وبالسند إلى المؤلف قال:
140 - (حَدَّثَنَا) وللأصيلي: بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) ابن أبي زهير البغدادي المعروف بصاعقة لقب بذلك لسرعة حفظه وشدة ضبطه، روى عن يزيد بن هارون وروح وطبقتهما وعنه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وآخرون، وكان بزازًا ومفتيًا حافظًا، مات في شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين.
ج 1 ص 584
(قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأصيلي: (أَبُو سَلَمَةَ) بفتحات (الْخُزَاعِيُّ) بضم الخاء المعجمة (مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ) البغدادي الثقة الحافظ، روى عن مالك وغيره، وعنه الصاغاني وغيره، خرج إلى الثغر فمات بالمصيصة سنة عشرين ومائتين، وقيل: ستة عشر، وقيل: سنة سبع أوتسع ومائتين.
قال في (( الفتح ) ): وقد أدركه البخاري لكنه لم يلقه.
(قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ بِلاَلٍ، يَعْنِي سُلَيْمَانَ) أي: السابق في باب أمور الإيمان.
قال الكرماني: يعني يحتمل أن تكون من كلام محمد بن عبد الرحيم أو كلام البخاري.
(عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) بفتح الهمزة (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بفتح التحتية وبالمهملة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (أَنَّهُ تَوَضَّأَ) قال في (( الفتح ) ): زاد أبو داود في أوله من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم: (( أتحبون أن أريكم كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟ فدعا بإناء فيه ماء ) )، وللنسائي من طريق محمد بن عجلان عن زيد في أول الحديث: (( توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فغرف غرفة ) )انتهى.
(فَغَسَلَ وَجْهَهُ) من باب عطف المفصل على المجمل ثم بين الغسل على طريق الاستئناف البياني كأن قائلًا قال له: كيف غسل وجهه؟ فقال: (أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَمَضْمَضَ بِهَا) وفي رواية الأصيلي وابن عساكر: .
قال ابن سيده: يقال: مضمض وتمضمض، والمضمضة إدارة الماء في الفم، وكمالها أن يجعل الماء في فيه ثم يديره ويمجه، وأقلها أن يجعل الماء في فيه، ولا يشترط إدراته على مشهور مذهب الشافعي.
وقال جماعة من أصحابه: يشترط، وأصل المضمضة التحريك ومنه مضمض النعاس في عينيه إذا تحرك، واستعمل في المضمضة لتحريك الماء في الفم، كذا في العيني.
(وَاسْتَنْشَقَ) من الاستنشاق، وهو إدخال الماء في الأنف.
وقال ابن طريف: نثر الماء من أنفه دفعة، وفي الغريبين يستنشق؛ أي: يبلغ الماء خياشيمه. وفي العباب: استنشقت الماء وغيره إذا أدخلته في الأنف واستنشقت الريح شممتها.
قال في (( المنحة ) ): ذكرهما في غسل الوجه وليسا منه لكونهما في الوجه فأعطيا حكمه، وهما عند الشافعي ومالك سنتان في الوضوء والغسل، وعند أحمد واجبان فيهما، وعند أبي حنيفة واجبان في الغسل فقط انتهى.
وقال في (( الفتح ) ): وفيه دليل الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة انتهى.
أقول: وهذه إحدى الكيفيات عندهم وهي ست مذكورة في كتب الفقه، وأفضلها: أن يتمضمض ويستنشق بثلاث غرفات يتمضمض من كل واحدة منها ثم يستنشق، وعند الحنفية يتمضمض بثلاث غرفات ثم يستنشق بثلاث غرفات، وهما سنتان مؤكدتان مشتملتان على سنن خمس: الترتيب والتثليث وتجديد الماء وفعلهما باليمنى والمبالغة فيهما بالغرغرة ومجاوزة المارن لغير الصائم، وسر تقديمهما اعتبار أوصاف الماء؛ لأن لونه يدرك بالبصر وطعمه بالفم وريحه بالأنف كذا في (( الدر المختار ) ).
قال العيني: واحتج أصحابنا الحنفية بما رواه الترمذي حدثنا هناد وقتيبة قالا: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي حية قال: (( رأيت عليًا رضي الله عنه يتوضأ فغسل كفيه حتى أنقاهما، ثم مضمض ثلاثًا واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا، ومسح برأسه مرة، ثم غسل قدميه إلى الكعبين، ثم قام فأخذ فضل طهوره فشربه وهو قائم، ثم قال: أحببت أن أريكم كيف كان طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )وقال: هذا حديث حسن صحيح انتهى.
(ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا) ثم فسر ما وقعت عليه الإشارة بقوله: (أَضَافَهَا) أي: الغرفة (إِلَى يَدِهِ الأُخْرَى) أي: جعل الماء الذي في يده في يديه جميعًا لكونه أمكن في غسل الوجه؛ لأن اليد الواحدة قد لا تستوعب غسله.
(فَغَسَلَ بِها وَجْهَهُ) وللأصيلي وكريمة: أي: بيديه، وظاهر قوله: (( أنه توضأ فغسل وجهه ) )مع قوله: (( أخذ غرفة ) )أن المضمضة والاستنشاق من جملة غسل الوجه، لكن المراد بالوجه أولًا ما هو أعم من المفروض والمسنون بدليل أنه أعاد ذكره ثانيًا بعد ذكر المضمضة والاستنشاق بغرفة مستقلة، قاله القسطلاني.
وظاهر سياق الحديث يقتضي أن غسل الوجه كان مرة، وكذا بقية أعضاء الوضوء اقتصارًا على أقل مجزئ فيه، وهل كانت المضمضة والاستنشاق كذلك أم ثلث فيهما؟ كل محتمل ولا يتعين أحدهما إلا بحكاية ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم بالتنصيص على المرة أو التثليث.
(ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ) قال العيني: كلمة من للبيان مع إفادة التبعيض انتهى.
أقول: فيه نظر؛ لأن من البيانية تنافي التبعيض؛ لأن ما قبلها عين مجرورها لا بعض منه كقوله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} [الحج:30] ؛ أي: الرجس الذي هو الأوثان، بخلاف الغرفة فإنها ليست عين الماء وإنما هي جزء منه، فالظاهر أنها متمحضة لإفادة التبعيض.
(فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُمْنَى) أي: مرة (ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُسْرَى) كذلك (ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ) قال في الفتح: لم يذكر لها غرفة مستقلة، فقد يتمسك بها من يقول بطهورية الماء المستعمل، لكن في رواية أبي داود: (( ثم قبض قبضة من الماء، ثم نفض يده، ثم مسح رأسه ) ).
زاد النسائي من طريق عبد العزيز الدراوردي عن زيد: (( وأذنيه مرة واحدة ) )، ومن طريق ابن عجلان: (( باطنهما بالسبابتين، وظاهرهما بإبهاميه ) )، وزاد ابن خزيمة من هذا الوجه: (( وأدخل إصبعيه فيهما ) )انتهى.
أقول: وبما وقع به التصريح في هذه الرواية يستغنى عن ما قدره
ج 1 ص 585
الكرماني حيث قال: وعند لفظ: (( ثم مسح برأسه ) )تقدير إذ لا يجوز المسح بما غسل به يده، وذلك نحو أن يقدر: ثم بل يده فمسح برأسه انتهى.؛ لأن الروايات يفسر بعضها بعضًا.
(ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَرَشَّ) أي: صب الماء قليلًا قليلًا (عَلَى رِجْلِهِ الْيُمْنَى) المراد بالرش هنا الغسل بدليل قوله: (حَتَّى غَسَلَهَا) وعبر به تنبيهًا على الاحتراز عن الإسراف؛ لأن الرجل مظنته في الغسل.
(ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً أُخْرَى، فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ، يَعْنِي الْيُسْرَى) ولأبوي ذر والوقت: والقائل يعني ليس عطاء بل زيد بن أسلم أو من دونه، قاله في (( الفتح ) ).
وفيه أيضًا: وأما ما وقع عند أبي داود والحاكم: (( فرش على رجله اليمنى وفيها النعل ثم مسحها بيديه يد فوق القدم ويد تحت النعل ) )فالمراد بالمسح تسييل الماء حتى يستوعب العضو، وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ في النعل كما سيأتي عند المصنف من حديث ابن عمر.
وأما قوله: تحت النعل، فإن لم يحمل على التجوز عن القدم وإلا فهي رواية شاذة وراويها هشام عن سعيد لا يحتج بما ينفرد به، فكيف إذا خالف؟ ثم قال: وذكر ابن التين أنه رواه بلفظ: (( فعل بها رجله ) )بالعين المهملة واللام المشددة، قال: فلعله جعل الرجلين بمنزلة العضو الواحد فعد الغسلة الثانية تكريرًا؛ لأن العل هو الشرب الثاني انتهى. وهو تكلف ظاهر والحق أنه تصحيف انتهى.
(ثُمَّ قَالَ) ابن عباس رضي الله عنهما (هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) حال كونه يتوضأ وهو حكاية حال ماضية، وفي رواية ابن عساكر: فهي حال بتقدير قد، وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم من الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة، وجواز الوضوء مرة مرة.
قال العيني: وهو مجمع عليه، وفيه غسل الوجه باليدين جميعًا إذا كان بغرفة واحدة؛ لأن اليد الواحدة قد لا تستوعبه.
وفيه: البدائة باليمين وهو سنة بالإجماع، وهذا بالنسبة إلى اليدين والرجلين، أما الخدان والأذنان وغسل الكفين في ابتداء الوضوء فلا تيامن فيهما بل يغسلان معًا.
وفيه أن مسح الرأس بغير ماء جديد، واحتج به بعضهم على أنه يمسح رأسه بفضل ماء الذراع كما ورد في (( سنن أبي داود ) ): (( أنه صلى الله عليه وسلم مسح رأسه بفضل ماء كان في يده ) )وهذا قول الأوزاعي والحسن وعروة.
وقال الشافعي ومالك: لا يجزئه أن يمسح بفضل ذراعيه ولا لحيته.
قال العيني: وقد قلنا أن في الكلام حذفًا دل عليه ما رواه أبو داود (( ثم قبض قبضة من الماء ثم نفض يده ثم مسح رأسه ) )فافهم انتهى.