وبالسند إلى المؤلف قال:
144 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) ابن أبي إياس (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب نسبه لجد جده لشهرته به (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي نسخة: بالجمع.
(الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ) من الزيادة (اللَّيْثِيِّ) ثم الجندعي بضم الجيم وسكون النون وضم الدال المهملة المدني التابعي المتوفى سنة سبع أو خمس ومائة (عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) خالد بن زيد بن كليب الخزرجي.
(الأَنْصَارِيِّ) الصحابي الجليل، ثم الشامي شهد بدرًا والعقبة والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة شهرًا قبل أن تبنى مساكنه ومسجده، وقدم على ابن عباس البصرة، قال: إني أخرج من مسكني لك كما خرجت لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسكنك، فأعطاه ما أغلقت عليه الدار، وعشرين ألفًا وأربعين عبدًا، وهو ممن غلبت عليه كنيته، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة وخمسة وخمسون حديثًا اتفقا منها على سبعة، وانفرد البخاري بحديث، وكان مع علي رضي الله عنه في حروبه، ومات بالقسطنطينية غازيًا سنة خمسين، وقيل: إحدى وخمسين، وقيل: اثنين وخمسين وهو الأكثر كما في الاستيعاب مع يزيد بن معاوية رضي الله عنه زمن أبيه فمرض فلما ثقل قال لأصحابه: إذا أنا مت فاحملوني، فإذا صاففتم العدو فادفنوني تحت أقدامكم، ففعلوا فقبره قريب من سورها معروف مشهور معظم جدًا، يستسقون به فيسقون، بنى عليه السلطان محمد، فاتح القسطنطينية قبة عظيمة وجامعًا عظيمًا بخطبة، وكثرت العمائر والدور عند مرقده الشريف حتى صارت مدينة مستقلة، وقد زرته ولله الحمد والمنة مرارًا في رحلتي إلى الروم.
قال في (( الكشاف ) )في قوله تعالى: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة:195] : والمعنى النهي عن ترك الإنفاق في سبيل الله لأنه سبب الهلاك، أو عن الإسراف في النفقة حتى يفقر نفسه ويضيع عياله، أو عن الاستقتال والإخطار بالنفس، أو عن ترك الغزو الذي هو تقوية للعدو، روي أن رجلًا من المهاجرين حمل على صف العدو، فصاح به الناس: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب الأنصاري: نحن أعلم بهذه الآية وإنما أنزلت فينا، صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصرناه وشهدنا معه المشاهد، وآثرناه على أهالينا وأموالنا وأولادنا، فلما فشا الإسلام وكثر أهله، ووضعت الحرب أوزارها رجعنا إلى أهالينا وأولادنا وأموالنا نصلحها ونقيم فيها، كانت التهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد انتهى.
(قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِذَا أَتَى) أي: جاء (أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ) أي: المكان المطمئن لقضاء الحاجة، والمراد به هنا ما يشمل البول وإن اشتهر في العذرة فقط (فَلاَ يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ) بكسر اللام لالتقاء الساكنين على النهي، وبضمها على النفي روايتان، والنفي هنا بمعنى النهي فهما سواء في المعنى، ولهذا اتفقت الروايات على حذف الياء في قوله: (وَلاَ يُوَلِّهَا) على الجزم.
وقوله: (ظَهْرَهُ) مفعول ثان ليولها؛ أي: لا يجعلها خلف ظهره، والمعنى لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ببول ولا غائط.
قال العيني: وقد يكون التولي بمعنى الاستقبال نحو، {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ} .
وفي (( الفتح ) ): (( ولا يولها ظهره ) )أي: لا يجعلها مقابل ظهره، ولمسلم: (( ولا يستدبرها ) )وزاد (( ببول أو غائط ) )والغائط الثاني غير الأول، أطلق على الخارج من الدبر مجازًا، من إطلاق اسم المحل على الحال كراهية لذكره بصريح اسمه، وحصل من ذلك جناس تام، والظاهر من قوله (( ببول ) )اختصاص النهي بخروج
ج 1 ص 592
الخارج من العورة، ويكون مثار النهي إكرام القبلة عن المواجهة بالنجاسة، ويؤيده قوله في حديث جابر: (( إذا أهرقنا الماء ) )وقيل: مثار النهي كشف العورة، وعلى هذا فيطرد في كل حالة تكشف فيها العورة كالوطء مثلًا، وقد نقله ابن شاش المالكي قولًا في مذهبهم، وكأن قائله تمسك برواية في (( الموطأ ) ): (( لا تستقبلوا القبلة بفروجكم ) )ولكنها محمولة على المعنى الأول؛ أي: حال قضاء الحاجة جمعًا بين الروايتين انتهى.
(شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا) بفتح أولهما وكسر ثانيهما مشددًا؛ أي: خذوا في قضاء حاجتكم جهة المشرق أو جهة المغرب، وفيه الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، وهذا لأهل المدينة ومن كانت قبلتهم على سمتهم، أما من قبلته إلى جهة المشرق أو المغرب، فإنه ينحرف إلى جهة الجنوب أو الشمال، ثم إن هذا الحديث يدل على عموم النهي في الصحراء والبنيان، وهو مذهب أبي حنيفة ومجاهد وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري، وأحمد في رواية عنه، وهو مذهب الراوي للحديث وهو أبو أيوب الأنصاري، ولأن المنع لأجل تعظيم القبلة وهو موجود في الصحراء والبنيان، والجواز في البنيان إن كان لوجود الحائل فهو موجود في الصحراء في البلاد النائية؛ لأن بينها وبين الكعبة جبالًا وأودية وغير ذلك، لاسيما عند من يقول بكرية الأرض، فإنه لا موازاة آنذاك بالكلية، وما ورد من قول الشعبي أنه علل ذلك بأن لله خلقًا من عباده يصلون في الصحراء، فلا تستقبلوهم ولا تستدبروهم، وأنه لا يوجد في الأبنية، فهو تعليل في مقابلة النص.
ولهم في ذلك أحاديث أخرى كلها عامة في النهي:
منها: حديث عبد الله بن الحارث بن جزء: (( أنا أول من سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا يبولن أحدكم مستقبل القبلة، وأنا أول من حدث الناس بذلك ) ). فإن قلت: قال ابن يونس في (( تاريخه ) ): هو حديث معلول، قلت: لا التفات إلى قوله هذا، فإن ابن حبان قد صححه.
ومنها: حديث معقل بن أبي معقل: (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تستقبل القبلتين ببول أو غائط ) )أخرجه ابن ماجه وأبو داود، وأراد بالقبلتين الكعبة وبيت المقدس، ويحتمل أن يكون على معنى الاحترام لبيت المقدس إذ كان مرة قبلة لنا، ويحتمل أن يكون ذلك من أجل استدبار الكعبة؛ لأن من استقبله فقد استدبر الكعبة.
ومنها: حديث سلمان رضي الله عنه: (( لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول ) )الحديث أخرجه مسلم والأربعة.
ومنها: حديث أبي هريرة: (( إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ) )الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي، كذا في العيني.
وخص الشافعية والمالكية وإسحاق وأحمد في رواية هذا العموم بحديث ابن عمر الآتي الدال على جواز الاستدبار في الأبنية، وحديث جابر عند أحمد وأبي داود وابن خزيمة الدال على جواز الاستقبال فيها.
قال في (( الفتح ) ): ولولا ذلك لكان حديث أبي أيوب لا يخص من عمومه بحديث ابن عمر إلا جواز الاستدبار فقط، ولا يقال يلحق به الاستقبال قياسًا؛ لأنه لا يصح إلحاقه به لكونه فوقه، وقد تمسك به قوم فقالوا: بجواز الاستدبار دون الاستقبال حكي عن أبي حنيفة وأحمد، وهو قول أبي يوسف، وبالتفريق بين البنيان والصحراء مطلقًا.
قال الجمهور: وهو مذهب مالك والشافعي وإسحاق وهو أعدل الأقوال لإعماله جميع الأدلة، ويؤيده من جهة النظر ما تقدم عن ابن المنير أن الاستقبال في البنيان يضاف إلى الجدار عرفًا، وبأن الأمكنة المعدة لذلك مأوى الشياطين، فليست صالحة لكونها قبلة بخلاف الصحراء فيهما، وقال قوم بالتحريم مطلقًا، وهو المشهور عن أبي حنيفة وأحمد، وقال به أبو ثور صاحب الشافعي، ورجحه من المالكية ابن العربي، ومن الظاهرية ابن حزم، وحجتهم أن النهي يقدم على الإباحة، ولم يصححوا حديث جابر الذي أشرنا إليه، وقال قوم بالجواز مطلقًا، وهو قول عائشة وعروة وربيعة وداود، واعتلوا بأن الأحاديث تعارضت فلنرجع إلى أصل الإباحة، فهذه المذاهب الأربعة مشهورة عن العلماء، ولم يحك النووي في شرح المهذب غيرها انتهى ملخصًا.
ثم قال: وهناك ثلاثة مذاهب أخرى:
منها: جواز الاستدبار في البنيان فقط، تمسكًا بظاهر حديث ابن عمر، وهو قول أبي يوسف.
ومنها: التحريم مطلقًا حتى في القبلة المنسوخة،
ج 1 ص 593
وهي بيت المقدس، وهو يحكى عن إبراهيم وابن سيرين.
ومنها: أن التحريم مختص بأهل المدينة ومن كان على سمتها، فأما من كانت قبلته في جهة المشرق أو المغرب، فيجوز له الاستقبال والاستدبار مطلقًا، لعموم قوله: (( شرقوا أو غربوا ) )قاله أبو عوانة صاحب المزني، وعكسه البخاري فاستدل به على أنه ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة كما سيأتي في باب قبلة أهل المدينة من كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى انتهى ملخصًا.