وبالسند إلى المؤلف قال:
139 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبي (عَنْ مَالِكٍ) إمام دار الهجرة (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) ابن أبي عياش أبي محمد المدني مولى الزبير بن العوام، ويقال: مولى أم خالد زوجة الزبير القرشي، وهو أخو محمد وإبراهيم، وكان إبراهيم أكبر من موسى، روى عن كريب وأم خالد الصحابية وغيرهما، وعنه مالك والسفيانان وغيرهم، وكان من المفتين الثقات، ومغازيه أصح المغازي كما قاله مالك وغيره، توفي سنة إحدى وأربعين ومائة، وليس في الكتب الستة من اسمه موسى بن عقبة غيره.
(عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ) بضم الهمزة (بْنِ زَيْدٍ) ابن حارثة بن شراحيل القضاعي الكلبي أمه أم أيمن حاضنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت مولاة لأبيه عبد الله، فأسامة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن مولاه، وحبه وابن حبه، وكان نقش خاتمه حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة، وقبض صلى الله عليه وسلم وهو ابن عشرين سنة، روي له مائة حديث وثمانية وعشرون حديثًا، اتفقا منها على خمسة عشر حديثًا، وانفرد البخاري بحديثين، فيكون له في البخاري سبعة عشر حديثًا كما في الكرماني والعيني.
فقول القسطلاني: له في البخاري أحد عشر حديثًا فيه نظر، ولعله سبق قلم من الناسخ، مات بوادي القرى بعد مقتل عثمان سنة أربع وخمسين على الأصح، وهو ابن خمس وخمسين سنة، وذكر الله تعالى أباه زيد في القرآن باسمه، كذا في العيني.
وانظر قوله: ابن خمس وخمسين سنة، مع قوله قبله: وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن عشرين سنة، فإن مقتضاه أن يكون مولده قبل الهجرة بعشر سنين، وإذا كانت وفاته سنة أربع وخمسين من الهجرة يكون مات وهو ابن أربع وستين سنة فليحرر.
(أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) قال في (( النهاية الأثيرية ) ): دفع من عرفات؛ أي: ابتداء السير، ودفع نفسه منها أو دفع ناقته وحملها على السير (مِنْ) وقوف (عَرَفَةَ) بعرفات الأول غير منون، وهو اسم زمان لأنه علم على اليوم التاسع من ذي الحجة، وأما عرفات فاسم مكان مشهور، وهو الموضع الذي يقف فيه الحاج سمي بلفظ الجمع المؤنث السالم، فهو ملحق به في النصب بالكسرة.
وقال الفراء: لا واحد له بصحة، وقول الناس: نزلنا عرفة شبيه بالمولد، وليس بعربي محض انتهى.
وقال الجوهري: قولهم: نزلنا عرفة مولد انتهى.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (( الحج عرفة ) )فمعناه معظم أركان الحج يوم عرفة؛ لأن فيه الوقوف بعرفات والإحرام وهما معظم أركانه؛ لأن أركانه ثلاثة هذان والطواف بالبيت، وقيل: عرفة وعرفات اسمان للمكان المخصوص، فعلى هذا لا حاجة إلى التأويل، وسميت بعرفات؛ لأن آدم عرف حواء بها، فإن الله تعالى أهبط
ج 1 ص 582
آدم بالهند، وحواء بجدة، فتعارفا في الموقف، أو لأن جبريل عليه السلام عرف إبراهيم عليه السلام المناسك هناك، أو للجبال التي فيها والجبال هي الأعراف وكل نات فهو عرف، ومنه عرف الديك، أو لأن الناس يعترفون فيها بذنوبهم ويسألون غفرانها. وقيل: لأنها مكان مقدس معظم كأنه قد عرف؛ أي: طيب.
(حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ) بكسر المعجمة وإسكان المهملة، وهو الطريق في الجبل والمراد به هنا الشعب المعهود للحاج (نَزَلَ) أي: عن دابته (فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ) أي: بماء زمزم كما أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في (( زوائد ) )مسند أبيه بسند حسن من حديث علي بن أبي طالب، وبه ردوا على من منع استعمال ماء زمزم في غير الشرب.
(وَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ) ظاهره أنه لم يكمله بأن لم يبلغ في غسل كل عضو إلى حده المأمور به شرعًا، وليس بمراد، بل المراد أنه خففه، ويؤيده ما جاء في رواية مسلم (( فتوضأ وضوءًا خفيفًا ) )ويقال: معناه لم يكمله يعني توضأ مرة مرة لكن بالإسباغ، وقيل: معناه خفف استعمال الماء بالنسبة إلى غالب عاداته، وقيل: المراد به الوضوء اللغوي؛ أي: اقتصر على بعض الأعضاء وهو بعيد، وأبعد منه ما قيل أن المراد به الاستنجاء كما قاله عيسى بن دينار وجماعة، ومما يوهنه رواية البخاري الآتية في باب الرجل يوضئ صاحبه: (( أنه صلى الله عليه وسلم عدل إلى الشعب فقضى حاجته فجعلت أصب الماء عليه ويتوضأ ) )إذ من المعلوم أن أسامة لا يصب عليه الماء للاستنجاء.
(فَقُلْتُ: الصَّلاَةَ) بالنصب على الإغراء، وقيل: على تقدير أتريد الصلاة أو تصلي الصلاة.
قال في (( الفتح ) ): ويؤيده قوله في رواية تأتي: (( فقلت: أتصلي يا رسول الله ) )ويجوز الرفع والتقدير: حانت الصلاة.
(يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ) ولأبوي ذر والوقت: (الصَّلاَةُ) بالرفع على الابتداء (أَمَامَكَ) بفتح الهمزة خبره؛ أي: قدامك.
وقال الخطابي: يريد أن موضع هذه الصلاة المزدلفة وهي أمامك. وهذا تخصيص لعموم الأوقات المؤقتة للصلوات الخمس ببيان فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه دليل على أنه لا يصليها الحاج إذا أفاض من عرفات حتى يبلغها وأن عليه أن يجمع بينها وبين العشاء بجمع على ما سنه الرسول صلى الله عليه وسلم بفعله وبينه بقوله، ولو أجزأته في غير ذلك المكان لما أخرها عن وقتها المؤقت لها في سائر الأيام انتهى.
وتعقبه الكرماني فقال: ليس فيه دليل على أنها لا تجوز إذ فعله المجرد لا يدل إلا على الندب والملازمة في شرطية قوله لما أخرها ممنوعة؛ لأن ذلك لبيان جواز تأخيرها، أو بيان ندبية التأخير إذ الأصل عدم الجواز انتهى.
ورده العيني فقال: لا نسلم نفي الدليل على عدم الجواز؛ لأن فعله قارنه قوله، فدل على عدم الجواز، وإنما يتمشى كلامه أن لو كان أسامة عالمًا بالسنة، ولم يكن يعلم ذلك لأنه صلى الله عليه وسلم أول ما سنها في حجة الوداع، والموضع موضع الحاجة إلى البيان، فقران فعله بقوله دليل على عدم الجواز، ووجوب تأخيرها إلى غير وقتها المعهود انتهى.
(فَرَكِبَ) أي: النبي صلى الله عليه وسلم من الشعب وسار (فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ) هي موضع من الحرم بين عرفات ومنى يلتقط الحجاج منها حصى الجمار وتسمى جمعًا أيضًا، قيل: لأن آدم عليه السلام اجتمع فيها مع حواء وازدلف إليها؛ أي: دنا منها، وعن قتادة لأنه يجمع فيها بين الصلاتين.
قال الكرماني: ويجوز أن يقال: وصفت بفعل أهلها لأنهم يزدلفون إلى الله تعالى؛ أي: يتقربون بالوقوف فيها إليه.
(نَزَلَ) عن دابته (فَتَوَضَّأَ) بماء زمزم أيضًا (فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ) أي: أتمه أخذًا بالأفضل والأكمل على عادته، وهذا موضع المطابقة للترجمة.
قال الخطابي: وفيه دليل على مشروعية إعادة الوضوء من غير أن يفصل بينهما بصلاة.
قال في (( الفتح ) ): وفيه نظر لاحتمال أن يكون أحدث.
وقال العيني: استدلال الخطابي بالحديث على ما ادعاه غير تام.
قال القسطلاني: فإن قلت: لم أسبغ هذا الوضوء وخفف ذاك؟.
أجيب: بأن الأول لم يرد به الصلاة، وإنما أراد به دوام الطهارة.
(ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ) قبل حط الرحال لقوله: (ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ) منا (بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ) كيلا يذهب إلى غيره فيشوش عليه خشوعه (ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ فَصَلَّى وَلَمْ يُصَلِّ) بتشديد اللام (بَيْنَهُمَا) أي: لم يفصل بينهما بسنة المغرب ولا بسنة العشاء القبلية.
قال الكرماني: قال الخطابي: وفيه بيان أن لا آذان لكل واحدة منهما، ولكن يقام لكل صلاة، وفيه أن يسير العمل إذا تخلل بين الصلاتين غير قاطع نظام الجمع بينهما
ج 1 ص 583
لقوله: (( ثم أناخ ) )ولكنه لا يتكلم فيما بينهما.
وأقول: ليس فيه دليل على عدم قطع اليسير وعلى قطع الكثير، بل يدل على عدم القطع مطلقًا يسيرًا أو كثيرًا، وكذا ليس فيه ما يدل على عدم جواز التكلم بينهما، وهذا حكم جمع التأخير إذ لا يشترط فيه الولاء، وأما مسألة الأذان فقد ثبت في رواية جابر في حديثه الطويل في حجة الوداع: (( أنه صلى الله عليه وسلم صلى بالمزدلفة المغربين بأذان واحد وإقامتين ) )وزيادة الثقة مقبولة، وهذا الحديث ليس فيه إلا عدم التعرض له لا التعرض لعدمه انتهى.
والمصرح به في كتب الحنفية أنه يصلي المغرب والعشاء بآذان وإقامة، وفي الحديث دليل لأبي حنيفة ومحمد فيما ذهبا إليه من وجوب تأخير صلاة المغرب إلى وقت العشاء حتى لو صلى المغرب في الطريق لم يجزئه، وعليه إعادتها مالم يطلع الفجر، وبه قال زفر وجماعة من الكوفيين.
وقالت الشافعية: لو جمع بينهما في وقت المغرب في أرض عرفات، أو في الطريق، أو في موضع آخر أوصلى كل صلاة في وقتها جاز جميع ذلك، وإن خالف الأفضل، وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين، وهو قول الأوزاعي وأبي يوسف وأشهب وفقهاء أصحاب الحديث، قاله العيني.
وفيه عدم وجوب الموالاة في جمع التأخير فإنه وقع الفصل بينهما بإناخة كل إنسان بعيره في منزله، وفيه الإقامة لكل من صلاتي الجمع وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد.
وقال القاضي عياض: هو مذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود.
وقال سعيد بن جبير والثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: بأذان واحد وإقامة واحدة، وهو المروي عن جابر وعبد الله بن عمر وأبي أيوب الأنصاري.
وفيه مشروعية تنبيه المفضول الفاضل إذا خاف عليه النسيان لما كان فيه من الشغل لقول أسامة (( الصلاة يا رسول الله ) ).
وفيه الترخص بترك النافلة في السفر، كذا استنبطه المهلبي من قوله: (( ولم يصل بينهما ) )وفيه نظر؛ لأن ذاك لعارض الجمع والفقهاء متفقون على اختيار التنفل في السفر، ورخص فيه التنفل راكبًا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم تنفل فيه راجلًا وراكبًا.
وفيه اشتراك المغرب والعشاء في الوقت في جمع خاصة، وكذا اشتراك الظهر والعصر في الوقت في عرفة خاصة، وهذا عند الحنفية؛ لأن الجمع عندهم للشك خلافًا للشافعية فإن الجمع عندهم للسفر، فلا يجمع عندهم من كان من أهل منى ومزدلفة.
قال ابن بطال: وفيه أن يسير العمل إذا تخلل بين الصلاتين غير قاطع لنظام الجمع بينهما لقوله (( ثم أناخ ) )لكنه لا يتكلم وتقدم ذلك عن الخطابي وتعقبه العيني.