فهرس الكتاب

الصفحة 243 من 1465

136 -وبالسند إلى المؤلف قال:

(حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) مصغر بكر المصري (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) ابن سعد المصري أيضًا (عَنْ خَالِدٍ) هو ابن يزيد من الزيادة الإسكندراني البربري الأصل المصري الفقيه المفتي التابعي المتوفى سنة تسع وثلاثين ومائة (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلاَلٍ) الهيثمي مولاهم المصري المولد المدني المنشأ المتوفى سنة خمس وثلاثين مائة (عَنْ نُعَيْمٍ) بالتصغير ابن عبد الله المدني العدوي.

(الْمُجْمِرِ) اسم فاعل من الإجمار على الأشهر، وقيل: اسم فاعل من التجمير وهو تبخير الشيء بالعود ونحوه؛ لأنه يوضع على الجمر غالبًا.

قال النووي: المجمر صفة لعبد الله، ويطلق على ابنه نعيم مجازًا انتهى.

لكن قال في (( الفتح ) )وفيه نظر، فقد جزم إبراهيم الحربي بأنه كان يباشر ذلك انتهى.

والمشار إليه بذلك تبخير مسجد النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنهما كانا يبخرانه، وهو مولى عمر بن الخطاب جعله على أجمار المدينة، روى عن أبي هريرة وجابر وغيرهما، وعنه ابنه محمد ومالك وجماعة، وثقه أبو محمد وآخرون، وجالس أبا هريرة عشرين سنة.

(قَالَ: رَقِيتُ) بكسر القاف؛ أي: صعدت، وحكى صاحب (( المطالع ) )فتح القاف بالهمز وبدون الهمز.

قال العيني: فهذه ثلاث لغات، واللغة الصحيحة المشهورة كسر القاف.

وقال كراع: الهمز أجود، وخالفه صاحب (( المجامع ) )فقال: عدمه أصح.

وقال الزمخشري: لا أعلم صحة الفتح، وهذا من الرقي أما من الرقية فرقيت بالفتح انتهى.

(مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ) النبوي (فَتَوَضَّأَ) بالفاء، وفي نسخة بالواو، ولأبي ذر: بدونهما.

قال في (( الفتح ) ): وقد رواه الإسماعيلي وغيره من الوجه الذي أخرجه منه البخاري بلفظ: (( ثم توضأ ) )زاد الإسماعيلي فيه: (( فغسل وجهه ويديه، فرفع في عضديه، وغسل رجليه، فرفع في ساقيه ) )، وكذا لمسلم من طريق عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال من طريق عمارة بن غزية عن نعيم وزاد في هذه الرواية أن أبا هريرة قال: (( هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ ) )فأفاد رفعه، وفيه رد على من زعم أن ذلك من رأي أبي هريرة بل هو من روايته ورأيه معًا انتهى.

(فَقَالَ) بالفاء، وللأربعة: بحذف حرف العطف على الاستئناف البياني، كأن قائلًا قال: ثم ماذا فعل؟ فقال: قال: (إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ) وفي رواية أبي ذر: .

(صلى الله عليه وسلم يَقُولُ) بلفظ المضارع، وإنما عبر به بعد تعبيره بسمعت الماضي استحضارًا للصورة الماضية أو حكاية عنها (إِنَّ أُمَّتِي) أي: أمة الإجابة وهم المسلمون جعلنا الله منهم، وقد تطلق أمة محمد ويراد بهم أمة الدعوة وليست مرادة هنا (يُدْعَوْنَ) مبني للمفعول، من دعا بمعنى نادى؛ أي: ينادونه أو دعا بمعنى سمى؛ أي: يسمون؛ أي: تدعوهم الملائكة إلى الحساب أو الجنة أو الحوض أو يسمونهم.

(يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ظرف ليدعون على كلا الاحتمالين (غُرًّا مُحَجَّلِينَ) منصوب على الحال على المعنى الأول، ومفعول ثان على المعنى الثاني.

وقال الزركشي: غرًا محجلين فيه وجهان:

أحدهما: أنه مفعول لـ (( يدعون ) )على تضمينه يسمون.

وثانيهما: أنه حال؛ أي: يدعون إلى يوم القيامة وهم بهذه الصفة، فيتعدى (( يدعون ) )في المعنى بالحرف كقوله تعالى: {يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللّهِ} [آل عمران:23] انتهى.

أقول: وفي تقديره معمول يدعون لفظ إلى يوم القيامة نظر لما يلزم عليه من اللغوية؛ لأن يوم القيامة في الحديث ظرف ليدعون، فيصير حاصل المعنى أنهم يدعون في يوم القيامة إلى يوم القيامة، فالأولى تقديره إلى الحساب أو إلى الجنة ونحو ذلك كما تقدم.

فإن قلت: لعله لا يقدر إلى يوم القيامة بل يكون مراده أن يوم القيامة المذكور في الحديث منصوب على التوسع بحذف حرف الجر كقوله: تمرون الديار.

قلت: تعقبه في ذلك الدماميني فقال: إن حذف مثل هذا الحرف ونصب المجرور بعد حذفه غير مقيس، ولنا مندوحة عن ارتكابه بأن يجعل يوم القيامة ظرفًا أي يدعون فيه غرًا محجلين، ولا نزاع فيه انتهى.

وقوله: (( غرًا ) )بضم الغين المعجمة وتشديد الراء جمع أغرّ؛ أي: ذو غرة، وأصل الغرة بياض في جبهة الفرس فوق الدرهم، ثم استعملت في الجمال والشهرة وطيب الذكر، والمراد هنا النور الكائن في وجوه أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

والتحجيل قال الكرماني: بياض في قوائم الفرس أو في ثلاث منها أو في رجليه قل أو كثر بعد أن يجاوز الأرساغ، ولا يجاوز الركبتين والعرقوتين، وإذا كان البياض في قوائمه الأربع فهو محجل أربع، وإن كان في الرجلين جميعًا فهو محجل الرجلين، وإن كان بإحدى رجليه فهو محجل الرجل اليمنى أو اليسرى، وإن كان في ثلاث قوائم دون رجل أو يد فهو محجل ثلاث، ولا يكون التحجيل واقعًا بيد أو يدين ما لم يكن معها أو معهما رجل أو رجلان انتهى.

وقال العيني: فيه تشبيه بليغ حيث شبه النور الذي يكون على موضع الوضوء يوم القيامة بغرة الفرس وتحجيله انتهى.

وفيه تأمل؛ لأن التشبيه البلغ [1] ما جعل فيه المشبه به خبرًا عن المشتبه سواء ذكر المشبه به أم حذف لكن بشرط كونه مرادًا كقولك: زيد أسد أو أسد في مقام الإخبار بالأسد من زيد فليتأمل، وتمامه في (( المطول ) ).

قال في (( الفتح ) ): وقد استدل

ج 1 ص 575

الحليمي بهذا الحديث على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة وفيه نظر؛ لأنه ثبت عند المصنف في قصة سارة مع الملك الذي أعطاها هاجر أن سارة لما هم الملك بالدنو منها قامت تتوضأ وتصلي، وفي قصة جريج الراهب أيضًا أنه قام فتوضأ وصلى ثم كلم الغلام، فالظاهر أن الذي اختصت به هذه الأمة هو الغرة والتحجيل لا أصل الوضوء، وقد صرح بذلك في رواية لمسلم عن أبي هريرة أيضًا مرفوعًا قال: (( سيما ليست لأحد غيركم ) )، وله من حديث حذيفة نحوه، وللطحاوي (( لا يأتي أحد من الأمم ) )كذلك.

و (( سيما ) )بكسر السين المهملة وإسكان الياء الأخيرة؛ أي: علامة، وقد اعترض بعضهم على الحليمي بحديث: (( هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي ) )وهو حديث ضعيف كما تقدم، ولا يصح الاحتجاج به لضعفه، ولاحتمال أن يكون الوضوء من خصائص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم دون أممهم إلا هذه الأمة انتهى.

وفي (( إرشاد الساري ) ): فإن قلت: الغرة والتحجيل في الآخرة صفات لازمة غير منتقلة فكيف يكونان حالين؟.

أجيب: بأن الحال تكون منتقلة أو في حكم المنتقلة إذا كانت وصفًا ثابتًا مؤكدًا نحو قوله تعالى: {هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا} [فاطر:31] ومنه خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها فـ (( أطول ) )حال لازمة غير منتقلة لكنها في حكم المنتقلة؛ لأن المعلوم من سائر الحيوان استواء القوائم الأربع فلا يخبر بهذا الأمر إلا من يعرفه، وكذلك هنا المعلوم من سائر الخلق عدم الغرة والتحجيل، فلما جعل الله ذلك لهذه الأمة دون سائر الأمم صارت في حكم المنتقلة بهذا المعنى، ويحتمل أن تكون هذه علامة لهم في الموقف وعند الحوض ثم تنتقل عنهم عند دخولهم الجنة، فتكون منتقلة بهذا المعنى انتهى.

وأقول: إنما يحتاج إلى هذا التكلف لو كان الانتقال في الحال ملتزمًا، وليس كذلك بل الغالب فيها الانتقال.

قال ابن مالك في (( الخلاصة ) ): وكونه منتقلًا مشتقًا يغلب لكن ليس مستحقًا.

(مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ) كلمة (( من ) )تحتمل التعليل والسببية والابتداء متعلقة بـ (( يدعون ) )أو بما بعده على التنازع، والـ (( آثار ) )جمع أثر وأثر الشيء بقيته، و (( الوضوء ) ): بضم الواو ويجوز فتحها على أنه الماء، قاله ابن دقيق العيد؛ أي: لأن لكلًا منهما دخلا في السببية.

(فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ) أي: قدر (أَنْ يُطِيلَ) من الإطالة (غُرَّتَهُ) بأن يغسل شيئًا من مقدم رأسه وصفحة عنقه زائدًا على قدر الفرض الذي بفعله يحصل أصل الغرة (فَلْيَفْعَلْ) أي: فليطل الغرة والتحجيل.

قال في (( الفتح ) ): واقتصر على إحديهما لدلالتها على الأخرى نحو: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل:81] واقتصر على ذكر الغرة وهي مؤنثة دون التحجيل وهو مذكر؛ لأن محل الغرة أشرف أعضاء الوضوء، وأول ما يقع عليه النظر من الإنسان، على أن في رواية مسلم من طريق عمارة بن غزية ذكر الأمرين ولفظه: (( فليطل غرته وتحجيله ) ).

وقال ابن بطال: كنى أبو هريرة بالغرة عن التحجيل؛ لأن الوجه لا سبيل إلى الزيادة في غسله، وفيما قال نظر؛ لأنه يستلزم قلب اللغة، وما نفاه ممنوع؛ لأن الإطالة ممكنة في الوجه بأن يغسل إلى صفحة العنق مثلًا.

ونقل الرافعي عن بعضهم: أن الغرة تطلق على كل من الغرة والتحجيل.

واختلف العلماء في القدر المستحب من التطويل في التحجيل، فقيل: إلى المنكب والركبة، وقد ثبت عن أبي هريرة رواية ورأيًا، وعن ابن عمر من فعله أخرجه ابن أبي شيبة وأبو عبيد بإسناد حسن، وقيل: المستحب الزيادة إلى نصف العضد والساق، وقيل: إلى فوق ذلك.

وقال ابن بطال وطائفة من المالكية: لا تستحب الزيادة على الكعب والمرفق لقوله صلى الله عليه وسلم: (( من زاد على هذا فقد أساء وظلم ) )وكلامهم معترض من وجوه، ورواية مسلم صريحة في الاستحباب، فلا تعارض بالاحتمال، وأما دعواهم اتفاق العلماء على خلاف مذهب أبي هريرة في ذلك فهي مردودة بما نقلناه عن ابن عمر، وقد صرح باستحبابه جماعة من السلف، وأكثر الشافعية والحنفية، وأما تأويلهم الإطالة المطلوبة بالمدوامة على الوضوء فمعترض بأن الراوي أدرى بما روى، كيف وقد صرح برفعه إلى الشارع صلى الله عليه وسلم انتهى.

وقد حمل ابن عرفة فيما نقله عنه أبو عبد الله الأبي (( الغرة والتحجيل ) )على أنه كناية عن إنارة كل الذات لا أنه مقصور على أعضاء الوضوء، ووقع عند الترمذي من حديث عبد الله بن بسر وصححه: (( أمتي يوم القيامة غر من السجود ومحجلة من الوضوء ) ).

قال في (( المصابيح ) ): وهو معارض بظاهر ما في البخاري انتهى.

وأقول: لا معارضة بين الحديثين لإمكان

ج 1 ص 576

الجمع بينهما بأن يكون للغرة سببان الوضوء والسجود، فيحصل أصل الغرة بالوضوء وتمامها بالسجود، ولا يمتنع أن يكون للشيء سببان أو أسباب كحرارة الماء فإنها تحصل بالنار وبالشمس مثلًا، وقد اختلف في قوله: (( فمن استطاع ... إلخ ) )هل هو من الحديث أو مدرج من قول أبي هريرة؟.

قال في (( الفتح ) ): ظاهره أنه بقية الحديث، لكن رواه أحمد من طريق فليح عن نعيم وفي آخره قال نعيم: لا أدري، قوله: (( من استطاع ... إلخ ) )من قول النبي صلى الله عليه وسلم أو من قول أبي هريرة، ولم أر هذه الجملة في رواية أحد ممن روى هذا الحديث من الصحابة وهم عشرة، ولا ممن رواه عن أبي هريرة غير رواية نعيم هذه والله أعلم انتهى.

وفي الحديث دليل على جواز الوضوء على ظهر المسجد، وهو من باب الوضوء في المسجد، وقد كرهه قوم وأجازه الأكثرون، ومن كرهه كرهه لأجل التنزيه كما ينزه عن البصاق والنخامة، وحرمة أعلى المسجد كحرمة داخله، وممن أجازه في المسجد ابن عباس وابن عمر وعطاء والنخعي وطاووس، وهو قول ابن القاسم وأكثر العلماء، وكرهه ابن سيرين وهو قول مالك وسحنون.

وقال ابن المنذر: أباح كل من يحفظ العلم الوضوء فيه إلا أن يبله ويتأذى به الناس فإنه يكره، وصرح جماعة من الشافعية بجوازه فيه وأن الأولى أن يكون في إناء.

قال البغوي: ويجوز نضحه بالماء المطلق ولا يجوز بالمستعمل لأن النفس تعافه.

وقال أصحابنا الحنفية: يكره الوضوء في المسجد إلا أن يكون في موضع منه قد أعد له، كذا في العيني.

وفيه: ما بوب له وهو إطالة الغرة والتحجيل.

وفيه: استحباب المحافظة على الوضوء وسننه المشروعة فيه وإسباغه.

وفيه: ما أعد الله من الفضل والكرامة لأهل الوضوء يوم القيامة.

وفيه: دلالة قطعية على أن وظيفة الرجلين غسلهما ولا يكفي مسحهما.

وفيه: ما أطلع الله نبيه عليه من المغيبات المستقبلة التي لم يطلع عليها نبيًا غيره من أمور الآخرة وصفات ما فيها.

وفيه: قبول خبر الواحد وهو مستفيض في الأحاديث.

وفيه: دليل على وقوع يوم القيامة والنشور.

[1] لعل الصواب: (( البليغ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت