فهرس الكتاب

الصفحة 224 من 1465

126 -وبالسند قال:

(حدثنا عُبَيْدُ الله) بالتصغير (بنُ مُوسَى) العبسي مولاهم الكوفي (عَنْ إسْرَائيلَ) ابن يونس السبيعي بفتح المهملة وكسر الموحدة نسبة إلى سبيع بن سبع.

قال الإمام أحمد: كان شيخًا ثقة، وجعل يتعجب من حفظه، توفي سنة ستين ومائة.

(عَنْ) جده (أَبِي إسْحاقَ) عمرو بن عبد الله السبيعي (عَنِ الأَسْوَدِ) ابن يزيد بن قيس النخعي، أدرك الزمن النبوي ولم يتفق له رؤية، وتوفي بالكوفة سنة خمس وسبعين.

(قالَ: قالَ لْي ابنُ الزُّبَيْرِ) عبد الله الصحابي المشهور (كَانَتْ عَائِشَةُ) خالته رضي الله عنها (تُسِرُّ) بضم الفوقية (إِلَيْكَ) الخطاب إسرارًا (كَثِيرًا) من الإسرار ضد الإعلان، وفي رواية ابن عساكر: ولا منافاة بين قوله (( كانت ) )الموضوع للزمن الماضي و (( تسر ) )المضارع؛ لأن المراد به الاستمرار التجددي، وذكر بلفظ المضارع

ج 1 ص 556

استحضارًا لصورة الإسرار.

(فَمَا حَدَّثَتْكَ فِي) شأن (الْكَعْبَةِ) قال الأسود: (قُلْتُ) وفي رواية أبي ذر: (قَالَتْ لِي: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: يَا عَائِشَةُ لَوْلاَ قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ) بتنوين (( حديث ) )الواقع خبرًا للمبتدأ الذي هو (( قومك ) )، ورفع (( عهدهم ) )على إعمال الصفة المشبهة، وذكر الخبر هنا بعد (( لولا ) )وإن كان حذفه واجبًا لأن الامتناع فيه معلق على كون مخصوص وهو حداثة عهد قومها، فهو على حد قوله: فلولا الغمد يمسكه لسالا.

بخلاف ما علق فيه الامتناع على الكون المطلق، كقولك: لولا زيد لأكرمتك؛ أي: لولا زيد موجود لأكرمتك، فإن حذف الخبر فيه واجب.

(قَالَ) وفي رواية الأصيلي (ابْنُ الزُّبَيْرِ بِكُفْرٍ) كأن الأسود نسي قولها بكفر فذكره ابن الزبير.

قال في (( الفتح ) ): وأما ما بعدها وهو قوله: (( لنقضت ... إلخ ) )، فيحتمل أن يكون مما نسي أيضًا أو مما ذكر، وقد رواه الترمذي من طريق شعبة عن أبي إسحاق عن الأسود بتمامه إلا قوله: (( بكفر ) )فقال بدلها: (( بجاهلية ) )، وكذا المصنف في الحج من طريق أخرى عن الأسود، ورواه الإسماعيلي من طريق زهير بن معاوية عن أبي إسحاق ولفظه: (( قلت: حدثتني حديثًا حفظت أوله ونسيت آخره ) ).

وقد رواه الترمذي من حديث شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأسود بتمامه إلا قوله: (( بكفر ) )وقال بدلها (( بجاهلية ) )، وكذا للمصنف في الحج من طريق أخرى عن الأسود، ورجحها الإسماعيلي على رواية إسرائيل، وفيما قاله نظر لما قدمناه، وعلى قوله يكون في رواية شعبة إدراج والله أعلم انتهى.

(لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ) أي: لهدمتها جواب (( لولا ) ) (فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَابًا يَدْخُلُ) منه (النَّاسُ وَبَابًا يَخْرُجُونَ) أي: منه بنصب بابًا في الموضعين في رواية أبي ذر على أنه بدل أو عطف بيان على القول بمجيئه في النكرات، ولغيره (( بابٌ ) )بالرفع فيهما على جعله خبرًا لمبتدأ محذوف، وثبت للحموي زيادة: بعد (( يخرجون ) )، وبدونها في يدخلون، فهو متنازع فيه للفعلين المتقدمين.

(فَفَعَلَهُ) أي: ما ذكر من النقض وجعل البابين (ابْنُ الزُّبَيْرِ) وهذه المرة الرابعة من بناء البيت.

قال الشيخ قطب الدين: بني البيت خمس مرات، بنته الملائكة، ثم إبراهيم عليه السلام، ثم قريش في الجاهلية وحضر النبي صلى الله عليه وسلم هذا البناء وهو ابن خمس وثلاثين سنة وقيل: خمس وعشرين، وفيه سقط صلى الله عليه وسلم على الأرض حين رفع إزاره، ثم بناه ابن الزبير، ثم بناه الحجاج واستمر، ويروى أن هارون لما حج سأل مالكًا عن هدمه ورده إلى بناء ابن الزبير للأحاديث المذكورة، فقال مالكٌ: نشدتك الله يا أمير المؤمنين أن لا تجعل هذا البيت لعبة للملوك لا يشاء أحد إلا نقضه وبناه فتذهب هيبته من صدور الناس انتهى.

قال العيني: قلت: بنته أولًا الملائكة، ثم إبراهيم، ثم العمالقة، ثم جرهم، ثم قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ شاب، ثم ابن الزبير، ثم حجاج انتهى.

فعلى هذا يكون البيت بني سبع مرات أقول: قد رأيت في كتاب الأعلام بإعلام بيت الله الحرام للعلامة قطب الدين المكي أن البيت الشريف بني عشر مرات:

الأولى: بناء الملائكة.

الثانية: بناء آدم عليه السلام.

الثالثة: بناء أولاد آدم عليه السلام.

الرابعة: بناء إبراهيم الخليل عليه السلام.

الخامسة: بناء العمالقة.

السادسة: بناء جرهم.

السابعة: بناء قصي.

الثامنة: بناء قريش.

التاسعة: بناء سيدنا عبد الله بن الزبير.

العاشرة: بناء الحجاج بن يوسف الثقفي.

قال في (( التاريخ المزبور ) ): وبناء الحجاج إنما هو في جهة الميزاب، والحجر بسكون الجيم ونقله جوف الكعبة، ورفع الباب الشريف الملاصق للملتزم، وسد الباب الغربي الذي هو بلصق المستجار لا غير، وما عدا ذلك في الجهات الثلاث وهو وجه الكعبة الشريفة ووجه ظهرها وما بين الركن اليماني والحجر الأسود فهو بناء سيدنا عبد الله بن الزبير في المسجد الحرام، وقد هدم الكعبة وبناها على قواعد إبراهيم عليه السلام انتهى.

قال ابن الملقن: وفي الحديث فوائد:

منها: ترك شيء من الأمر بالمعروف إذا خشي منه أن يكون سببًا لفتنة قوم ينكرونه ويسرعون إلى خلافه واستبشاعه.

ومنها: ترك المصلحة لمعارضة مفسدة أشد منها فخشي صلى الله عليه وسلم أن تنكر ذلك قلوبهم لقرب عهدهم بالكفر ويظنوا أنه فعل ذلك لينفرد بالفخر وعظم هدمها لديهم، وقد روي أن قريشًا حين بنت البيت في الجاهلية تنازعت فيمن يجعل الحجر الأسود مكانه فحكموا أول رجل يطلع عليهم فطلع عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فرأى أن يحمل الحجر في ثوب، وأمر كل قبيلة أن تأخذ بطرف

ج 1 ص 557

الثوب فرضوا بذلك، ولم يروا أن ينفرد بذلك واحد منهم خشية أن ينفرد بالفخر، فلما ارتفعت الشبهة فعل فيه ابن الزبير ما فعل، فجاء الحجاج فرده كما كان، وتركه من بعده خشية أن يتلاعب الناس به، فيكثر هدمه وبنيانه فتذهب هيبته من صدور الناس، كما قاله الإمام مالك لما سأله عن ذلك هارون الرشيد.

ومنها: أن النفوس تساس بما تأنس إليه في الدين من غير الفرائض بأن يترك، ويرفع عن الناس ما ينكرون منها كما قررناه انتهى.

وقال النووي: وفيه دليل لقواعد منها إذا تعارضت مصلحة ومفسدة وتعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بدئ بالأهم.

ومنها: فكر الإمام في مصالح رعيته، واجتناب ما يخاف منه تولد ضرر عليهم في دين أو دنيا إلا الأمور الشرعية كأخذ الزكاة وإقامة الحدود.

ومنها: تألف قلوبهم وحسن حياطتهم وأن لا ينفروا ولا يتعرض لما يخاف تنفيرهم بسببه ما لم يكن فيه ترك أمر شرعي انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت