فهرس الكتاب

الصفحة 235 من 1465

133 -وبالسند إلى المؤلف قال:

(حَدَّثَنا) وللمستملي: بالإفراد (قُتَيْبَةُ) ولغير أبوي ذر والوقت وابن عساكر زيادة (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) ابن سعد إمام أهل مصر.

(قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ) هو ابن سرجس بفتح السين المهملة وسكون الراء وكسر الجيم آخره سين مهملة أصله من المغرب، وقيل: من نيسابور، وقيل: من سبي كابل، وقيل: من جبال الطالقان، أصابه عبد الله بن عمر في بعض غزواته كما أشار إليه المؤلف بقوله:

(مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) وسقط لفظ: لابن عساكر.

قال مالك: إذا سمعت من نافع يحدث عن ابن عمر فلا أبالي أن لا أسمعه من غيره.

أقول: وهذا السند المشهور أنه أصح الأسانيد المسمى سلسلة الذهب، وهو ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر، وإن نزلت عن مالك، فما رواه الشافعي عن مالك ... إلخ وهو الذي أشار إليه العراقي في (( ألفيته ) )بقوله:

~وبالصحيح والضعيف قصدوا في ظاهر لا الجزم والمعتمد.

~إمساكنا عن حكمنا على سند بأنه أصح مطلقًا، وقد.

~خاض به قوم فقيل: مالك عن نافع فيما رواه الناسك.

وبعثه عمر بن عبد العزيز إلى مصر يعلمهم السنن مات بالمدينة سنة سبع عشرة ومائة، وليس هذا نافعًا أحد القراء السبعة فإن ذاك نافع بن أبي نعيم.

عن مولاه (عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) ابن الخطاب رضي الله عنهما (أَنَّ رَجُلًا قَامَ بالْمَسْجِدِ) النبوي؛ أي: وقف في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال في (( الفتح ) ): لم أقف على اسم هذا الرجل.

(فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ) بضم النون؛ لأنه من أهل من باب الإفعال، والإهلال رفع الصوت بالتلبية، والمراد الإحرام مع التلبية في الميقات المكاني،

ج 1 ص 564

وأصل الإهلال رفع الصوت عند رؤية الهلال ثم توسع فيه فصار يطلق على رفع الصوت مطلقًا.

(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يُهِلُّ) بضم التحتية وكسر الهاء (أَهْلُ الْمَدِينَةِ) علم بالغلبة على مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، والمراد بأهلها من كان ساكنًا بها أو مارًا عليها قاصدًا مكة لحج أو عمرة من غير أهلها (مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ) بضم الحاء وفتح اللام تصغير حلفة كقصة، واحدة الحلفاء نبات معروف.

قال الكرماني: وذو الحليفة موضع على عشر مراحل من مكة.

وقال الرافعي: على ميل من المدينة.

وقال النووي: ستة أميال.

وقال عياض: سبعة أميال.

وقال ابن حزم: من المدينة على أربعة أميال، ومن مكة على مائتي ميل غير ميلين.

وقال الكرماني الحنفي في (( مناسكه ) ): بينها وبين المدينة ميل أو ميلان، والميل ثلث فرسخ وهو أربعة آلاف ذراع، وفي موضع آخر منها إلى المدينة خمسة أميال ونصف، وبذي الحليفة عدة آبار ومسجدان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، المسجد الكبير الذي يحرم منه الناس، والمسجد الآخر مسجد المعرس. وقال ابن التين: هي أبعد المواقيت من مكة تعظيمًا لأجر النبي صلى الله عليه وسلم، كذا في العيني. وهي المعروفة الآن بآبار علي لزعم العامة أنه قاتل الجن فيها.

وأقول: بين هذه الأقوال في ضبط مسافتها إلى المدينة تباين كثير خصوصًا بين قول الرافعي وبين قولي النووي وعياض، فلعل مبنى ذلك على الحزر والتخمين لا على التحقيق، ويدل لذلك قول ابن حجر في (( التحفة ) )أنها على نحو ثلاثة أميال من المدينة.

(وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّأمِ) بالهمز وتركه، وسميت بذلك لوقوعها في شأم الكعبة؛ أي: في شمالها كما سمي اليمن يمنًا لوقوعها في يمينها، وحد الشام طولًا من العريش إلى الفرات وعرضًا من أيلة إلى بحر الروم.

(مِنَ الْجُحْفَةِ) بضم الجيم وسكون الحاء المهملة، وكانت في الأصل تسمى مهيعة بفتح الميم وسكون الهاء وفتح المثناة التحتية فأجحف السيل بأهلها؛ أي: أذهبهم فسميت جحفة، وهي قرية كبيرة قريبة من البحر، وهي على ثلاث مراحل من مكة كما قاله النووي.

وقيل: ستة، وقيل: سبعة، ولعل الصواب ما قاله النووي؛ لأنها في مقابلة رابغ التي يحرم الناس منها الآن، وهي على ثلاث مراحل وشيء من مكة، وقوله صلى الله عليه وسلم: (( ويهل أهل الشام من الجحفة ) )يعني إذا أتوا عليها، وأما إذا مروا على المدينة فيصير ميقاتهم ميقات أهلها، أما ذو الحليفة وهي أفضل، وأما رابغ المقابلة للجحفة فالمحرم عندنا إذا مر بميقاتين فهو مخير بين أن يحرم من أبعدهما أو أقربهما.

(وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ) بفتح النون وسكون الجيم، وهو ما ارتفع من أرض تهامة إلى أرض العراق (من قرن) بفتح القاف وسكون الراء.

قال الكرماني: جبل مدور أملس كأنه هضبة مطل على عرفات، قالوا: وغلط الجوهري في صحاحه غلطين فقال: بفتح الراء، وزعم أن أويسًا القرني رضي الله عنه منسوب إليه، والصواب سكون الراء، وأن أويسًا منسوب إلى قبيلة يقال لهم: بنو قرن، وهو على مرحلتين من مكة، وأقرب المواقيت إليها انتهى.

وفي قوله: وأقرب المواقيت إليها نظر؛ لقوله في يلملم وهو على مرحلتين من مكة، وهذا أيضًا كذلك، فلا يصح الحكم بالأقربية لقرن بالنسبة إليه، ويمكن الجواب باحتمال أن يكون يلملم مرحلتين وشيئًا فألغى الكسر، أو قرن مرحلتين إلا شيئًا فجبر النقصان فليتأمل.

ويهل في الكل خبر لفظًا مراد به الأمر كقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة:228] أي: ليهل.

(وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) ابن الخطاب رضي الله عنهما بواو العطف على لفظ عن عبد الله بن عمر عطفًا من جهة المعنى كأنه قال: قال نافع: قال عبد الله، وقال ابن عمر ... إلخ، ويحتمل على بعد أن يكون تعليقًا من البخاري والواو للاستئناف أو للعطف على حدثنا قتيبة، ويجري الاحتمالان في وكان ابن عمر الآتي قريبًا.

(وَيَزْعُمُونَ) عطف على مقدر، وهو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، ولابد من هذا التقدير؛ لأن الواو لا تدخل بين القول ومقوله، والمراد من الزعم هنا إما القول المحقق أو المعنى المشهور له.

قال في (( الفتح ) ): ويزعمون ... إلخ يفسر بمن روى الحديث تامًا كابن عباس، وفيه دليل على إطلاق الزعم على القول المحقق؛ لأن ابن عمر سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنه لم يفهمه لقوله: لم أفقه هذه؛ أي: الجملة الأخيرة، فصار يرويها عن غيره، وهو دال على شدة تحريه وورعه انتهى.

مع كونه لا يريد بهؤلاء الزاعمين إلا أهل الحجة والعلم بالسنة ومحال أن يقولوا ذلك بأرائهم لأن هذا ليس مما يقال بالرأي.

(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) بفتح همزة (( أن ) )وهي مع اسمها وخبرها سادة مسد مفعولي (( يزعمون ) )على قول سيبويه

ج 1 ص 565

وهو الصحيح (قَالَ: وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ) بفتح المثناة التحتية واللامين بينهما ميم ساكنة، ويقال: ألملم بهمزة مكان الياء، وهو جبل من جبال تهامة على مرحلتين من مكة.

(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ أَفْقَهْ) أي: لم أفهم (هَذِهِ) أي الجملة الأخيرة، وهي قوله: (( ويهل أهل اليمن من يلملم ) ) (مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم) ، وفي رواية أخرى للبخاري في الحج: (( لم أسمع هذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ).

وفي الحديث بيان المواقيت الثلاثة بالقطع، وهي ميقات أهل المدينة، وميقات أهل الشام، وميقات أهل نجد، والرابع شك فيه ابن عمر وهو ميقات أهل اليمن، وقد ثبت هذا أيضًا بالقطع في حديث ابن عباس أخرجه الشيخان وآخرون، وفي رواية مسلم عن جابر وزاد مسلم فيه: (( ومهل العراق ذات عرق ) ).

قال أبو العباس القرشي: أجمع العلماء على المواقيت الأربعة، واختلفوا في ذات عرق لأهل العراق، والجمهور على أنها ميقات، وفيه أن هذه المواقيت لا يجوز مجاوزتها بغير إحرام سواء أراد حجًا أو عمرة، فإن جاوزها بغير إحرام ولم يعد صح حجه ويلزمه دم، وفيه معجزة النبي صلى الله عليه وسلم حيث أخبر بما سيكون بعده فكان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت