فهرس الكتاب

الصفحة 261 من 1465

وبالسند إلى المؤلف رحمه الله تعالى قال:

145 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التنيسي (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) ابن أنس إمام دار الهجرة (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) بكسر العين الأنصاري المدني (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ) بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة، البخاري نسبة إلى بني النجار أخوال النبي صلى الله عليه وسلم، كان له حلقة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان مفتيًا ثقة كثير الحديث، مات بالمدينة سنة إحدى وعشرين ومائة.

(عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ) بالسين والعين المهملتين (بْنِ حَبَّانَ) بفتح الحاء، الأنصاري البخاري المازني الثقة، قيل: إن له رؤية، فلذلك ذكر في الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأبوه حبان بن منقذ له ولأبيه صحبة.

(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) ابن الخطاب رضي الله عنهما (أَنَّهُ) أي: عبد الله بن عمر، كما صرح به مسلم.

(كَانَ يَقُولُ: إِنَّ نَاسًا) كأبي هريرة وأبي أيوب الأنصاري ومعقل الأسدي وغيرهم، ممن يرى عموم النهي في استقبال القبلة واستدبارها (يَقُولُونَ إِذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ) كناية عن التبرز، وذكر القعود لكونه الغالب، وإلا فلا فرق بينه وبين حالة القيام.

(فَلاَ تَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلاَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ) فيه لغتان مشهورتان، فتح الميم وسكون القاف وكسر الدال مخففة وضم الميم، وفتح القاف والدال المشددة المفتوحة، والمشدد معناه المطهر، والمخفف لا يخلو إما أن يكون مصدرًا أو مكانًا، ومعناه بيت المكان الذي جعل فيه الطهارة، أو بيت مكان الطهارة، وتطهيره إخلاؤه من الأصنام وإبعاده منها، أو من الذنوب، وهو من إضافة الموصوف إلى صفته نحو مسجد الجامع، كذا في الكرماني، والمراد ببيت المقدس الصخرة لأنها هي التي كانت قبلة.

(فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما وهذا ليس جوابًا، لواسع كما قد يتوهم من جعل ضمير أنه له، وقد تقدم أن ضمير أنه ليس له، وإنما هو لعبد الله بن عمر، والفاء على هذا التقدير سببية؛ لأن ابن عمر أورد القول الأول منكرًا له، ثم بين سبب إنكاره بما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان مقتضى الظاهر على هذا التقدير أن يقول: فلقد رأيت ... إلخ، لكن الراوي عنه وهو واسع أراد التأكيد، فأعاد قوله: فقال عبد الله بن عمر والله:

(لَقَدِ ارْتَقَيْتُ) أي: صعدت فاللام موطئة للقسم، وفي بعض الأصول: (( رقيت ) ) (يَوْمًا) بالنصب على الظرفية، وسقط لابن عساكر لفظ: (عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا) الجار والمجرور الأول متعلق بارتقيت، والثاني في محل الصفة لبيت.

قال في (( الفتح ) ): وفي رواية يزيد الآتية: (( على ظهر بيتنا ) )، وفي رواية عبيد الله بن عمر الآتية: (( على ظهر بيت حفصة ) )أي: أخته كما صرح به في رواية مسلم، ولابن خزيمة: (( دخلت على حفصة بنت عمر فصعدت ظهرًا لبيت ) )وطريق الجمع أن نقول: إضافة البيت إليه على طريق المجاز لكونها أخته، فحيث أضافه إلى حفصة كان باعتبار أنه البيت الذي أسكنها النبي صلى الله عليه وسلم فيه، فاستمر في يدها إلى أن ماتت فورث عنها، وسيأتي انتزاع المصنف ذلك من هذا الحديث في باب الخمس، وحيث أضافه إلى نفسه كان باعتبار ما آل إليه الحال لأنه ورث حفصة دون إخوته لكونها كانت شقيقته، ولم تترك من يحجبه عن الاستيعاب انتهى.

(فَرَأَيْتُ) أي: أبصرت (رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) حال كونه (عَلَى لَبِنَتَيْنِ) وحال كونه (مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ) من الحال المترادفة أو المتداخلة (لِحَاجَتِهِ) أي: لأجل قضاء حاجته، أو وقت قضاء حاجته، كقوله تعال: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء:78] .

ج 1 ص 594

قال في (( الفتح ) ): ولابن خزيمة: (( فأشرفت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على خلائه ) )، وفي رواية: (( فاارأيته يقضي حاجته محجوبًا عليه بلبن ) )، وللحكيم الترمذي بسند صحيح: (( فرأيته في كنيف ) )وهو بفتح الكاف وكسر النون بعدها تحتانية ثم فاء، وانتفى بهذا إيراد من قال ممن يرى الجواز مطلقًا، يحتمل أن يكون رآه في الفضاء، وكونه على لبنتين لا يدل على البناء لاحتمال أن يكون جلس عليهما ليرتفع بهما عن الأرض، ويرد هذا الاحتمال أيضًا أن ابن عمر كان يرى المنع من الاستقبال في الفضاء إلا بساتر، كما رواه أبو داود والحاكم بسند لا بأس به، ولم يقصد؛ أي: ابن عمر الإشراف على النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة، وإنما صعد السطح لضرورة له كما في الرواية الآتية، فحانت منه التفتاتة كما في رواية البيهقي من طريق نافع عن ابن عمر.

نعم لما اتفقت له رؤيته في تلك الحالة عن غير قصد أحب أن لا يخلي ذلك من فائدة، فحفظ هذا الحكم الشرعي وكأنه إنما رآه من جهة ظهره حتى ساغ له تأمل الكيفية المذكورة من غير محذور، ودل ذلك على شدة حرصه على تتبع أحوال النبي صلى الله عليه وسلم ليتتبعها، وكذا كان رضي الله تعالى عنه انتهى.

(وَقَالَ) أي: ابن عمر لواسع: (لَعَلَّكَ مِنَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ) جمع ورك، وهو ما بين الفخذين على ما قاله الكرماني، لكن في (( القاموس ) ): أنها ما فوق الفخذ.

وقال الأصمعي: الوركان العظمان على طرف عظم الفخذين، وأراد بالذين يصلون على أوراكهم الجاهلين بكيفية السنة في السجود من تجافي البطن عن الوركين فيه، إذ لو كنت من الذين لا يجهلونها لعرفت الفرق بين الفضاء وغيره في استقبال القبلة واستدبارها، ولعرفت الفرق بين استقبال الكعبة وبيت المقدس.

قال واسع: (فَقُلْتُ: لاَ أَدْرِي وَاللَّهِ) أي: هل أنا منهم أو لا، أو لا أدري السنة في استقبال بيت المقدس (قَالَ مَالِكٌ) في تفسير الصلاة على الورك (يَعْنِي الَّذِي يُصَلِّي وَلاَ يَرْتَفِعُ عَنِ الأَرْضِ، يَسْجُدُ وَهُوَ لاَصِقٌ بِالأَرْضِ) أي: ملصق بطنه بوركيه حال سجوده، وهذا خلاف المسنون للرجال وهو التجافي والتجنح، كما بسط في محله.

وفي (( النهاية ) ): وفسر بأنه يفرج ركبتيه فيصير معتمدًا على وركيه.

قال في (( الفتح ) ): وقد أشكلت مناسبة ذكر ابن عمر لهذا مع المسألة السابقة، فقيل: يحتمل أن يكون أراد بذلك أن الذي خاطبه لا يعرف السنة، إذ لو كان عارفًا بها لعرف الفرق بين الفضاء وغيره، أوالفرق بين استقبال الكعبة وبيت المقدس، وإنما كنى عمن لا يعرف السنة بالذي يصلي على وركيه؛ لأن من يفعل ذلك لا يكون إلا جاهلًا بالسنة، وهذا الجواب للكرماني، ولا يخفى ما فيه من التكلف، وليس في السياق أن واسعًا سأل ابن عمر عن المسألة الأولى حتى نسبه إلى عدم معرفتها، ثم الحصر الأخير مردود لأنه قد يسجد على وركيه من يكون عارفًا بسنن الخلاء، والذي يظهر في المناسبة ما دل عليه سياق مسلم.

وفي أوله عنده عن واسع قال: (( كنت أصلي في المسجد، فإذا عبد الله بن عمر جالس، فلما قضيت صلاتي انصرفت إليه من شقي، فقال عبد الله: يقول ناس ) )فذكر الحديث، فكأن ابن عمر رأى منه في حال سجوده شيئًا لم يتحققه، فسأله عنه بالعبارة المذكورة، وكأنه بدأ بالقصة الأولى لأنها من روايته المرفوعة المحققة عنده، فقدمها على ذلك الأمر المظنون، ولا يبعد أن يكون قريب العهد بقول من نقل عنهم ما نقل، فأحب أن يعرف الحكم لهذا التابعي لينقله عنه على أنه لا يمتنع إبداء مناسبة بين هاتين المسألتين بخصوصهما، وأن لإحداهما بالأخرى تعلقًا بأن يقال: لعل الذي كان يسجد وهو لاصق بطنه بوركيه كان يظن امتناع استقبال القبلة بفرجه في كل حالة كما قدمنا في الكلام على مثال النهي، وأحوال الصلاة أربعة: قيام وركوع وسجود وقعود، وانضمام الفرج فيها بين الوركين ممكن إلا إذا جافى في السجود، فرأى أن في الإلصاق ضمًا للفرج ففعله ابتداعًا وتنطعًا، والسنة بخلاف ذلك، والتستر بالثياب كاف في ذلك كما أن الجدار كاف في كونه حائلًا بين العورة والقبلة إن قلنا: أن مثار النهي الاستقبال بالعورة، فلما حدث ابن عمر التابعي بالحكم الأول أشار له إلى الحكم الثاني منبهًا له على ما ظنه

ج 1 ص 595

منه في تلك الصلاة التي رآه صلاها، وأما قول واسع: لا أدري، فدال على أنه لا شعور عنده بشيء مما ظنه به، ولهذا لم يغلظ ابن عمر في الزجر انتهى.

وفي الحديث من الفوائد: جواز استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة في البنيان، وهو قول الشافعي وإسحاق وأحمد في رواية عنه، وقالوا إنه مخصص لعموم النهي في حديث أبي أيوب.

قال العيني: ومنهم من رأى هذا الحديث ناسخًا لحديث أبي أيوب المذكور، واعتقد الإباحة مطلقًا، وقاس الاستقبال من الاستدبار، وترك حكم تخصيصه بالبنيان، ورأى أنه وصف ملغي الاعتبار، ومنهم من رأى العمل بحديث أبي أيوب وما في معناه، واعتقد هذا خاصًا بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من جمع بينهما وأعملهما، ومنهم من توقف في المسألة. قلت: دعوى النسخ غير ظاهرة؛ لأنه لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع وهو ممكن انتهى.

وفيه استعمال الكناية بالحاجة عن البول والغائط، وجواز الإخبار عن مثل ذلك للعمل والاقتداء، وفيه أن الصحابة كانوا يختلفون في معاني السنن، وكان كل واحد منهم يستعمل ما سمع على عمومه، فمن هنا وقع بينهم الاختلاف، وفيه تتبع أحوال النبي صلى الله عليه وسلم كلها، ونقلها وأنها كلها أحكام شرعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت