118 -وبالسند إلى المؤلف قال:
(حدثنا عَبْدَ العَزيزِ بنُ عبدِ اللهِ) أي: الأويسي المدني (قالَ: حدَّثني) بالإفراد (مالكٌ) هو ابن أنس إمام دار الهجرة (عن ابنِ شهابٍ) الزهري (عنِ الأَعْرجِ) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه.
(قال: إنَّ النّاسَ يقولونَ أَكْثَرَ أَبو هُريرةَ) أي: من رواية الحديث كما في البيوع، وهو حكاية كلام الناس أو من وضع الظاهر موضع المضمر، وهو التفات عند السكاكي، وإلا لقال أكثرت، زاد المصنف في رواية المزارعة: (( ويقولون ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل أحاديثه ) ).
(ولولا آيتَان في كتابِ اللِه تَعَالَى) مقول قول أبي هريرة: لا يقولون وخبر المبتدأ بعد لولا محذوف وجوبًا؛ أي: موجودتان.
وقوله: (ما حَدَّثْتُ حَدِيثًا) جواب لولا وحذفت اللام منه وهو جائز والمعنى لولا أن الله ذم كاتم العلم لما حدثتكم فإن كتمان العلم حرام كما في (( منحة الباري ) )، ولعل حرمة كتمانه على من سئله وتعين عليه (ثُمَّ يَتْلُو) بقية كلام الأعرج وذكره بلفظ المضارع استحضارًا لصورة التلاوة، وفي نسخة: .
( {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ والهدى ... إِلَى قَوْلِهِ تعالى ... الرَّحِيمُ} )
ثم ذكر سبب الإكثار من الحديث. بقوله: (إِنَّ إِخْوَانَنَا) جمع أخ ولم يقل إخوانه ليعود الضمير على أبي هريرة لغرض الالتفات، وعدل عن الإفراد إلى الجمع لقصد نفسه وأمثاله من أهل الصفة، وترك العاطف لجعله الجملة استئنافية استئنافًا بيانيًا جوابًا عن سؤال مقدر كأن سائلًا سأله: لم كنت مكثرًا دون غيرك من الصحابة.
(مِنَ الْمُهَاجِرِينَ) جمع مهاجر وهم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة (كَانَ يَشْغَلُهُمُ) بفتح أوله وثالثه، وحكي ضم أوله من الرباعي وهو شاذ (الصَّفْقُ) بفتح الصاد المهملة وسكون الفاء (بِالأَسْوَاقِ) وهو كناية عن التبايع؛ لأنهم كانوا يضربون فيه يدًا بيد عند المعاقدة، والسوق يذكر ويؤنث، وسميت بذلك لقيام الناس فيها على سوقهم.
(وِإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الأَنْصَارِ) الأوس والخزرج (كَانَ يَشْغَلُهُمُ الْعَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ) أي: القيام على مصالح زروعهم ونخيلهم، ولمسلم عمل أراضيهم، ولابن سعد: (( القيام على أرضهم ) ) (وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) عدل عن قوله وإني لقصد الالتفات.
(كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِشِبَعِ بَطْنِهِ) المراد باللزوم اللزوم العرفي وهو عدم الانفكاك في أكثر الأوقات المعهودة للإفادة والاستفادة، وإلا فلا شك أنه كان يفارقه في مبيته ونومه ودخوله على أزواجه ونحو ذلك.
والشبع: بكسر الشين وفتح الموحدة، وعن ابن دريد إسكانها مع كسر الشين، وعن غيره الإسكان اسم لما أشبعك من الشيء، وفي رواية ابن عساكر في نسخة: بلام كي، ويشبع بصورة المضارع المنصوب، والمعنى أنه كان يلازم رسول الله صلى الله عليه وسلم قانعًا بالقوت ولا يزرع ولا يتجر.
(وَيَحْضُرُ) من مجالس النبي صلى الله عليه وسلم (مَا لاَ يَحْضُرُونَ) عطف على يلزم (وَيَحْفَظُ)
ج 1 ص 539
من أقواله صلى الله عليه وسلم (مَا لاَ يَحْفَظُونَ) مما يسمعه منه حال غيبتهم عن مجلسه.
قال في (( الفتح ) ): وقد روى البخاري في (( تاريخه ) )، والحاكم في (( المستدرك ) )من حديث طلحة بن عبيد الله شاهدًا لحديث أبي هريرة هذا، ولفظه لا شك أنه سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا يسمع غيره، وذلك أنه كان مسكينًا لا شيء له ضيفًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج البخاري في (( التاريخ ) )، والبيهقي في (( المدخل ) )من حديث محمد بن عمارة بن حزم: (( أنه قعد في مجلس فيه مشيخة من الصحابة بضعة عشر رجلًا، فجعل أبو هريرة يحدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديث فلا يعرفه بعضهم، ثم يحدثهم بالحديث فيتراجعون فيه حتى يعرفوه، ثم يحدثهم بالحديث كذلك حتى فعل مرارًا ) ).
(فعرفت) يومئذ أن أبا هريرة أحفظ الناس، وأخرج أحمد والترمذي عن ابن عمر أنه قال لأبي هريرة: (( كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأعرفنا بحديثه ) )، قال الترمذي: وهو حسن انتهى.
وهذا الحديث لا يعارضه ما تقدم من حديث أبي هريرة: (( ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثًا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب ) ).
لأن عبد الله كان أكثر تحملًا، وأبو هريرة أكثر رواية، وفي الحديث كما في العيني فضيلة حفظ العلم والمواظبة على طلبه، وفيه فضيلة أبي هريرة، وفضل التقلل من الدنيا، وإيثار طلب العلم على طلب المال، وفيه جواز الإخبار بفضيلة نفسه إذا اضطر إلى ذلك وأمن الإعجاب، وفيه جواز الإكثار من الأحاديث، وجواز التجارة والعمل، والاقتصار على الشبع، وقد تكون بعض هذه واجبة أو مندوبة، ورواة هذا الحديث كلهم مدنيون، وفيه التحديث بصيغة الجمع وصيغة الإفراد والعنعنة، وفيه رواية تابعي عن تابعي.