد بن جعفر البصري (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ابن الحجاج.
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ عَنْ ذَكْوَانَ) أبي صالح، وأفاد المؤلف هنا تسمية ابن الأصبهاني المبهم في الرواية السابقة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) أي: الْخُدْرِيِّ كما عند الأصيلي (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِهَذَا) أي: بهذا الحديث المذكور قبله.
قال الكرماني: وقدم الإسناد الأول لعلو درجته إذ بين شعبة والبخاري فيه رجل واحد وهو آدم بخلاف الثاني فإن بينهما رجلين، وقال أولًا ابن الأصبهاني وهاهنا عبد الرحمن بن الأصبهاني محافظة على لفظ الشيوخ وهو من جملة احتياطه انتهى.
وقال العيني: وفيه فائدة أخرى قصدها البخاري وهي التنبيه على زيادة في طريق أبي هريرة وهي قوله: (( لم يبلغوا الحنث ) )انتهى.
(وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَصْبَهَانِيِّ) معطوف على عن عبد الرحمن السابق آنفًا.
قال في (( الفتح ) ): الواو للعطف على قوله أولًا عن عبد الرحمن، والحاصل أن شعبة يرويه عن عبد الرحمن بإسنادين فهو موصول، ووهم من زعم أنه معلق انتهى.
ومراده بمن وهم الكرماني فإنه قال: وهذا تعليق من البخاري عن عبد الرحمن انتهى.
(قَالَ سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ) بالمهملة والزاي سلمان الأشجعي الكوفي المتوفى في خلافة عمر بن عبد العزيز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ) وفي رواية أبي ذر: بواو العطف على محذوف؛ أي: قال مثل حديث أبي سعيد وزاد عليه: (( ثلاثة لم يبلغوا الحنث ) )بكسر المهملة وبالمثلثة؛ أي: الإثم فزاد هذا على الرواية الأولى، والمعنى أنهم ماتوا قبل البلوغ فلم يكتب عليهم إثم؛ لأن الإثم إنما يكتب بعد البلوغ، ولعل السر فيه أنه لا ينسب إليهم إذ ذاك عقوق فيكون الحزن عليهم أشد، قاله صاحب (( الفتح ) ).
وقال البرماوي: وخص الصغير بذلك؛ لأن الوالدين على الصغير أرحم وموته عليهما أشق والكبير مظنة المخالفة والعقوق.
قال في (( الفتح ) ): وفي الحديث ما كان عليه نساء الصحابة من الحرص على تعلم أمور الدين، وجعل كلام النساء مع الرجال في ذلك من أمر الدين، وفيه جواز الوعد، وأن أطفال المسلمين في الجنة، وأن من مات له ولدان حجباه من النار، ولا اختصاص لذلك بالنساء كما سيأتي التنصيص عليه في الجنائز انتهى.