فهرس الكتاب

الصفحة 222 من 1465

125 -وبالسند إلى المؤلف قال:

(حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ) هو ابن القعقاع الدارمي أبو محمد البصري ثقة، انفرد البخاري بالإخراج عنه عن أئمة الكتب الخمسة، وليس في مشايخهم من اسمه قيس سواه، توفي سنة سبع وعشرين ومائتين.

(قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) ابن زياد أبو بشر البصري المتوفى سنة ست وسبعين ومائة (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ سُلَيْمَانُ) أي: ابن مهران، كما في رواية ابن عساكر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) ابن يزيد النخعي.

(عَنْ عَلْقَمَةَ) ابن قيس النخعي (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) ابن مسعود رضي الله عنه (قَالَ: بَيْنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي خَرِبِ الْمَدِينَةِ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء وبموحدة، وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني: بكسر ثم فتح جمع خربة كسدرة وسدر وكلاهما في فرع اليونينية، ورواه البخاري في موضع آخر بمهملة وراء ساكنة ومثله في آخره.

(وَهُوَ) صلى الله عليه وسلم (يَتَوَكَّأُ) جملة اسمية وقعت حالًا مرتبطة بالواو والضمير (عَلَى عَسِيبٍ) بفتح العين المهملة وكسر السين المهملة وسكون التحتية آخره موحدة؛ أي: عصى من جريد النخل (مَعَهُ) في محل الصفة لعسيب.

(فَمَرَّ بِنَفَرٍ) بفتح الفاء عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة (مِنَ الْيَهُودِ) هذا اللفظ مع اللام وبدون اللام معرفة، والمراد به اليهوديون، ولكنهم حذفوا ياء النسبة كما قالوا زنجي وزنج للفرق بين الواحد والجمع.

(فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ) أمر من سأل يسأل بالألف فيهما كخاف يخاف؛ أي: اسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم (عَنِ الرُّوحِ) الأكثر على أنه الروح الذي في الحيوان سألوه عن حقيقته، فأخبر أنه من أمر الله؛ أي: استأثر الله تعالى بعلمه، وقيل: هو خلق عظيم روحاني أعظم من الملك، وقيل: خلق كهيئة الناس، وقيل: جبريل، وقيل: القرآن، وقيل: عيسى.

(وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ تَسْأَلُوهُ، لاَ يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ) برفع يجيء على الاستئناف، وهو الذي في فرع اليونينية، وبجزمه على جواب النهي.

قال ابن حجر: وهو الذي في روايتنا، والمعنى أن لا تسألوه لا يجيء بمكروه، وهو صحيح كلا تدن من الأسد لا يؤذك، ويجوز نصبه على معنى لا تسألوه خشية أن لا تجيء فيه، و (( لا ) )زائدة.

قال في (( المنحة ) ): وهذا ماش على مذهب الكوفيين، والمراد بما يكرهونه عدم الجواب عنها؛ لأنه دليل على نبوته وهم يكرهونها.

(فَقَالَ بَعْضُهُمْ) لبعض والله (لَنَسْأَلَنَّهُ) عنها (فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ) بإثبات الهمزة، وفي نسخة: بحذفها تخفيفًا (مَا الرُّوحُ) سؤالهم هذا فيه غموض وخفاء؛ لأن الروح مشترك بين عدة معان كما تقدم (فَسَكَتَ) صلى الله عليه وسلم لما سألوه، قال ابن مسعود: (( فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ ) )كيلا أشوش عليه لانصرافه بكليته إلى الوحي أو فقمت حائلًا بينه وبينهم.

(فَلَمَّا انْجَلَى) أي: انكشف (عَنْهُ) الكرب الذي كان يغشاه حال الوحي (قَالَ) بإسقاط الفاء للأربعة، ولغيرهم: ( {وَيَسْأَلُونَكَ} ) بإثبات الواو كالتنزيل، وفي رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر: .

( {عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} ) أي: من إبداعياته الحاصلة بقول كن من غير مادة وتولد من أصل، واقتصر على هذا الجواب كما اقتصر موسى عليه السلام في جواب {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:23] بذكر بعض صفاته، إذ الروح لدقته لا يمكن معرفته إلا بعوارض تميزه عما يلتبس به، فلذلك اقتصر على هذا الجواب، ولم يبين الماهية لكونها مما استأثر الله بعلمها، ولأن في عدم بيانها تصديقًا لنبوته عليه الصلاة والسلام، وقد كثر اختلاف العلماء والحكماء قديمًا وحديثًا في الروح، وأطنب أرباب النظر في شرحه وخاضوا في غمرات الاختلاف في ماهيته إلى نحو ألف قول.

قال المازري: الكلام على الروح مما يدق، وقد ألفت فيه التآليف، وأشهرها ما قاله الأشعري أنه النفس الداخل والخارج، وقال القاضي أبو بكر: هو متردد بين ما قاله الأشعري وبين الحياة، وقيل: جسم لطيف خلقه الباري سبحانه وأجرى العادة بأن الحياة لا تكون مع فقده، فإذا شاء الله أعدم هذا الجسم منه عند إعدام الحياة، وهذا الجسم وإن كان حيًا فلا يحيا إلا بحياة تختص به وهو مما يصح عليه البلوغ إلى جسم ما من الأجسام، وبكونه في مكان من العالم أو في حواصل

ج 1 ص 555

طير خضر إلى غير ذلك مما وقع في الظواهر إلى غيره من جواهر القلب والجسم الحياة.

وقال غيرهما: هو الدم، وقد ذكر بعضهم في الروح سبعين قولًا، واختلف هل النفس والروح واحد أم لا؟ والأصح أنهما متغايران، فإن النفس الإنسانية هي الأمر الذي يشير إليه كل واحد منا بقوله أنا، وأكثر الفلاسفة لم يفرقوا بينهما، قالوا النفس هو الجوهر البخاري اللطيف الحامل لقوة الحياة والحس والحركة الإرادية، ويسمونها الروح الحيوانية وهي الواسطة بين القلب الذي هو النفس الناطقة وبين البدن.

وقال بعض الحكماء والغزالي: النفس المجرد؛ أي: غير جسم ولا جسماني.

وقال الغزالي: الروح جوهر محدث قائم بنفسه غير متحيز وإنه ليس داخلًا في الجسم ولا خارجًا عنه، وليس متصلًا به ولا منفصلًا عنه، وذلك لعدم التحيز الذي هو شرط الكون في الجهات، واعترض عليه بوجوه ذكرت في موضعها، وقيل: الروح عرض؛ لأنه لو كان جوهرًا والجواهر متساوية في الجوهرية للزم أن يكون للروح روح آخر وهو فاسد.

وقيل: إنه جوهر فرد متحيز، وإنه خلاف الحياة القائمة بالجسم الحيواني، وإنه حامل للصفات المعنوية.

وقيل: إنه صورة لطيفة على صورة الجسم لها عينان وأذنان ويدان ورجلان في داخل الجسم يقابل كل جزء منه وعضو نظيره من البدن.

وقيل: إنه جسم لطيف في البدن سار فيه سريان ماء الورد في الورد، وعليه اعتمد عامة المتكلمين من أهل السنة، كذا في العيني.

وفي (( معالم التنزيل ) )للبغوي: واختلفوا في الروح الذي وقع السؤال عنه، فروي عن ابن عباس: (( أنه جبريل عليه السلام ) )وهو قول الحسن وقتادة، وروي عن علي: (( أنه ملك له سبعون ألف وجه لكل وجه سبعون ألف لسان يسبح الله تعالى بكلها ) ).

وقال مجاهد: خلق على صورة بني آدم لهم أرجل وأيد ورؤوس ليسو بملائكة ولا ناس يأكلون الطعام.

وقال سعيد بن جبير: لم يخلق الله خلقًا أعظم من الروح غير العرش، لو شاء أن يبتلع السموات السبع والأرضين السبع بما فيها بلقمة واحدة لفعل، صورة خلقه على صورة الملائكة، وصورة وجهه على صورة الآدميين، يقوم يوم القيامة عن يمين العرش، وهو أقرب الخلق إلى الله عز وجل اليوم عند الحجب السبعين، وأقرب إلى الله يوم القيامة وهو ممن يشفع لأهل التوحيد لولا أن بينه وبين الملائكة سترًا من نور لاحترق أهل السموات من نوره.

وقيل: الروح القرآن.

وقيل: عيسى، فإنه روح الله وكلمته؛ أي: ليس كما يقول اليهود ولا كما يقول النصارى.

وقال قوم: هو الروح المركب في الخلق الذي يحيا به الإنسان وهو الأصح، ثم ذكر بعض ما تقدم عن العيني من الأقوال.

(وَمَا أُوتُوا) بصيغة الغائب المبني للمفعول في أكثر نسخ الصحيحين (مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ) علمًا أو إيتاء (قَلِيلًا) أي: بالنسبة إلى معلومات الله تعالى (قَالَ الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (هي كَذَا فِي قِرَاءَتِنَا) وللكشميهني: ، وللحموي والمستملي: أي: قال الأعمش: إنها في قراءته بصيغة الغائب.

قال في (( الفتح ) ): وليست هذه القراءة في السبعة، ولا في المشهور من غيرها، وقد أغفلها أبو عبيد في كتاب القراءات له من قراءة الأعمش.

وقال القسطلاني: وليست في طرق مجموعي المفرد في فنون القراءات عن الأعمش وهي مخالفة لخط المصحف، وفي رواية: بالخطاب موافقة للمرسوم في الكتاب، ويأتي إن شاء الله تعالى تمام البحث في الروح في كتاب التفسير بعون الملك القدير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت