فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 1465

وبالسند إلى المؤلف رحمه الله تعالى قال:

9 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) ابن عبد الله بن جعفر بن اليمان الجعفي البخاري المُسنَدي _ بضم الميم وفتح النون _ وهو أبو جعفر ابن عم عبد الله بن سعيد بن جعفر بن اليمان، واليمان هذا هو مولى أحد أجداد البخاري ولاء إسلام، وسمي المسندي؛ لأنه كان يطلب المسندات ويرغب عن المرسل والمنقطع، أو كان يتحرى المسانيد، أو لأنه أول من جمع مسند الصحابة على التراجم بما وراء النهر، سمع وكيعًا وخلقًا، وعنه الذهلي وغيره من الحفاظ مات سنة 229 تسع وعشرين ومائتين، انفرد البخاري به عن أصحاب الكتب الستة، وروى الترمذي عن البخاري عنه.

(قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ) عبد الملك بن عمرو بن قيس البصري (الْعَقَدِيُّ) بفتح العين المهملة والقاف نسبة إلى العقد قوم من قيس وهم بطن من الأزد، أو بطن من بجيلة أو قبيلة من اليمن البصري، سمع مالكًا وغيره، وعنه أحمد، واتفق الحفاظ على جلالته وتوثيقه مات بالبصرة سنة خمس، وقيل: أربع ومائتين.

(قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ) هو أبو محمد أو أبو أيوب القرشي التيمي المدني مولى أبي بكر الصديق رضي الله عنه كان بربريًا، جميلًا، حسن الهيئة عاقلًا، وكان يفتي بالبلد، ولي خراج المدينة، ومات بها سنة اثنتين وسبعين ومائة، وليس في الكتب الستة من اسمه سليمان بن بلال سوى هذا.

(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ) هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن دينار أخو عمرو بن دينار القرشي العدوي المدني، مولى ابن عمر، سمع مولاه وغيره، وعنه ابنه عبد الرحمن وغيره، وهو ثقة باتفاق مات سنة سبع وعشرين ومائة.

ج 1 ص 195

(عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السمان الزيات، كان يجلب السمن والزيت إلى الكوفة، مولى جويرية بنت الأخمس الغطفاني، وفي (( شرح قطب الدين ) )أنه مولى جويرية بنت الحارث امرأة قيس، سمع جمعًا من الصحابة، وخلقًا من التابعين، ومنه جمع من التابعين منهم عطاء، وسمع الأعمش منه ألف حديث، وروى عنه أيضًا بنوه عبد الله، وسهل، وصالح، واتفقوا على توثيقه، مات بالمدينة سنة إحدى ومائة.

وفي (( الصحيحين ) )أيضًا: ذكوان أبو عمرو مولى عائشة أم المؤمنين، وليس في الكتب الستة ذكوان غيرهما.

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) جره هو الأصل، وصوبه جماعة؛ لأنه جزء العلم، واختار آخرون منع صرفه كما هو الشائع على ألسنة العلماء من المحدثين وغيرهم؛ لأن الكل صار كالكلمة الواحدة.

واعترض بأنه يلزم عليه رعاية الأصل والحال معًا في كلمة واحدة، بل في لفظة هريرة إذا وقعت فاعلًا مثلًا، فإنها تعرب إعراب المضاف إليه نظرًا للأصل، وتمنع عن الصرف نظرًا للحال ونظيره خفي انتهى.

ويجاب: بأن الممتنع رعايتهما من جهة واحدة لا من جهتين كما هنا، وكأن الحامل عليه الخفة، واشتهار هذه الكنية حتى نسي الاسم الأصلي بحيث اختلفوا فيه اختلافًا كثيرًا كما يأتي، وسبب تكنيه بذلك ما حكاه ورواه ابن عبد البر عنه أنه قال: كنت أحمل يومًا هرة في كمي فرآني النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (( ما هذه؟ ) )فقلت: هرة، فقال: (( يا أبا هريرة ) ).

وفي رواية ابن إسحاق: (( وجدت هرة أدخلتها في كمي فقيل: ما هذه؟ فقلت: هرة، فقيل لي: فأنت أبو هريرة ) ).

ورجح بعضهم الأول، وقيل: كان يلعب بها وهو صغير، وقيل: كان يحسن إليها، وقيل: المكني له بذلك والده، واختلف في اسمه واسم أبيه على خمسة وثلاثين قولًا أصحها كما قاله المصنف ما ذكره هنا بقوله: عبد الرحمن.

روى ابن إسحاق عنه أنه أبدل به في الإسلام عن عبد شمس اسمه في الجاهلية ابن صخر رضي الله تعالى عنه الدوسي، أسلم عام خيبر، وشهدها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لازمه الملازمة التامة رغبة في العلم، راضيًا بشبع بطنه، وكان يدور معه حيثما دار، ومن ثم كان أحفظ الصحابة، وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حريص على العلم والحديث وقال: قلت: يا رسول إني سمعت منك حديثًا كثيرًا، وإني أخشى أن أنساه فقال: (( ابسط ردائك، فبسطته فضرب بيده فيه ثم قال: ضمه فضممته فما نسيت شيئًا بعده ) ).

قال البخاري: روي عنه أكثر من ثمانمائة ما بين صحابي وتابعي، استعمله عمر على البحرين ثم عزله، ثم راوده على العمل فأبى، ولم يزل يسكن المدينة وبها توفي سنة سبع أو ثمان أو تسع وخمسين نحو ثمان وسبعين سنة ودفن بالبقيع، وما اشتهر أن قبره بقرب عسقلان لا أصل له، وإنما ذاك صحابي آخر اسمه جَنْدَرة _ بفتح الجيم ثم نون ساكنة ثم دال مهملة مفتوحة _ ابن خيشنة بمعجمة ثم تحتية ثم شين معجمة، كذا في (( شرح الأربعين النووية ) )للشهاب ابن حجر المكي.

وهو أكثر الصحابة رواية، وكان يقول: لولا آية في كتاب الله تعالى ما حدثتكم بشيء أبدًا: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ} [البقرة:174] الآية.

وفي الصحيح عن الأعرج قال: قال أبو هريرة: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله الموعد إني كنت امرأ مسكينًا أصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملئ بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق في الأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، فحضرت من النبي صلى الله عليه وسلم مجلسًا فقال: (( من يبسط ردائه حتى أقضي مقالتي ثم يقبضه إليه فلن ينسى شيئًا سمعه مني؟ ) )فبسطت بردة عليَّ حتى قضى حديثه، ثم قبضتها إلي، فوالذي نفسي بيده ما نسيت شيئًا سمعته منه بعد.

وأخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي من طريق الزهري، كذا في (( الإصابة ) ).

وقال رضي الله عنه: إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة، والله الموعد وما كنت أكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم كي يهتدوا وأضل، ولولا آيتان في كتاب الله تعالى ما حدثت حديثًا {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى} إلى قوله {التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة:159 - 160] .

وقال: يقول الناس أكثر أبو هريرة، فلقيت رجلًا فقلت له: بم قرأ

ج 1 ص 196

رسول الله صلى الله عليه وسلم البارحة في العتمة؟ قال: لا أدري، قلت: ألم تشهدها؟ قال: بلى قلت: لكن أنا أدري قرأ سورة كذا وكذا للشيخين والترمذي.

وعنه: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاءين أما أحدهما فبثثته فيكم، وأما الآخر فلو بثثته قطع مني هذا البلعوم، كذا في البخاري.

قيل: المراد بالذي كتمه ولم يبثه علم الباطن، فإن فيه ما ينافي ظاهره الشريعة، وقيل: الأحاديث المتعلقة بالغض من بني أمية، وبما حدث في زمنهم من البدع.

وفي (( الإصابة ) ): أن مروان غضب من أبي هريرة فقال: إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة الحديث، وإنما قدم قبل وفاة رسول صلى الله عليه وسلم بيسير فقال أبو هريرة: قدمت ورسول الله بخبير، وأنا يومئذ قد زدت على الثلاثين، وأقمت معه حتى مات أدور معه في بيوت نسائه وأخدمه، وأغزو معه، وأحج، فكنت أعلم الناس بحديثه، وقد والله سبقني قوم بصحبته فكانوا يعرفون لزومي له فيسألونني عن حديثه منهم عمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، ولا والله لا يخفى عليَّ كل حدث كان بالمدينة، وكل من كانت له من رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلة، ومن أخرجه من المدينة أن يساكنه قال: فوالله ما زال مروان بعد ذلك كافأ عنه.

وأخرج ابن سعد بسند صحيح عن عكرمة: أن أبا هريرة كان يسبح اثنتي عشرة ألف تسبيحة يقول: أسبح بقدر ذنبي انتهى.

ومناقبه رضي الله تعالى عنه كثيرة شهيرة، ومن تحديثه بنعمة الله تعالى ما ذكره في (( الإصابة ) )من قوله: نشأت يتيمًا، وهاجرت مسكينًا، وكنت أسيرًا لبسرة بنت غزوان خادمًا لها فزوجنيها الله تعالى، فالحمد لله الذي جعل الدين قوامًا، وجعل أبا هريرة إمامًا، روي له خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثًا اتفقا على ثلاثمائة وخمسة وعشرين، وانفرد البخاري بثلاثة وتسعين، ومسلم بمائة وتسعين، مات بالمدينة سنة تسع وخمسين، وقيل: ثمان، وقيل: سبع، ودفن بالبقيع وهو ابن ثمان وسبعين سنة.

(عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: الإِيمَانُ) بالرفع مبتدأ خبره (بِضْعٌ) بدون ها، هكذا في بعض الأصول وهو الموافق للأصل في استعمال العدد، وفي أكثر الأصول: بالهاء على تأويل الشعبة بالنوع وهي بكسر الباء الموحدة على المشهور وبفتحها في لغة قليلة، ومعناها القطعة، واستعملت في العدد لما بين الثلاثة والعشرة، ذكره الزمخشري في (( الأساس ) ).

وقول الجوهري: هو ما بين الثلاث إلى التسع محمول على دخول التسع، وخروج الثلاث، وكذا قول من قال هو من ثلاث إلى تسع.

وقال الخليل: البضع هو السبع، ثم قال الجوهري: تقول بضع سنين وبضعة عشر رجلًا وبضع عشرة امرأة، فإذا جاوزت لفظ العشر ذهب البضع لا تقول بضع وعشرون.

قوله: فإذا جاوزت لفظ العشر ذهب البضع مردود بما ورد في الحديث من قوله عليه الصلاة والسلام: (( بضع وستون ) )، قاله ابن الكمال.

وقال في (( القاموس ) ): هو ما بين الثلاث إلى التسع، أو إلى الخمس، أو ما بين الواحد إلى أربعة، أو من أربع إلى تسع، أو هو سبع، وإذا جاوز العشر ذهب البضع لا يقال: بضع وعشرون، أو يقال ذلك انتهى.

قال الحافظ ابن حجر: ونقل الصغاني في (( العباب ) ): إنه خاص بما دون العشرة، وبما دون العشرين، فإذا جاوز العشرين امتنع، قال: وأجازه أبو زيد فقال: يقال بضعة وعشرون رجلًا، وبضع وعشرون امرأة.

وقال الفراء: هو خاص بالعشرات إلى التسعين، ولا يقال بضع ومائة، ولا بضعة وألف انتهى، وفي (( عمدة القاري ) ).

قال المطرزي: البضع من أربعة إلى تسعة.

هذا الذي حصلناه من العلماء البصريين والكوفيين، وفيه خلاف والنيف من واحد إلى ثلاثة انتهى.

(وستون شُعْبَةً) بضم الشين هي في الأصل غصن الشجر وفرع كل أصل، أريد بها هنا الخصلة الحميدة شبه الإيمان بشجرة ذات أغصان وشعب على سبيل الاستعارة المكنية، فالإيمان بمعنى التصديق بمنزلة أصل الشجرة، وثمراته من الطاعات والعبادات بمنزلة شعبها وأغصانها، كذا قيل وفيه

ج 1 ص 197

نظر، إذ الاستعارة المكنية ملازمة للتخييلية ولا تخييلية هنا، وإنما يستقيم تقريرها على المكنية إن لو قيل: (( شعب الإيمان بضع وستون ) )كما في أظفار المنية، وليست كقوله صلى الله عليه وسلم: (( بني الإسلام على خمس ) )لأن التخيلية فيه في لفظ بني، وإسناده إلى الإسلام، فالظاهر أن ما هنا من قبيل الاستعارة المصرحة بتشبيه خصال الإيمان بفروع شجرة بجامع أنها من مكملات الإيمان، ولا يفقد بفقدها كما أن فروع الشجرة التي هي شعبها مكملات لها ولا تفقد الشجرة بفقدها فليتأمل.

وقوله: (بِضْعٌ وَسِتُّونَ) قال الكرماني: كذا هنا وثبت في رواية (( صحيح مسلم ) ): (( وسبعون ) )جزمًا، وفي رواية أخرى: (( بضع وسبعون أو بضع وستون ) )على الشك.

قال ابن الكمال: ورواية أبي داود والترمذي: (( بضع وسبعون ) )بلا شك.

قال القاضي عياض: الصواب ما وقع في سائر الأحاديث، ولسائر الرواة: (( بضع وسبعون ) )ومنهم من رجح رواية: (( بضع وستون ) )لأنها المتيقن.

وقال النووي: الصواب ترجيح بضع وسبعون؛ لأنها زيادة من ثقات، وزيادة الثقات مقبولة مقدمة، وليس في رواية بضع وستون ما يمنع الزيادة، وقد أخطأ في كل من مقامي كلامه.

أما في الأول: فلأن منشأه عدم الفرق بين الزيادة في اللفظ، والزيادة في المعنى، فإن المقدمة القائلة أن مثبت الزيادة مقدم إنما هي في الأول، وما نحن فيه من قبيل الثاني.

وأما في الثاني: فلأن التنصيص على العدد يمنع الزيادة والنقصان، تمسك به الذاهبون إلى أن المراد من القرء في قوله تعالى: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} [البقرة:228] الحيض قائلين أن القرء إن حمل على الطهر بطل موجب الثلاث، إما بالنقصان عن مدلولها إن اعتبر الطهر الذي وقع فيه الطلاق، وإما بالزيادة إن لم يعتبر، ولم ينكر عليهم المخالف في تمسكهم بتلك المقدمة فصار إجماعًا على ثبوتها، فمن قال أن رواية (( بضع وستون ) )لا ينفي ما عنه إذ التخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد، فقد خالف محل الوفاق والتوفيق بين الروايتين بحمل رواية النقصان على أنها كانت مقدمة باعتبار الزمان، فإن شعب الإيمان كانت في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزيد بزيادة الفرائض والمندوبات ليس ببعيد انتهى.

وأقول: ما اعترض به أولًا: على النووي أخذه من الكرماني، لكن بعبارة خالية عن ما في لفظ الخطأ من سوء الأدب على مثل هذا الإمام الجليل على أنه غير مسلم ومناف لأصل قبول الزيادة مطلقًا، كما هو صريح كلام العراقي في (( ألفيته ) )وشارح كلامه القاضي زكريا.

وأما الثاني: فلم يتعرض له الكرماني لمنافاته لمذهبه من أن مفهوم المخالفة غير معتبر في العدد، فلا يدل على نفي الحكم عما عداه، وأما ما ذكره ابن الكمال من قوله: إن التنصيص على العدد يمنع الزيادة والنقصان فهو مبني على أصول الحنفية أن العدد خاص، والخاص نص في معناه فلا يقبل الزيادة والنقصان، وفرع الحنفية على ذلك فروعًا خالف فيها الشافعية كعدم جواز إلحاق قراءة الفاتحة في الصلاة فرضًا بقوله صلى الله عليه وسلم: (( لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ) ).

لأن قوله تعالى: {اقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل:20] خاص نص في إجزاء قراءة ما يسمى قرآنًا وهو آية، والزيادة عليه نسخ فلا يثبت بخبر الآحاد، وكإلحاق الطمأنينة فرضًا بقوله صلى الله عليه وسلم للمسيء صلاته: (( صل فإنك لم تصل ) )فإنه زيادة على نص قوله تعالى: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج:77] .

ومثل ذلك ما ذكره من قوله تعالى: {ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} [البقرة:228] وقد قال الشافعية: بأن المراد بالقروء الأطهار، ولو كانوا موافقين للحنفية في هذه القاعدة لوافقوهم فيما يتفرع عليها، وخلافهم مقرر في هذه المسائل المتقدمة ونحوها، فكيف يتم مع ذلك دعوى الإجماع والنووي رحمه الله أجل من أن يجهل اتفاق أصحاب الشافعي على شيء فيقول بخلافه فضلًا عن الإجماع على أنه لم ينفرد بذلك.

قال المحقق علي القاري في (( شرح المشكاة ) ): وصوب عياض رواية (( بضع وسبعون ) )بأنها التي في سائر الأحاديث، ورجحها جماعة منهم النووي بأن فيها زيادة ثقاة، واعترضه الكرماني بأن زيادة الثقة أن يزاد لفظ في الرواية، وإنما هذا من اختلاف الروايتين مع عدم تناف بينهما في المعنى، إذ ذكر الأقل لا ينفي الأكثر، وأنه صلى الله عليه وسلم أخبر أولًا بالستين، ثم أعلم بزيادة فأخبر بها، ويجاب بأن هذا متضمن للزيادة كما اعترف به الكرماني، فصح ما قاله النووي، والأظهر والله أعلم أن المراد به التكثير لا التحديد ويحمل الاختلاف على تعدد القضية

ج 1 ص 198

ولو من جهة راو واحد انتهى.

ثم إن في اكتفائه صلى الله عليه وسلم بالبيان الإجمالي نوع إشعار بأنه لا يلزمنا التصديق بتفاصيل شعب الإيمان، ولا يجب علينا معرفة خصوصياتها كما يجب علينا التصديق بالأنبياء إجمالًا، ولا يجب علينا معرفة تفاصيلهم وخصوصياتهم.

قال النووي: قد بين النبي صلى الله عليه وسلم أعلى هذه الشعب وأدناها كما ثبت في (( الصحيح ) )من قوله: (( أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ) ).

فبين أن أعلاها التوحيد المتعين على كل مكلف، وأن أدناها دفع ما يتوهم به ضرر المسلمين، وبقي بينهما تمام العدد فيجب علينا الإيمان به، وإن لم نعرف أعيان جميع أفراده كما نؤمن بالملائكة، وإن لم نعرف أعيانهم وأسمائهم.

قال ابن كمال باشا: ويحتمل أن يكون ذكر العدد لمجرد الكثرة وتخصيص الستين؛ لأن العدد إما زائد وهو ما أجزاؤه أكثر منه كاثني عشر، فإن لها نصفًا، وثلثًا، وربعًا، وسدسًا، ونصف سدس، ومجموع هذه الأجزاء أكثر من اثني عشر فإنه ستة عشر، وإما ناقص وهو ما أجزاؤه أقل منه كالأربعة، فإن لها الربع والنصف ومجموعهما أقل من الأربع فإنه ثلاثة وإما تام وهو ما أجزاؤه مسا [و] ية له كالستة فإن لها نصفًا، وثلثًا، وسدسًا، ومجموع هذه الأجزاء مساوية للسنة والفضل من بين الأنواع الثلاثة للتام، فلما أريد المبالغة فيه جعلت آحادها أعشارًا، وأما تخصيص السبعين في مقام التكثير فشائع.

قال الإمام البيضاوي في تفسير قوله تعالى: {إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} [التوبة:80] : أن المراد به التكثير دون التحديد، وقد شاع استعمال السبعة والسبعين والسبعمائة ونحوها في التكثير؛ لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد فكأنه العدد بأسره انتهى كلامه.

ووجه قوله: لاشتمال السبعة على أقسام العدد أن كل عدد إما له حالة الإفراد، أو له حالة التركيب.

أما حالة إفراده فإما آحاد أو عشرات أو مئات، فهذه ثلاثة، وأما حالة تركيبه فإما تركيب الآحاد مع العشرات، أو تركيب الآحاد مع المئات، أو تركيب العشرات مع المئات، وأما تركيب مجموع الثلاثة فهذه أربعة فالمجموع سبعة انتهى.

وفي قوله: أعشارًا مسامحة والأصوب عشرات؛ لأن أعشارًا جمع عُشر بضم العين، وقد ذكره الكرماني على هذه الصيغة أيضًا، فلعله من الجموع السماعية، وقد نقل الكرماني عبارة البيضاوي على خلاف ما نقلها ابن الكمال، وظاهر كلامه أنه ذكرها في شرح الحديث لا في تفسيره وهي:

قال البيضاوي: يحتمل أن يريد بهذا العدد؛ أي: بالبضع والسبعين التكثير دون التعديد كما في قوله تعالى: {إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ} [التوبة:80] واستعمال لفظتي السبعة والسبعين للتكثير كثير، وذلك لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد، فإنه ينقسم إلى فرد وزوج وكل منهما إلى أول ومركب، والمفرد الأول ثلاثة، والمركب خمسة، والزوج الأول اثنان، والمركب أربعة، وينقسم أيضًا إلى منطق كالأربعة وأصم كالستة، ثم إن أريد المبالغة جعلت آحادها أعشارًا، وإن يراد تعداد الخصال حقيقة فبيانه أن شعب الإيمان وإن كانت متعددة إلا أن حاصلها يرجع إلى أصل واحد، وهو تكمل النفس على وجه به يصلح معاشه، ويحسن معاده، وذلك بأن يعتقد الحق فيستقيم في العمل، وإليه أشار عليه الصلاة والسلام حيث قال لسفيان الثقفي حين سأله قولًا جامعًا: (( قل آمنت بالله ثم استقم ) ).

وفي (( الاعتقاد ) ): تتشعب إلى ستة عشر شعبة طلب العلم، ومعرفة الصانع، وتنزيهه عن النقائص، والإيمان بصفات الإكرام مثل الحياة، والعلم، والإقرار بالوحدانية، والاعتراف بأن ما عداه صنعه لا يوجد، ولا يعدم إلا بقضائه وقدره، والإيمان بملائكته المطهرة المعتكفين في حضائر القدس، وتصديق رسله المؤيدين بالآيات، وحسن الاعتقاد فيهم، والعلم بحدوث العالم، واعتقاد فنائه، والجزم بالنشأة الثانية، وإعادة الأرواح إلى الأجساد، والإقرار باليوم الآخر أعني بما فيه من الصراط، والحساب، والميزان، وسائر ما تواتر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، والوثوق على عهد الجنة وثوابها، واليقين بوعيد النار وعقابها.

وفي العمل ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

أحدها: ما يتعلق بالمرء نفسه وهو ينقسم إلى قسمين:

أحدهما: ما يتعلق بالباطن، وحاصله تزكية النفس عن الرذائل

ج 1 ص 199

وأمهاتها عشر شره الطعام، وشره الكلام، وحب الجاه، وحب المال، وحب الدنيا، والحقد، والحسد، والرياء، والعجب، وتحلية النفس بالفضائل، وأمهاتها ثلاث عشرة: التوبة، والخوف، والرجاء، والزهد، والحياء، والشكر، والوفاء، والصبر، والإخلاص، والصدق، والمحبة، والتوكل، والرضا بالقضاء.

وثانيهما: ما يتعلق بالظاهر ويسمى بالعبادات، وشعبها ثلاثة عشرة طهارة البدن عن الحدث والخبث، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والقيام بأمر الجنائز، وصيام رمضان، والاعتكاف، وقراءة القرآن، وحج البيت، وذبح الضحايا، والوفاء بالنذر، وتعظيم الإيمان، وأداء الكفارات.

وثانيها: ما يتعلق به وبخواصه، وأهل منزله، وشعبها ثمان: التعفف عن الزنا، والنكاح، والقيام بحقوقه، والبر بالوالدين، وصلة الرحم، وطاعة السادة، والإحسان إلى المماليك، والعتق.

وثالثها: ما يعم الناس وينوط به إصلاح العباد، وشعبها سبعة عشر: القيام بإمارة المسلمين، واتباع الجماعة، ومطاوعة أولي الأمر، ومعاونتهم على البر، وإحياء معالم الدين ونشرها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحفظ الدين بالزجر عن الكفر، ومجاهدة الكفار، والمرابطة في سبيل الله، وحفظ النفس بالكف عن الجنايات، وإقامة حقوقها من القصاص والديات، وحفظ أموال الناس بإقامة حدود الزنا، والقذف، وصيانة العقل بالمنع عن تناول المسكرات والمخدرات، بالتهديد والتأديب عليه، ودفع الضرر عن المسلمين، ومن هذا القبيل إماطة الأذى عن الطريق انتهى.

وقد بلغت بذلك سبعًا وسبعين باعتبار الإجمال، وأما باعتبار التفصيل فدون ذلك فالإجمال لا يطابق التفصيل في بعضها ولا يخفى ما في بعضها من التداخل.

قال القاضي عياض: تكلف جماعة حصر هذه الشعب بطريق الاجتهاد وفي الحكم يكون ذلك هو المراد صعوبة، ولا يقدح عدم معرفة ذلك على التفصيل في الإيمان انتهى.

وقال ابن حبان: تتبعت معنى هذا الحديث مدة وعددت الطاعات فإذا هي تزيد على هذا العدد بكثير، فرجعت إلى السنن فعددت كل طاعة عدها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإيمان فإذا هي تنقص، فرجعت إلى كتاب الله تعالى فعددت كل طاعة عدها الله من الإيمان فإذا هي تنقص، فضممت إلى الكتاب السنن، وأسقطت المعاد فإذا كل شيء عده الله ورسوله من الإيمان فهو تسع وسبعون لا يزيد عليها ولا ينقص، فعلمت أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا العدد في الكتاب والسنة.

وقال الحافظ ابن حجر: لم يتفق من عد الشعب على نمط واحد، وأقربها إلى الصواب طريقة ابن حبان، لكن لم نقف على بيانها من كلامه، وقد لخصت مما أورده ما أذكره وهو أن هذه الشعب تتفرع عن أعمال القلب، وأعمال اللسان، وأعمال البدن.

فأعمال القلب: المعتقدات والنيات، وتشتمل على أربع وعشرين خصلة:

الإيمان بالله: ويدخل فيه الإيمان بذاته، وصفاته، وتوحيده بأنه ليس كمثله شيء، واعتقاد حدوث ما دونه، والإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر خيره وشره.

والإيمان باليوم الآخر: ويدخل فيه المسائلة في القبر، والبعث، والنشور، والحساب، والميزان، والصراط، والجنة، والنار.

ومحبة الله تعالى: والحب والبغض فيه.

ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم: واعتقاد تعظيمه، ويدخل فيه الصلاة عليه، واتباع سنته.

والإخلاص: ويدخل فيه ترك الرياء، والنفاق، والتوبة، والخوف، والرجاء، والشكر، والوفاء، والصبر، والرضا بالقضاء، والتوكل، والرحمة.

والتواضع: ويدخل فيه توقير الكبير، ورحمة الصغير، وترك الكبر والعجب، وترك الحسد، وترك الحقد، وترك الغضب.

وأعمال اللسان: وتشتمل على سبع خصال: التلفظ بالتوحيد، وتلاوة القرآن، وتعلم العلم وتعليمه، والدعاء، والذكر، ويدخل فيه الاستغفار، واجتناب اللغو.

وأعمال البدن: وتشتمل على ثمان وثلاثين خصلة منها ما يختص بالأعيان وهي خمسة عشرة خصلة:

التطهير حسًا وحكمًا: ويدخل فيه اجتناب النجاسات، وستر العورة، والصلاة فرضًا ونفلًا، والزكاة كذلك، وفك الرقاب.

والجود: ويدخل فيه إطعام الطعام، وإكرام الضيف، والصيام فرضًا ونفلًا، والاعتكاف، والتماس ليلة القدر، والحج، والعمرة، والطواف كذلك.

والفرار بالدين: ويدخل فيه

ج 1 ص 200

الهجرة من دار الشرك، والوفاء بالنذر، والتحري في الإيمان، وأداء الكفارات.

ومنها ما يتعلق بالاتباع وهو ست خصال التعفف بالنكاح، والقيام بالعيال، وبر الوالدين، وفيه اجتناب العقوق، وتربية الأولاد، وصلة الرحم، وطاعة السادة، والرفق بالعبيد.

ومنها ما يتعلق بالعامة وهي سبع عشرة خصلة: القيام بالإمرة مع العدل، ومتابعة الجماعة، وإطاعة أولي الأمر، والإصلاح بين الناس ويدخل فيه قتال الخوارج والبغاة.

والمعاونة على البر: ويدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، والجهاد، ومنه المرابطة وأداء الأمانة، ومنه أداء الخمس والقرض مع وفائه، وإكرام الجار، وحسن المعاملة وفيه جمع المال من حله، وإنفاق المال في حقه، وفيه ترك التبذير والإسراف، ورد السلام، وتشميت العاطس، وكف الضرر عن الناس، واجتناب اللهو، وإماطة الأذى عن الطريق، فهذه تسع وستون خصلة، ويمكن عدها تسع وسبعون خصلة باعتبار إفراد ما ضم بعضه إلى بعض بما ذكر انتهى.

ثم إن هذه الخصال لها أعلى: وهو لا إله إلا الله، وأدنى: وهو إماطة الأذى عن الطريق، وما عدا ذلك فهو من الوسط جاءت ببيان ذلك رواية (( صحيح مسلم ) )، وشرط الثواب على هذه الأعمال خلوص النية فيها، وفعلها لله تعالى وحده كما دل عليه الحديث الذي رواه ابن حبان في (( صحيحه ) )بعد أن ذكر خصالًا كالتصدق، وقول المعروف، وإعانة الضعيف، وترك الأذى ثم قال: (( والذي نفسي بيده ما من عبد يعمل بخصلة منها يريد بها ما عند الله تعالى إلا أخذت بيده يوم القيامة حتى يدخل الجنة ) ).

وإنما فعلنا ذلك وإن كان فيه طول لمساس الحاجة إلى بيانه في هذا المقام، وللبيهقي وعبد الجليل كتاب (( شعب الإيمان ) ).

(وَالْحَيَاءُ) بالمد وهو في اللغة تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به، ويلام عليه، وقد يعرف أيضًا بأنه انحصار النفس خوف ارتكاب القبيح، وقد يطلق على مجرد ترك الشيء لسبب، والترك إنما هو من لوازمه.

وفي الشرع: خلق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير، في حق ذوي الحق، ولذا جاء في الحديث الآخر: (( الحياء خير كله ) )مبتدأ خبره قوله صلى الله عليه وسلم: (شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ) أي: من شعبه، والمراد الحياء الشرعي ككشف العورة، والجماع بين الناس لا الطبيعي، فإنه قد يكون مذمومًا كالحياء في السؤال عن أمور الدين، وإنما خصه هنا بالذكر؛ لأنه كالداعي إلى باقي الشعب؛ لأنه يبعث على الخوف من فضيحة الدنيا والآخرة، فيأتمر بالأوامر، وينزجر عن المناهي، ويرتدع عن الملاهي.

ولذا قيل: إن حقيقة الحياء أن لا يراك مولاك حيث نهاك، وهذا مقام الإحسان المسمى بالمشاهدة الناشئ عن حال المحاسبة والمراقبة، فهذا الحديث الجليل يحمل حديث جبريل المبين للإسلام والإيمان والإحسان ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم: (( استحيوا من الله حق الحياء ) )قالوا: إنا نستحي من الله حق الحياء يا رسول الله والحمد لله قال: (( ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن يحفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، ويذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا وآثر الآخرة على الأولى فمن يفعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء ) )رواه الترمذي.

وقال البيضاوي: الحياء انقباض في النفس عن القبيح مخافة الذم، وهو الوسط بين الوقاحة التي هي الجرأة على القبائح، وعدم المبالاة بها، والخجل الذي هو انحصار النفس عن الفعل مطلقًا، واشتقاقه من الحياة فإنه انكسار يعتري القوة الحيوانية فيردها عن أفعالها فقيل: حيي الرجل كما قيل نسى وحشى إذا أعقلت نساه وحشاه، وإذا وصف به الباري تعالى كما جاء في الحديث: (( إن الله يستحيي من ذي الشيبة المسلم أن يعذبه، وإن الله حيي كريم يستحي إذا رفع العبد يديه أن يردهما صفرًا حتى يضع فيهما خيرًا ) ).

فالمراد به الترك اللازم للانقباض كما أن المراد من رحمته وغضبه إصابة المعروف والمكروه اللازمين لمعنييهما انتهى.

والنسا عرق في الفخذ فعلى قياس ما نظر به من نسى وحشى يكون معنى استحيا اعتلت حياته، ومعنى اعتلالها نقصان آخرها، فكأن المستحيي لخوف المذمة تنقضي حياته

ج 1 ص 201

ويضعف أثرها، وعكس الواحدي فقال: استحيا الرجل قويت حياته لشدة علمه بمواقع العيب والذم، قال: والحياء من قوة الحس.

قال ابن الكمال: وليس بين كلامي الإمامين تدافع كما سبق إلى بعض الأوهام؛ لأن مراد الإمام الواحدي من الحياة آثارها من الحس والعلم على ما يشير إليه تعليله بقوله: لشدة علمه، وقد أفصح عنه الإمام الراغب حيث قال: والحياء مأخوذ من لفظ الحياة التي يراد بها العلم والعقل، ثم قال: ووجه ذلك أن الحياء أس العقل إذ هو أول إمارة منه تظهر من الصبي، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (( من لا حياء له فلا إيمان له ) ).

لأن الحياء أول منزلة من العقل، والإيمان آخر منزلة له، ومحال أن يحصل آخر المنزلة لمن لم يحصل له الأولى انتهى.

ومن هنا ظهر وجه تخصيص الحياء بالذكر من بين شعب الإيمان انتهى. وللحياء معان أخر غير ما تقدم.

قال ابن الملقن: الحياء بالمد والقصر الفرج من ذوات الخف والظلف والسباع، وخصه ابن الأعرابي بالشاة والظبية والبقرة، وبالقصر الخصب والمطر، وحكي المد فيهما أيضًا انتهى.

وتقدم معناه شرعًا، قال الجنيد: والحياء يتولد من رؤية الآلاء، ورؤية التقصير فيتولد بينهما حالة تسمى حياء، ووجهه أنه يحجز صاحبه عن المعاصي، ويحمله على فعل المأمور، ولهذا جاء في الحديث الصحيح في مسلم: (( الحياء خير كله ) )وفيه أيضًا: (( الحياء لا يأتي إلا بخير ) ).

وجاء أنه صلى الله عليه وسلم: (( كان أشد حياء من البكر في خدرها ) )فليذق من منح الفضل الإلهي، ورزق الطبع السليم معنى إفراد الحياء بالذكر بعد دخوله في الشعب كأنه يقول: هذه شعبة واحدة من شعبه، فهل تحصى وتعد شعبها هيهات أن البحر لا ينزف.

وفي حديث أبي مسعود البدري الذي رواه المؤلف بلفظ: (( مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت ) )وهو أمر بمعنى الخبر؛ أي: إذا لم تخشى من العار عملت ما شئت، ولم يردعك عن مواقعة المحرمات رادع، وسيكافئك الله على فعلك، ويجازيك على عدم مبالاتك بما حرمه عليك، وهذا توبيخ شديد، فإن من لم يعظم ربه ليس من الإيمان في شيء وهو للتهديد من قبيل اعملوا ما شئتم؛ أي: اصنع ما شئت فسوف ترى غبة، كأنه يقول: إذ قد شئت لزوم عدم الحياء فأنت أهل لأن يقال لك افعل ما شئت فستبعث عليه، ويتبين لك فساد حالك.

ويحتمل أن يكون على حقيقته، ومعناه إذا كنت في أمورك آمنًا من الحياء في فعلها لكونها على القانون الشرعي الذي لا يستحي منه أهله فاصنع ما شئت، ولا عليك من متكبر يلومك، ولا من متصلف يستعتبك، فإن ما أباحه الشرع لا حياء في فعله، ونظم بعضهم معنى هذا الحديث فقال:

~إذا لم تخشى عاقبة الليالي ولم تستحي فاصنع ما تشاء

~فلا والله ما في العيش خير ولا الدنيا إذا ذهب الحياء

قال في (( الفتح ) ): فإن قيل: الحياء من الغرائز فكيف جعل شعبة من الإيمان؟

أجيب: بأنه قد يكون غريزة، وقد يكون تخلقًا، ولكن استعماله على وفق الشرع يحتاج إلى اكتساب وعلم ونية، فهو من الإيمان لهذا، ولكونه باعثًا على فعل الطاعة، وحاجزًا عن فعل المعصية، ولا يقال: رب حياء يمنع عن قول الحق أو فعل الخير؛ لأن ذاك ليس شرعيًا انتهى.

وقال ابن كمال باشا: لا يقال: إن صاحب الحياء قد يستحي أن يواجه بالحق فيترك أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر؛ لأنه ليس بحياء بل خجل، وقد نبهت على الفرق بينهما انتهى.

وما أحال عليه من الفرق بينهما هو ما نقله عن الراغب من قوله: الحياء عارض للفزع من النقيصة، وذلك بين الوقاحة والخجل، فإن الوقاحة هي الجرأة على الأفعال القبيحة من غير مبالاة، والخجل انحصار النفس عن الفعل، ومن هنا تبين أن من عرف الحياء بأنه انحصار النفس خوف ارتكاب القبائح فقد أخطأ حيث لم يفرق بينه وبين الخجل انتهى.

أقول: الظاهر أن نحو ذلك جبن لا خجل، إذ الخجل مرجعه الحياء.

قال في (( القاموس ) ): خجل كفرح استحياء، ودهش وبقي ساكتًا لا يتكلم ولا يتحرك انتهى.

وهو صريح في أن الخجل أخص من الحياء، وقال في مادة جبن: ورجل جبان كسحاب هيوب للأشياء لا يقدم عليها انتهى.

ثم رأيت العيني أوضح ذلك بقوله: فإن قيل: ورد الحياء لا يأتي إلا بخير، والحياء خير كله، وصاحب الحياء قد يستحي أن يواجه بالحق فيترك أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، فكيف يكون هذا من الإيمان؟

وأجيب: بأنه ليس بحياء حقيقة، بل هو عجز ومهابة، وإنما تسميته حياء من إطلاق بعض أهل العرف أطلقوه مجازًا لمشابهته الحياء الحقيقي، وحقيقته خلق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع عن التقصير في حق ذي الحق ونحوه انتهى.

وفي هذا الحديث دلالة على قبول الإيمان الزيادة؛ لأن معناه كما قال الخطابي: أن الإيمان الشرعي اسم لمعنى له أجزاء أدنى وأعلى، والاسم يتعلق بتلك الأجزاء كما يتعلق بكلها، وتمسك به القائلون بأن الإيمان فعل الطاعات بأسرها، والقائلون بأنه مركب من التصديق والإقرار والعمل جميعًا.

وأجيب: بأن المراد شعب الإيمان قطعًا

ج 1 ص 202

لا نفس الإيمان، فإن إماطة الأذى عن الطريق ليست داخلة في أصل الإيمان حتى يكون فاقدها غير مؤمن فلابد في الحديث من تقدير مضاف، كذا في (( إرشاد الساري ) ).

وقال النووي: هذا الحديث نص في إطلاق اسم الإيمان الشرعي على الأعمال، ورده ابن كمال باشا تبعًا للكرماني فقال: والحديث ظاهر في دخول الأعمال في حقيقة الإيمان، وإنما قلنا أنه ظاهر؛ لأنه قابل للتأويل بأن يقال كون شعب الأعمال من الإيمان عبارة عن قوة اتصالها به، فمن توهم أنه نص فيه فقد وهم انتهى.

ويؤيده ما في (( شرح المشكاة ) )لعلي القاري، وأغرب النووي حيث قال: الحديث نص في إطلاق اسم الإيمان الشرعي على الأعمال، وتعقبه ابن حجر وقال: تمسك به القائلون بأن الإيمان فعل جميع الطاعات، والقائلون بأنه مركب من الإقرار والتصديق والعمل، وليس كما زعموا؛ لأن الكلام في شعب الإيمان لا في ذاته، إذا التقدير شعب الإيمان حتى يصح الإخبار عنه سبعون شعبة، إذ يرجع حاصله في الحقيقة إلى أن شعب الإيمان كذا وكذا، وشعب الشيء غيره انتهى.

وقال القسطلاني: وإطلاق الإيمان على الأعمال مجاز؛ لأنها تكون عن الإيمان، وهذا مبني على القول بقبول الإيمان الزيادة والنقصان، أما على القول بعدم قبوله لهما فليست الأعمال داخلة في الإيمان، واستدل لذلك بأن حقيقة الإيمان التصديق، ولأنه قد ورد في الكتاب والسنة عطف الأعمال على الإيمان كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} [يونس:9] مع القطع بأن العطف يقتضي المغايرة، وعدم دخول المعطوف في المعطوف عليه.

وقد ورد أيضًا جعل الإيمان شرط صحة الأعمال كما في قوله تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [طه:112] مع القطع بأن المشروط لا يدخل في الشرط لامتناع اشتراط الشيء لنفسه، ورد أيضًا بإثبات الإيمان لمن ترك بعض الأعمال كما في قوله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [الحجرات:9] مع القطع بأنه لا يتحقق الشيء بدون ركنه، ولا يخفى أن هذه الوجوه إنما تقوم حجة على من جعل الطاعات ركنًا من حقيقة الإيمان بحيث أن تاركها لا يكون مؤمنًا كما هو رأي المعتزلة، لا على من ذهب إلى أنها ركن من الإيمان الكامل بحيث لا يخرج تاركها عن حقيقة الإيمان كما هو مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، قاله العلامة التفتازاني انتهى.

ومن لطائف إسناد هذا الحديث: أن رجاله كلهم مدنيون إلا المسندي، فإنه بخاري، وإلا العقدي فإنه بصري وأنهم كلهم على شرط الستة إلا المسندي، فإن البخاري انفرد به عن أصحاب الكتب الستة، وإن فيه رواية تابعي عن تابعي وهو عبد الله بن دينار عن أبي صالح، وأخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت