فهرس الكتاب

الصفحة 269 من 1465

وبالسند إلى المؤلف قال:

150 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ) الطيالسي البصري (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ابن الحجاج (عَنْ أَبِي مُعَاذٍ) بضم الميم وبالذال المعجمة (وَاسْمُهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ) البصري التابعي القدري مولى أنس بن مالك، مات بعد الطاعون بالبصرة سنة إحدى وثلاثين ومائة، وفي بعض النسخ الاقتصار على أبي معاذ.

(قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) رضي الله عنه

ج 1 ص 599

(يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا خَرَجَ) من بيته أو بيت غيره (لِحَاجَتِهِ) أي: لقضاء حاجته من بول أو غائط لفظة (( كان ) )تشعر بالتكرار والاستمرار لدخولها في مثل هذا التركيب.

(أَجِيءُ أَنَا وَغُلاَمٌ) الجملة خبر كان والعائد محذوف تقديره: أجيئه، وإذا خرج ظرف لأجيء، ويجوز كون إذا شرطية، وأجيء جوابها، وجملة الشرط وجوابه في محل نصب خبر كان، وغلام بالرفع معطوف على الضمير المستتر في أجيء، وجاز ذلك لتأكيده بالمنفصل، والغلام اسم للصبي من ولادته إلى بلوغه، كذا في (( المنحة ) ).

وقيل: الذي طر شاربه، وقال أبو عبيد: المترعرع، وقال في (( المحكم ) ): من الفطام إلى سبع سنين. وحكى الزمخشري في أساس البلاغة أن الغلام هو الصغير إلى حد الالتحاء، فإن سمي بعد الالتحاء غلامًا فهو مجاز. ويروى عن علي في بعض أراجيزه: أنا الغلام الهاشمي المكي. ويجمع على أغلمة وغلمة وغلمان بكسر أولها.

وقال في (( الصحاح ) ): استغنوا بغلمة عن أغلمة وتصغير الغلمة على غير مكبره كأنهم صغروا أغلمة وإن لم يقولوه، زاد في الرواية الآتية بعده منا؛ أي: من الأنصار، وصرح به الإسماعيلي في روايته ولمسلم (( نحوي ) )أي: مقارب لي في السن، ولم يسم الغلام هنا ولا في الباب بعده.

قال في (( الفتح ) )في الباب الآتي: وإيراد المصنف لحديث أنس مع هذا الطرف من حديث أبي الدرداء يشعر إشعارًا قويًا بأن الغلام المذكور في حديث أنس هو ابن مسعود، وقد قدمنا أن لفظ الغلام يطلق على غير الصغير مجازًا، وقد قال صلى الله عليه وسلم لابن مسعود بمكة وهو يرعى الغنم: (( إنك لغلام معلم ) )وعلى هذا فقول أنس: (( وغلام منا ) )أي: من الصحابة، أو من خدم النبي صلى الله عليه وسلم، وأما رواية الإسماعيلي التي فيها من الأنصار، فلعلها من تصرف الراوي حيث رأى في الرواية منا فحملها على القبيلة ثم رواها بالمعنى فقال: من الأنصار، أو إطلاق الأنصار على جميع الصحابة سائغ، وإن خصه العرف بالأوس والخزرج، وروى أبو داود من حديث أبي هريرة قال: (( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى الخلاء أتيته بماء في ركوة فاستنجى ) )فيحتمل أن يفسر به الغلام المذكور في حديث أنس، ويؤيده ما رواه المصنف في ذكر الجن من حديث أبي هريرة أنه كان يحمل مع النبي صلى الله عليه وسلم الإداوة لوضوئه وحاجته، وأيضًا فإن في رواية أخرى أن أنسًا وصفه في ذلك الحديث بالصغر فيبعد لذلك أن يكون هو ابن مسعود والله أعلم. ويكون المراد بقوله أصغرنا؛ أي: في الحال لقرب عهده بالإسلام، وعند مسلم في حديث جابر الطويل الذي في آخر الكتاب أن النبي صلى الله عليه وسلم انطلق لحاجته فاتبعه جابر بإداوة فيحتمل أن يفسر به المبهم، ولا سيما وهو أنصاري انتهى.

وأقول: يبعد كونه أبا هريرة كما في القسطلاني إذ إسلامه كان في السنة السابعة من الهجرة بعد بلوغ أنس، وأبو هريرة إذ ذاك كبير فكيف يقول أنس: وغلام نحوي كما في رواية مسلم السابقة، وإن قصة الجن كانت بمكة قبل الهجرة، اللهم إلا أن تكون قصة الجن قد تكررت ووقعت في المدينة بعد إسلام أبي هريرة فليحرر.

(مَعَنَا) بفتح العين وقد تسكن وهي اسم مطلقًا على الصحيح خلافًا لصاحب (( المحكم ) )حيث زعم أن المتحركة تكون اسمًا وحرفًا وأن الساكنة حرف لا غير.

قال الراغب: مع يقتضي الاجتماع إما في المكان نحوهما في الدار معًا أو في الزمان نحو ولدا معًا أو في المعنى كالمتضايفين نحو الأخ والأب، فإن أحدهما صار أخًا للآخر في حال ما صار الآخر أخاه، وإما في الشرف والرتبة نحوهما معًا في العلو انتهى.

(إِدَاوَةٌ) بكسر الهمزة وهي إناء صغير من جلد يتخذ للماء، والجمع أداوي.

وقال الجوهري: الإداوة المطهرة، والجملة حال من ضمير أجيء وما عطف عليه مرتبطة بالضمير فقط كقوله تعالى: {اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة:36] .

(مِنْ مَاءٍ) صفة للإداوة (يَعْنِي) أي: أنس بقوله: (( معنا إداوة من ماء ) ) (يَسْتَنْجِي بِهِ) الضمير المستتر عائد للنبي صلى الله عليه وسلم وضمير له للماء، قيل: قائله هشام بن عبد الملك كما في (( الفتح ) ).

وقال العيني: هو من كلام أنس رضي الله عنه والرواية الثالثة للبخاري الآتية عن قريب تدل على هذا، وبهذا يرد على عبد الملك البوني في قوله: هذا مدرج من قول عطاء الراوي عن أنس فيكون مرسلًا فلا حجة فيه حكاه عنه ابن التين، وإليه ذهب الكرماني أيضًا، وكذا يرد على بعضهم في قوله: قائل هذا يعني هو هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري انتهى.

وفي (( إرشاد الساري ) ): ويرد كونه مرسلًا

ج 1 ص 600

ما عند الإسماعيلي من طريق عمرو بن مرزوق عن شعبة (( فانطلقت أنا وغلام من الأنصار معنا إداوة فيها ماء يستنجي منها النبي صلى الله عليه وسلم ) )، ولمسلم من طريق خالد الحذاء عن عطاء عن أنس: (( فخرج علينا وقد استنجى بالماء ) )، وللمؤلف من طريق روح بن القاسم عن عطاء بن أبي ميمونة: (( إذا تبرز لحاجته أتيته بماء فيغسل به ذكره ) )، وعند ابن خزيمة في (( صحيحه ) )من حديث إبراهيم بن جرير عن أبيه: (( أنه صلى الله عليه وسلم دخل الغيضة [1] فقضى حاجته، فأتاه جرير بإداوة من ماء فاستنجى بها ) )، وفي (( صحيح ) )ابن حبان من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (( ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من غائط قط إلا مس ماء ) )، وعند الترمذي وقال: حسن صحيح أنها قالت: (( مرن أزواجكن يغسلوا أثر الغائط والبول، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله ) )انتهى.

أقول: وهذا يرد على من كره الاستنجاء بالماء، ومن نفى وقوعه من النبي صلى الله عليه وسلم متمسكًا بما تقدم نقله عن صاحب (( الفتح ) )من الأحاديث ثم قال: وقال بعضهم: لا يجوز الاستنجاء بالأحجار مع وجود الماء، والسنة قاضية عليهم، استعمل النبي صلى الله عليه وسلم الأحجار وأبو هريرة معه ومعه إداوة من ماء، والذي عليه جمهور السلف والخلف أن الجمع بين الماء والحجر أفضل فيقدم الحجر لتخف النجاسة ويقل مباشرتها بيده، ثم يستعمل الماء وسواء فيه البول والغائط، كما قاله ابن سراقة وسليم الرازي، وكلام القفال الشاشي في (( محاسن الشريعة ) )يقتضي تخصيصه بالغائط فإن أراد الاقتصار على أحدها فالماء أفضل لكونه يزيل عين النجاسة وأثرها، والحجر يزيل العين فقط انتهى.

واحتج الطحاوي للاستنجاء بالماء بقوله تعالى: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة:108] .

قال الشعبي: لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( يا أهل قباء ما هذا الثناء الذي أثنى الله عليكم، قالوا: ما منا أحد إلا وهو يستنجي بالماء ) ).

وفي الحديث من الفوائد: خدمة الصالحين وأهل الفضل والتبرك بذلك وتفقد حاجاتهم خصوصًا المتعلقة بالطهارة.

ومنها: جواز استخدام الرجل العالم بعض أتباعه الأحرار خصوصًا إذا أرصدوا لذلك والاستعانة في مثل هذا فيحصل لهم الخير والشرف بذلك، وقد صرح الروياني من الشافعية بأن للأب أن يخدم ولده الصغير لمن يتعلم منه وخالفه صاحب (( العمدة ) )فقال: ليس له ذلك؛ لأنه هبة لمنافعه فأشبه إعارة ماله، وأوله النووي في (( الروضة ) )فقال: هذا محمول على خدمة تقابل بأجرة أما ما لا يقابل بها فالظاهر والذي تقتضيه أفعال السلف أن لا منع منه، وقيد بعض المتأخرين المنع بما إذا انتفت المصلحة أما لو وجدت كما لو قال لولده الصغير: اخدم هذا الرجل في كذا لتتمرن على التواضع ومكارم الأخلاق فلا منع. قال العيني: وهو حسن.

ومنها: التباعد في قضاء الحاجة عن الناس، وقد اشتهر ذلك من فعله صلى الله عليه وسلم.

ومنها: الاستعانة في مقدمات الوضوء والمعدود من آدابه ترك الاستعانة فيه.

ومنها: اتخاذ أواني الماء للوضوء.

ومنها: مشروعية الاستنجاء بالماء وهو الذي ترجم عليه البخاري ردًا على من منع من ذلك كما تقدم بيانه، ورواة هذا السند كلهم بصريون وكلهم من فرسان رواة الصحيحين والأربعة إلا عطاء فإن الترمذي لم يخرج له، وهو من رباعيات البخاري، وفيه التحديث والعنعنة والسماع.

[1] في هامش المخطوط: الغيضة: الشجر الملتف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت