فهرس الكتاب

الصفحة 241 من 1465

135 -وبالسند إلى المؤلف قال:

(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) بالظاء المعجمة هو المعروف بابن راهويه (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) هو ابن همام (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بميمين بينهما عين ساكنة هو ابن راشد.

(عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بتشديد ميم الأول وضم ميم الثاني وتشديد الموحدة المكسورة (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لاَ تُقْبَلُ) بضم المثناة الفوقية بالبناء للمفعول.

(صَلاَةُ) نائب فاعله (مَنْ) أي: الذي أو شخص (أَحْدَثَ) قال القسطلاني: أي: وجد منه الحدث الأكبر كالجنابة والحيض، أو الأصغر، والظاهر أن المراد الحدث الأصغر بدليل قوله: (حَتَّى يَتَوَضَّأَ) وحكم الحدث الأكبر علم من غير هذا الحديث، أو بالمقايسة على الأصغر، والمراد بيتوضأ الوضوء أو ما هو بدل عنه وهو التيمم، فإذا وجد أحدهما قبلت حينئذ.

قال في (( المصابيح ) ): قال لي بعض الفضلاء: يلزم من حديث أبي هريرة أن الصلاة الواقعة في حال الحدث إذا وقع بعدها وضوء صحت فقلت له: الإجماع يدفعه، فقال: يمكن أن يدفع من لفظ الشارع وهو أولى من التمسك بدليل خارج، وذلك بأن تجعل الغاية للصلاة لا لعدم القبول، والمعنى: صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ لا تقبل انتهى.

أقول: ظاهر سكوت الدماميني عليه ارتضاؤه وتسليمه، وكذلك القسطلاني فإنه نقله ساكتًا عليه، وفيه نظر إذ لا وجود لصلاة شرعية حال الحدث ليلزم أنه إذا وقع بعدها وضوء صحت، وعلى فرض وجودها صورة فليست مما يمتد إلى الوضوء ليكون غاية لها، ومبنى إشكاله على حمل القبول على حقيقته فإنه إذا حمل على حقيقته لزم منه وقوع صلاة في حال الحدث غير مقبولة، فإذا توضأ قبلت وليس الأمر كذلك، فإن القبول في الحديث بمعنى الصحة والإجزاء، كما تقدم آنفًا في جواب إشكال الأُبّي فيصير حاصل معنى الحديث: لا تصح ولا تجزئ صلاة من أحدث حتى يتوضأ، وهذا لا غبار عليه؛ لأن المغيا عدم صحة الصلاة، والغاية الوضوء، فعدم صحة الصلاة ينتهي بالوضوء الذي هو شرط فيها، فلم يلزم ما ذكره كما هو ظاهر للمتأمل فتدبره.

على أن كلام الدماميني قبل هذا بقليل يؤخذ منه دفع هذا الاعتراض، فإنه قال: وقد فسر القبول بأنه ترتب الغرض من الشيء عليه، والغرض من الصلاة وقوعها مجزئة لمطابقتها الأمر، ولا شك أن هذا المعنى إذا انتفى انتفت الصحة.

وفسره بعضهم: بأنه كون العبادة بحيث يترتب على فعلها الثواب والإجزاء كونها مطابقة لنفس الأمر ليدفع بذلك ما ورد في أن العبد إذا أبق لا تقبل له صلاة، وكذا في شارب الخمر، وفي من أتى عرافًا، لكن هذا يضر في حديث أبي هريرة إذ المقبول حينئذ أخص فلا يلزم من نفيه نفي الصحة، وعلى التفسير الأول يندفع هذا لكن يرد عليه صلاة الآبق ونحوه، فيحتاج إلى تحرير انتهى.

وأقول: لا ترد صلاة الآبق ومن عطف عليه؛ لأن القبول فيها باق على حقيقته ليس مرادًا به الصحة، فلا يلزم من انتفائه انتفاء الصحة؛ لأنه أخص، ولا يلزم من انتفاء الأخص انتفاء الأعم؛ لأنه قد يصح العمل ويتخلف القبول عنه لمانع كما تقدم، وفيه دليل على بطلان الصلاة بالحدث سواء كان خروجه اختياريًا أم ضروريًا لعدم التفرقة في الحديث بين حدث وحدث وحالة دون حالة.

(قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ) بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة وفتح الراء والميم بلدة باليمن وقبيلة أيضًا، وهو من المركب المزجي، والأفصح في الجزء الأول البناء على الفتح، وفي الثاني المنع من الصرف، وسمع بناء الجزأين ويجوز إضافة الأول إلى الثاني.

(مَا الْحَدَثُ) وفي رواية:

ج 1 ص 573

(يَا أَبَا هُرَيْرَةَ) وفي بعض النسخ: بحذف الهمزة تخفيفًا (قَالَ) أبو هريرة هو (فُسَاءٌ) بضم الفاء والمد (أَوْ ضُرَاطٌ) بضم الضاد وهما يشتركان في كونهما ريحًا خارجًا من الدبر، لكن الثاني مع صوت، وإنما اقتصر أبو هريرة على هذين مع أن المراد كل خارج من السبيلين، أو ما نزل منزلته كالنوم على غير هيئة التمكن تنبيهًا بالأخف على الأغلظ، ولأنهما قد يقعان في أثناء الصلاة أكثر من غيرهما.

قال في (( الفتح ) ): وأما باقي الأحداث المختلف فيها بين العلماء كمس الذكر ولمس المرأة، والقيء ملء الفم، والحجامة، فلعل أبا هريرة كان لا يرى النقض بشيء منها، وعليه مشى المصنف كما سيأتي في باب من لا يرى الوضوء إلا من المخرجين، وقيل: إن أبا هريرة إنما اقتصر في الجواب على ما ذكره لعلمه أن السائل كان يعلم ما عدا ذلك، وفيه بعد.

واستدل بالحديث على بطلان الصلاة بالحدث سواء كان خروجه اختياريًا أم ضروريًا، وعلى أن الوضوء لا يجب لكل صلاة؛ لأن القبول انتفى إلى غاية الوضوء، وما بعدها مخالف لما قبلها فاقتضى ذلك قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقًا انتهى.

وفي الحديث دليل على أن الصلوات بأسرها مفتقرة إلى الطهارة، ويدخل فيها صلاة الجنازة والعيدين وسجدة التلاوة والشكر؛ لأنهما بعضان من الصلاة، وحكي عن الشعبي ومحمد بن جرير الطبري أنهما أجازا صلاة الجنازة بغير وضوء وهو باطل لعموم هذا الحديث وللإجماع.

قال العيني: وقال بعض الشارحين: في هذا الحديث رد على من يقول إذا سبقه الحدث يتوضأ ويبني على صلاته.

قلت: هذا قول أبي حنيفة، وحكي عن مالك وهو قول الشافعي في القديم، وليس فيه رد عليهم أصلًا؛ لأن من سبقه الحدث إذا ذهب وتوضأ وبنى على صلاته يصدق عليه أنه توضأ وصلى بالوضوء، وإن كان القياس يقتضي بطلان صلاته على أنه ورد الأثر فيه انتهى.

وأقول: بل في الحديث دليل لمن يقول بالبناء إذا سبقه الحدث لأن قوله: (( لا تقبل صلاة من أحدث ) )يقتضي أنه الحدث وقع [1] في خلال الصلاة، وأنه كان متطهرًا؛ لأن صلاة المحدث لا تسمى صلاة فاقتضى ظاهر الحديث أن يكون قد شرع في الصلاة متطهرًا ثم طرأ عليه الحدث في أثنائها، فأخبر صلى الله عليه وسلم أن صلاته غير مقبولة؛ أي: غير مجزئة له حتى يتوضأ؛ أي: ويؤدي ما بقي عليه منها بوضوء، وهي مسألة البناء فليتأمل.

وقال الكرماني: وفيه أن الطواف لا يجزئ بغير طهور؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سماه صلاة فقال: (( الطواف صلاة ) )إلا أنه أبيح فيه الكلام.

وأجاب العيني: بأن اشتراط الطهارة للطواف بخبر الواحد زيادة على النص وهو نسخ، فلا يثبت به وهو قوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج:29] غير أنا نقول بوجوبها لخبر الواحد، ومعنى الحديث الطواف كالصلاة والتشبيه في الثواب دون الحكم؛ لأن التشبيه لا عموم له ألا ترى أن الانحراف والمشي فيه لا يفسده انتهى.

[1] لعل الصواب: (( ووقع ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت