103 -وبالسند إلى المؤلف قال:
(حَدَّثَنَا سَعِيدُ) بكسر العين (بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) الجمحي البصري نسبه لجد أبيه لشهرته به، وإلا فأبوه الحكم بن محمد بن أبي مريم توفي سنة أربع وعشرين ومائتين.
(قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ) وفي رواية أبي ذر زيادة: وهو قرشي، مكي، حافظ، ثقة، ثبت، مات بمكة سنة تسع وستين ومائة، وقول القسطلاني سنة أربع وعشرين ومائتين وهم من قلم الناسخ سرى إليه مما قبله.
(قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد ابن أبي مليكة بصيغة التصغير عبد الله بن عبيد الله.
(أَنَّ عَائِشَةَ) بفتح الهمزة؛ أي: بأن عائشة رضي الله عنها (زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: كَانَتْ لاَ تَسْمَعُ) وفي رواية أبي ذر بإسقاط: .
قال الكرماني: لا منافاة بين كان التي للماضي ولا تسمع للمضارع؛ لأن كان هنا لثبوت خبرها دائمًا والمضارع للاستمرار فيتناسبان، أو جيء بلفظ المضارع استحضارًا للصورة الماضية وحكاية عنها فلفظه وإن كان مضارعًا لكن معناه على الماضي انتهى ملخصًا.
(شَيْئًا) مجهولًا لها بدليل قوله: (لاَ تَعْرِفُهُ، إِلاَّ رَاجَعَتْ فِيهِ) النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الاستثناء كما قال الكرماني متصل؛ لأن جملة راجعت صفة لموصوف محذوف؛ أي: كانت لا تسمع شيئًا مجهولًا موصوفًا بصفة إلا موصوفًا بأنه مرجوع فيه (حَتَّى تَعْرِفَهُ) أي: إلى أن تعرفه فحتى غائية أو كي تعرفه فهي تعليلية.
قال في (( الفتح ) ): ظاهر أوله الإرسال؛ لأن ابن [أبي] مليكة لم يدرك مراجعة عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم، لكن تبين وصله بعد في قوله: قالت عائشة فقلت انتهى.
وقال الكرماني: وهذا الإسناد مما استدركه الدارقطني على البخاري ومسلم قال: اختلفت الرواية فيه عن ابن أبي مليكة
ج 1 ص 505
فروي عنه عن عائشة، وروي عنه عن القاسم عن عائشة، وأقول هذا استدراك ضعيف؛ لأنه محمول على أنه سمعه عنها بالواسطة وبدون الواسطة فرواه بالوجهين فالاستدراك مستدرك انتهى.
قال العيني: وأكثر استدراكات الدارقطني على البخاري ومسلم من هذا الباب.
(وَأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) عطف على قوله وأن عائشة (قَالَ مَنْ حُوسِبَ) أي: حساب مناقشة بدليل ما يأتي (عُذِّبَ) عذب جواب الشرط.
قال الكرماني: واعلم أن هذا القدر من كلام ابن أبي مليكة مرسل إذ لم يسنده إلى صحابي انتهى.
أقول: ما قاله الكرماني في إرساله في غاية الظهور، ولا يجدي فيه جواب صاحب (( الفتح ) )المتقدم؛ لأن هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وهو لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم قطعًا بخلاف ما حكاه عن عائشة، فإن وصله علم من إخباره عنها بأنها قالت: فقلت فما ذهب إليه بعض المعاصرين بأنه علم وصله أيضًا من قوله: (( قالت عائشة فقلت ) )لا يظهر له وجه فليتأمل.
ثم رأيت القاضي زكريا في (( منحة الباري ) )صرح بإرساله فقال: وهو من كلام ابن أبي مليكة مرسل ولم يسنده إلى صحابي انتهى.
(قَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها (فَقُلْتُ: أَوَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى) بفتح الواو بعد همزة الاستفهام عطفًا على مقدر على طريقة صاحب (( الكشاف ) )ومن تبعه؛ أي: أكان ذلك وليس، واسم ليس ضمير الشأن وخبرها يقول الله، أو أن ليس بمعنى لا؛ أي: أو لا يقول الله تعالى، وللأصيلي وكريمة: .
( {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} ) أي: سهلًا هينًا لا مناقشة فيه، ولا يعترض بما يشق عليه كما تناقش أهل الشمال (قَالَتْ) أي: عائشة رضي الله عنها (قَالَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم (إِنَّمَا ذَلِكَ) بكسر الكاف؛ لأنه خطاب لعائشة.
(الْعَرْضُ) مصدر عرضه؛ أي: أبرزه وأظهره، وجاء تفسيره عن عائشة رضي الله عنها هو أن يعرَّف ذنوبه ثم يتجاوز عنه فلا تعارض بين الآية والحديث.
(وَلَكِنْ: مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ) قال الكرماني: الظاهر أن الحساب منصوب بنزع الخافض؛ أي: في الحساب؛ أي جرى في حسابه المضايقة انتهى.
واستظهر العيني كونه مفعولًا ثانيًا لناقش على حد جاذبته الثوب، والمفعول الأول الضمير المرفوع بالنيابة عن الفاعل.
قال في (( الفتح ) ): وأصل المناقشة الاستخراج، ومنه نقش الشوكة إذا استخرجها، والمراد المبالغة في الاستيفاء والمعنى أن تحرير الحساب يفضي إلى استحقاق العذاب؛ لأن حسنات العبد موقوفة على القبول وإن لم تقع الرحمة المقتضية للقبول لا تحصل النجاة انتهى.
قال في (( النهاية ) ): ومنه حديث أبي هريرة: (( فلا انتقش ) )أي: دخلت فيه شوكة لا أخرجها من موضعها انتهى.
(يَهْلِكْ) بكسر اللام أشهر من فتحها، ويجوز فيه الرفع والجزم؛ لأن الشرط ماض وبهما جاءت الرواية وهو لازم، وعند تميم متعد يقولون: هلكه يهلكه هلكًا بمعنى أهلكه.
قال الكرماني: والمعنى هنا على اللزوم وإن احتمل التعدي أيضًا انتهى وللأصيلي: بدل .
وفي الحديث كما في (( الفتح ) )بيان فضيلة عائشة، وبيان ما كانت عليه من الحرص على تفهم معاني الحديث، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يتضجر من المراجعة في العلم.
وفيه: جواز المناظرة ومقابلة السنة بالكتاب، وتفاوت الناس في الحساب.
وفيه: أن السؤال عن مثل هذا لم يدخل فيما نهي الصحابة عنه في قوله تعالى: {لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء} [المائدة:101] وفي حديث أنس: (( كنا نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء ) )وقد وقع نحو ذلك لغير عائشة.
ففي حديث حفصة: (( أنها لما سمعت لا يدخل النار أحدًا؛ أي: ممن شهد بدرًا والحديبية، قالت: أليس الله يقول: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم:71] فأجيبت بقوله تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا} الآية [مريم:72] ) ).
وسأل الصحابة لما نزل: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} [الأنعام:82] أينا لم يظلم نفسه؟.
فأجيبوا: بأن المراد بالظلم الشرك، والجامع بين هذه المسائل الثلاث ظهور العموم في الحساب والورود والظلم فأوضح لهم أن المراد في كل منها أمر خاص، ولم يقع مثل هذا من الصحابة إلا قليل مع توجه السؤال وظهوره وذلك لكمال فهمهم ومعرفتهم باللسان العربي، فيحمل ما ورد من ذم من سأل عن المشكلات على من سأل تعنتًا كما قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ} [آل عمران:7] .
وفي حديث عائشة: (( فإذا رأيتم الذين يسألون عن ذلك فهم الذين سماهم الله تعالى فاحذروهم ) )ومن ثم أنكر عمر على ضبيع لما رآه أكثر من السؤال عن مثل ذلك وعاقبه انتهى.