فهرس الكتاب

الصفحة 237 من 1465

134 -وبالسند إلى المؤلف قال:

(حَدَّثَنَا آدَمُ) ابن أبي إياس (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) بكسر الذال المعجمة وبالهمزة الساكنة ويجوز تخفيفها محمد بن عبد الرحمن (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما.

(عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن شهاب عطفًا على (( عن نافع ) ) (عَنْ سَالِمٍ) هو ابن عبد الله (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بضم العين وهو والد سالم.

(عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) وفي رواية أبوي ذر والوقت والأصيلي والزهري: بإسقاط حرف الجر، وكلاهما عطف على قوله (( عن نافع ) )فهما إسنادان أحدهما عن آدم عن ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر، والآخر عن آدم عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن سالم عن ابن عمر، وفي بعض النسخ (( ح ) )إشارة إلى تحويل الإسناد قبل (( وعن الزهري ) ).

(أَنَّ رَجُلًا) قال في (( الفتح ) ): لم أقف على اسمه (سَأَلَهُ) أي: سأل النبي صلى الله عليه وسلم (مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ) بفتح المثناة التحتية والموحدة مضارع لبس بكسرها عكس لبست عليه الأمر فإنه بالفتح في الماضي، والكسر في المضارع، و (( ما ) )استفهامية في محل نصب على المفعولية لـ (( يلبس ) )، وجوز العيني كون (( ما ) )نكرة موصوفة مفعولًا ثانيًا لسأل وفيه نظر؛ لأن سأل الذي يتعدى لمفعولين بمعنى استمنح، تقول: سألته درهمًا، قال تعالى: {وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ} [محمد:36] .

(فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام (لاَ يَلْبَسِ) برفعه لأبي ذر على أن (( لا ) )نافية لكن بمعنى النهي كقوله تعالى: {لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة:79] لئلا يلزم الخلف في خبره عليه الصلاة والسلام لو بقي على خبريته، وبجزمه لغيره على أنها ناهية.

(الْقَمِيصَ) قال في (( القاموس ) ): القميص معروف وقد يؤنث أو لا يكون إلا من قطن، وأما من صوف فلا، والجمع قمص انتهى.

وقال الصغاني: القميص في حديث عثمان هي الخلافة، والقميص

ج 1 ص 566

خلاف القلب، والبرذون الكثير القماص.

(وَلاَ الْعِمَامَةَ) بكسر العين.

قال الجوهري: العمامة واحدة العمائم، وعممته ألبسته العمامة، وعمم الرجل سود لأن العمائم تيجان العرب كما قيل في العجم: توج، واعتم بالعمامة وتعمم بها بمعنى، وفلان حسن العمة؛ أي: الاعتمام.

(وَلاَ السَّرَاوِيلَ) قال الكرماني: أعجمية عربت وجاءت على لفظ الجمع، وهي واحدة تذكر وتؤنث، ولم يعرف الأصمعي فيها إلا التأنيث، وتجمع على السراويلات، وقد يقال هو جمع ومفرده سروالة قال الشاعر:

~عليه من اللؤم سروالة فليس يرق لمستضعف

وهو غير منصرف على الأكثر انتهى.

(وَلاَ الْبُرْنُسَ) بضم الموحدة وسكون الراء وضم النون آخره سين مهملة، وهو ثوب رأسه ملتزق به، وقيل: قلنسوة طويلة وكان النساك يلبسونها في صدر الإسلام (وَلاَ ثَوْبًا) بالنصب عطفًا على القميص، وروي: بالرفع، ووجهه أن يكون مرفوعًا بتقدير فعل ما لم يسم فاعله؛ أي: ولا يلبس ثوب.

وجملة: (مَسَّهُ الْوَرْسُ) صفة ثوبًا، والعائد إليه الضمير في مسه، والورس: بفتح الواو وسكون الراء وبالسين نبت أصفر يكون باليمن تصبغ به الثياب، وتتخذ منه الغمرة للوجه، وهي بوزن الحمرة طلاء يتخذ من العدس تطلي به المرأة وجهها ليصفو لونه.

(أَوِ الزَّعْفَرَانُ) بفتح الزاي والفاء جمعه زعافر، وهو اسم أعجمي وقد صرفته العرب فقالوا: ثوب مزعفر، وقد زعفر ثوبه يزعفره زعفرة.

قال أبو حنيفة: لا أعلمه ينبت بشيء من أرض العرب، وعطف الزعفران بـ (( أو ) )إشارة إلى أنه يكفي في تحريم الثوب على المحرم وجود أحد الأمرين من الورس والزعفران، ونبه بهما على ما سواهما من أنواع الطيب كما نبه بالقميص وما عطف عليه على ما عداها من سائر المخيطات، والمراد بالمس هنا الصبغ أو التلطخ كما هو ظاهر لا مجرد المس، وإن لم يعلق بالثوب شيء منهما.

(فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ) تثنية نعل وهي الحذاء بكسر الحاء وبالمد وهي مؤنثة (فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا) بكسر اللام ويجوز تسكينها وهي معطوف على فليلبس عطف جملة على جملة، والأمر في ليلبس ليس للوجوب؛ لأن لبس الخفين رخصة، وهي للتسهيل فلا يناسبها الإلزام إذ عند فقد النعل له أن لا يستر قدميه بشيء بل يبقى حافيًا بخلافه في (( وليقطعهما ) )لأنه إذا لبس الخفين تعين عليه قطعهما.

قال العيني: فإن قلت: اللبس بعد القطع فما وجه هذا العطف؟.

قلت: الواو لا تدل على الترتيب، ومعناها الشركة والجمع مطلقًا من غير دلالة على تقديم أو مصاحبة انتهى.

(حَتَّى يَكُونَا) أي: إلى أن يكون قطعهما منتهيًا (تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ) تثنية كعب، والمراد به هنا المفصل الذي في وسط القدم عند معقد الشراك لا الكعب الناتئ عند مفصل الساق فإنه أحد الكعبين المرادين في آية الوضوء.

وفي العيني قال المازري وغيره: سئل صلى الله عليه وسلم عما يلبس، فأجاب بما لا يلبس؛ لأن المتروك منحصر، والملبوس لا ينحصر لأن الإباحة هي الأصل، فحصر ما يترك ليبين أن ما سواه مباح، وهذا من بديع كلامه وجزله وفصيحه.

قلت: وفائدة أخرى وهي مراعاة المفهوم، فإنه لو أجاب بما يلبس لتوهم بالمفهوم أن غير المحرم لا يلبسه فانتقل إلى ما لا يلبس؛ لأن مفهومه مستعمل كمنطوقه، فكان أفصح وأبلغ وأوجه، وقد أجيب بأن السؤال كان من حقه عما لا يلبس؛ لأن الحكم العارض المحتاج إلى البيان هو الحرمة، وأما جواز ما يلبس فثابت في الأصل معلوم بالاستصحاب، فلذلك أتى بالجواب على وفقه تنبيهًا عليه انتهى.

قال العلماء: والحكمة في تحريم اللباس المذكور على المحرم أن يبعد عن الترفه ويتصف بصفة الخاشع الذليل، وليتذكر أنه محرم في كل وقت فيكون أقرب إلى كثرة أذكاره، وأقرب في مراقبته وصيانته لعبادته وامتناعه من ارتكاب المحظورات، وليتذكر به الموت، ولبس الأكفان والبعث يوم القيامة حفاة عراة مهطعين إلى الداعي، والحكمة في تحريم الطيب أن يبعد عن زينة الدنيا، ولأنه داع إلى الجماع، ولأنه ينافي حالة الحاج التي ينبغي أن يكون عليها، فإنه أشعث أغبر ومحصله إرادة أن يجمع همه لمقاصد الآخرة.

وفي هذا الحديث السؤال عن حالة الاختيار فأجابه صلى الله عليه وسلم، عنها وزاد حالة الاضطرار في قوله: (( فإن لم يجد النعلين ) )وليست أجنبية عن السؤال؛ لأن حالة السفر تقتضي ذلك، وسيأتي تمام الكلام على الحديث، وبيان فوائده في الحج إن شاء الله تعالى.

قال في (( الفتح ) ): قد اشتمل كتاب العلم على الأحاديث

ج 1 ص 567

المرفوعة على مائة حديث وحديثين، منها في المتابعات بصيغة التعليق وغيرها ثمانية عشر، والتعاليق التي لم يوصلها في مكان آخر أربعة، وهي: (( كتب لأمير السرية ) (( رحل جابر إلى عبد الله بن أنيس ) (( قصة ضمام في رجوعه إلى قومه ) )وحديث: (( إنما العلم بالتعلم ) ).

وباقي ذلك وهو ثمانون حديثًا كلها موصولة، والمكرر منها ستة عشر حديثًا، وبغير تكرار أربعة وستون حديثًا، وقد وافقه مسلم على تخريجها إلا ستة عشر حديثًا، والمراد بموافقة مسلم موافقته على تخريج أصل الحديث عن صحابية وإن وقعت بعض المخالفة في بعض السياقات.

وفيه من الآثار الموقوفة على الصحابة، ومن بعدهم اثنان وعشرون أثرًا منها أربعة موصولة والبقية معلقة، ولما فرغ المؤلف من ذكر أحاديث الوحي الذي هو مادة الأحكام الشرعية، وعقبه بالإيمان الذي هو أفضل العبادات البدنية، ثم بالعلم الذي هو مدار الأمور الدينية، شرع يذكر أحكام العبادات مرتبًا لها على ترتيب حديث الصحيحين: (( بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان ) )وقدم الصلاة بعد الشهادتين على غيرها لكونها أفضل العبادات بعد الإيمان، والطهارة مفتاح لها بالنص كما في حديث أبي داود بإسناد صحيح، ولأنها أعظم شروطها، والشرط مقدم على المشروط طبعًا، فقدم وضعًا، فقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت