فهرس الكتاب

الصفحة 290 من 1465

وبالسند إلى المؤلف قال:

162 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التنيسي (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بكسر الزاي وبالنون، واسمه: ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الله بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ) : أي: أراد أن يتوضأ (فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ) فيه حذف تقديره: فليجعل في أنفه ماء، فحذف ماء الذي هو المفعول به؛ لدلالة الكلام عليه، وهذه رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر: بذكره، وثبت ذكره لمسلم من رواية سفيان عن أبي الزناد، واختلفت رواة (( الموطأ ) )في إثباته، وذكره، والفاء في ليجعل جواب إذا الشرطية.

(ثُمَّ لِيَنثُرْ) بضم المثلثة من نثر المجرد، ولأبي ذر والأصيلي: على وزن ليفتعل من باب الافتعال، يقال: نثر الرجل وانتثر: إذا حرك النثرة، وهي طرف الأنف في الطهارة (وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ) تقدم الكلام عليه في الباب قبله (وَإِذَا اسْتَيْقَظَ) : أي: انتبه (أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ) عطف على قوله: (( إذا توضأ ) ).

قال في (( الفتح ) ): واقتضى سياقه أنه حديث واحد، وليس هو كذلك في (( الموطأ ) )، وقد أخرجه أبو نعيم في (( المستخرج ) )من (( الموطأ ) )من رواية عبد الله بن يوسف شيخ البخاري مفرقًا، وكذا هو في (( موطأ يحيى بن بكير ) )وغيره، وكذا فرقه الإسماعيلي من حديث مالك، وكذا أخرج مسلم الحديث الأول من طريق ابن عيينة عن أبي الزناد، وعلى هذا كان البخاري يرى جواز جمع الحديثين إذا اتحد سندهما في سياق واحد، كما يرى جواز تفريق الحديث الواحد، إذا اشتمل على حكمين مستقلين. انتهى.

وتعقبه العيني فقال: لا يلزم من ذلك كله أن لا يكون الحديث واحدًا، وقد يجوز أن يُروى حديث واحد مقطعًا من طرق مختلفة، فمثل ذلك، وإن كان حديثين أو أكثر بحسب الظاهر، فهو في نفس الأمر حديث واحد، والظاهر مع سياق البخاري في كونه حديثًا واحدًا. انتهى.

وأجاب في (( الانتقاض ) ): بأنه ما نفي، إلا أنه ليس كذلك في (( الموطأ ) )، ومن الذي يستطيع رد ذلك انتهى.

(فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ) بالإفراد ندبًا، وفي مسلم: ثلاثًا (قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِه) بفتح الواو، وهو الماء الذي يتوضأ به، وللكشميهني كمسلم: ، والمراد بذلك: الماء القليل الذي يتأثر بمجرد وقوع النجاسة فيه، ويتنجس وإن لم تتغير أحد أوصافه، وأما القدر الكثير كالقلتين عند الشافعية، والغدير: المقدر بعشر في عشر، أو الجاري، وإن قل عند الحنفية؛ فلا يكره إدخال اليد فيه قبل غسلها.

وقوله: (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لاَ يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ) تعليل للأمر بغسل اليد المراد بها الجنس.

قال في (( الفتح ) ): أخذ بعمومه الشافعي والجمهور، فاستحبوه عقب كل نوم، وخصه أحمد بنوم الليل؛ لقوله في آخر الحديث: (( باتت يده ) )لأن حقيقة المبيت تكون في الليل، وفي رواية لأبي داود، وساق مسلم إسنادها: (( إذا قام أحدكم في الليل ) )، وكذا للترمذي من وجه آخر صحيح، ولأبي عوانة في رواية مسلم ساق ما إسنادها أيضًا صحيح: (( إذا قام أحدكم إلى الوضوء حين يصبح ) ).

لكن التعليل يقتضي إلحاقه نوم النهار بنوم الليل، وإنما خص نوم الليل بالذكر للغلبة.

قال الرافعي في (( شرح المسند ) ): يمكن أن يقال: الكراهة في الغمس لمن نام ليلًا أشد منها لمن نام نهارًا؛ لأن الاحتمال في نوم الليل أقرب لطوله عادة، ثم الأمر عند الجمهور للندب، وحمله أحمد على الوجوب في نوم الليل دون نوم النهار، وعنه في رواية: استحبابه في نوم النهار، واتفقوا على أنه لو غمس يده لم يضر الماء.

وقال إسحاق وداود والطبري: ينجس الماء، واستدل لهم بما ورد من الأمر بإراقته، لكنه حديث ضعيف أخرجه ابن عدي.

والقرينة الصارفة للأمر عن الوجوب عند الجمهور: التعليل بأمر يقتضي الشك؛ لأن الشك لا يقتضي وجوبًا في هذا الحكم استصحابًا لأصل الطهارة، واستدل أبو عوانة على عدم الوجوب بوضوئه صلى الله عليه وسلم من الشن المعلق بعد قيامه من النوم، كما سيأتي في حديث ابن عباس.

ج 1 ص 620

وتعقب بأن قوله: (( أحدكم ) )يقتضي اختصاصه بغيره صلى الله عليه وسلم.

وأجيب: بأنه صح عنه غسل يديه قبل إدخالهما في الإناء في حال اليقظة، فاستحبابه بعد النوم أولى، ويكون تركه؛ لبيان الجواز.

وأيضًا: فقد قال في هذا الحديث في روايات لمسلم وأبي داود وغيرهما: (( فليغسلهما ثلاثًا ) )، وفي رواية: (( ثلاث مرات ) ).

والتقييد بالعدد في غير النجاسة العينية يدل على الندبية.

ووقع في رواية همام عن أبي هريرة عند أحمد: (( فلا يضع يده في الوضوء حتى يغسلها ) )، والنهي فيه للتنزيه كما ذكرنا إن فعل استحب وإن ترك كره، ولا تزول الكراهة بدون الثلاث، نص عليه الشافعي.

والمراد باليد هنا؛ الكف دون ما زاد عليها اتفاقًا، وهذا كله في حق من قام من النوم؛ لما دل عليه مفهوم الشرط، وهو حجة عند الأكثر، أما المستيقظ، فيستحب له الفعل؛ لحديث عثمان وعبد الله بن زيد، ولا يكره الترك؛ لعدم ورود النهي فيه، وقد روى سعيد بن منصور بسند صحيح عن أبي هريرة: (( أنه كان يفعله، ولا يرى بتركه بأسًا ) )، وسيأتي عن ابن عمر، والبراء نحو ذلك. انتهى.

وفي الحديث فوائد:

منها: أن غمس اليدين في إناء الوضوء مكروه قبل غسلهما، سواء كان عقب نوم الليل، أو نوم النهار، وتخصيص نوم الليل في الحديث بالذكر للغلبة.

وقال النووي: مذهبنا: أن هذا الحكم ليس مخصوصًا بالقيام من النوم، بل المعتبر فيه الشك في نجاسة اليد، فمتى شك في نجاستها يستحب غسلها، سواء قام من النوم ليلًا، أو نهارًا، أو لم يقم منه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم نبه على العلة بقوله: فإنه لا يدري.

ومعناه: لا يأمن من النجاسة على يده، وهذا عام؛ لاحتمال وجود النجاسة فيها في النوم، وفي اليقظة.

ومنها: أن الماء القليل تؤثر فيه النجاسة وإن لم تغيره، وإلا لم يكن للنهي فائدة.

ومنها: استحباب غسل النجاسة ثلاثًا؛ لأنه إذا أمر به في المتوهمة، ففي المحققة أولى.

قال العيني: ولم يرد شيء فوق الثلاث إلا في ولوغ الكلب، وسيجيء إن شاء الله تعالى أنه صلى الله عليه وسلم أوجب فيه الثلاث، وخير فيما زاد. انتهى.

ومنها: استحباب الأخذ بالاحتياط في باب العبادات.

ومنها: أن الماء يتنجس بورود النجاسة عليه.

قال العيني: وهذا بالإجماع، وأما ورود الماء على النجاسة، فكذلك عند الشافعي.

وقال النووي في هذا الحديث: والفرق بين ورود الماء على النجاسة، وورودها عليه، وأنها إذا وردت عليه نجسته، وإذا ورد عليها أزالها.

وتقريره أنه قد نهى عن إدخال اليدين في الإناء؛ لاحتمال النجاسة، وذلك يقتضي أن ورود النجاسة على الماء مؤثر فيه، وأمر بغسلهما بإفراغ الماء عليهما؛ للتطهير، وذلك يقتضي أن ملاقاتهما الماء على هذا الوجه غير مفسد بمجرد الملاقاة، وإلا لما حصل المقصود من التطهير.

قلت: سلمنا أن ملاقاتهما على هذا الوجه غير مفسد بمجرد الملاقاة؛ للضرورة، ولكن لا نسلم أنه يبقى طاهرًا بعد إزالة النجاسة.

وقال النووي أيضًا: وفيه دلالة على أن الماء القليل إذا وردت عليه نجاسة نجسته، وإن قلَّت ولم تغيره فإنها تنجسه؛ لأن الذي تعلق باليد، ولايرى قليلٌ جدًا، وكانت عادتهم استعمال الأواني الصغيرة التي تقصر عن القلتين، بل لا تقاربها.

وقال القشيري: وفيه نظر عندي لأن مقتضى الحديث أن ورود النجاسة على الماء يؤثر فيه، ومطلق التأثير أعم من التأثير بالتنجيس، ولا يلزم من ثبوت الأعم ثبوت الأخص المعين فإذا سلم الخصم أن الماء القليل بوقوع النجاسة فيه يكون مكروهًا فقد ثبت مطلق التأثير، ولا يلزم ثبوت خصوص التأثير بالتنجيس. انتهى كلام العيني.

أقول: نظر القشيري في كلام النووي متجه، ويؤيده: ما تقدم عن صاحب (( الفتح ) )من نقله الاتفاق على أنه لو غمس يده في الماء القليل لم يضره.

ومنها: أن موضع الاستنجاء لا يطهر بالمسح بالأحجار، بل يبقى نجسًا معفوًا عنه في حق الصلاة، حتى إذا أصاب موضع المسح بلل وابتل به سراويله، أو قميصه ينجسه، قاله العيني.

ومنها: أن قوله: فليغسل يده يتناولها إذا كانت يده مطلقة، أو مشدودة بشيء، أو في جراب، أو كون النائم عليه سراويله، أو لم يكن لعموم اللفظ.

ومنها: أن قوله: فإن أحدكم خطاب للعقلاء البالغين المسلمين، فإن كان القائم من النوم صبيًا أو مجنونًا أو كافرًا، فذكر في (( المغني ) ): أن فيه وجهين:

أحدهما: أنه كالمسلم البالغ العاقل، لأنه لا يدري أين باتت يده.

والثاني: أنه لا يؤثر غمسه شيئًا؛ لأن المنع من الغمس إنما يثبت بالخطاب في حق هؤلاء.

أقول: في كون الكافر غير مخاطب بالفروع خلاف، والمشهور: أنه مخاطب بها عند الشافعية.

ومنها: أنهم اختلفوا في أن علة الأمر التنجيس أو التعبد،

ج 1 ص 621

فمنهم من قال وهو قول الجمهور: أن ذلك لاحتمال النجاسة، ومقتضاه: إلحاق من شك في ذلك، ولو كان مستيقظًا، ومفهومه: أن من [درى] أين باتت يده كمن لفَّ عليها خرقة مثلًا، فاستيقظ وهي على حالها؛ فلا كراهة، وإن كان غسلها مستحبًا كما في المستيقظ.

ومنهم من قال ومنهم الإمام مالك: أن ذلك للتعبد؛ فعلى قولهم لا يفرق بين شاكٍّ ومتيقنٍ.

ومنها: استحباب استعمال الكنايات في المواضع التي فيها استهجان، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (( فإنه لا يدري أين باتت يده ) )ولم يقل: فلعل يده وقعت على دبره، أو ذكره، أو نجاسة، أو نحو ذلك، وإن كان هذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم.

وهذا إذا علم أن السامع يفهم بالكناية المقصود، فإن لم يكن كذلك؛ فلابد من التصريح؛ لينتفي اللبس والوقوع في خلاف المطلوب، وعلى هذا يحمل ما جاء من ذلك مصرحًا به، كذا في العيني.

وفي (( إرشاد الساري ) ): وههنا تنبيه وهو: أنه ينبغي للسامع لأقواله عليه الصلاة والسلام أن يتلقاها بالقبول، ودفع الخواطر الرادة لها؛ فقد بلغنا: أن شخصًا سمع هذا الحديث فقال: وأين تبيت يده منه؟ فاستيقظ من النوم ويده في داخل دبره محشوة، فتاب عن ذلك وأقلع. انتهى.

وذكر النووي في (( بستانه ) )عن محمد بن الفضل التيمي في (( شرح مسلم ) ): أن بعض المبتدعة لما سمع بهذا الحديث قال متهكمًا: أنا أدري أين باتت يدي، باتت في الفراش، فأصبح وقد دخلت يده في دبره إلى ذراعه، فليحذر العاقل الاستخفاف بشيء مما جاء عن من لا ينطق عن الهوى، لئلا يسرع إليه شؤم فعله.

وقال النووي في الكتاب المذكور: وجد في زماننا، وتواترت الأخبار به، وثبت عند القضاة: أن رجلًا بقرية ببلاد بصرى في سنة خمس وستين وستمائة، كان يسيء الاعتقاد في أهل الخير وابنه يعتقدهم، فجاء ولده من عند شيخ صالح ومعه سواك، فقال له والده مستهزئًا: أعطاك شيخك هذا السواك، فأخذه وأدخله في دبر نفسه استحقارًا له، فبقي مدة، ثم ولد ذلك الرجل الذي استدخل السواك جروًا قريب الشبه بالسمكة، فقتله، ثم مات الرجل حالًا أو بعد يومين. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت