وبالسند إلى المؤلف قال:
14 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم ابن نافع السابق (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) بالتصغير ابن أبي حمزة الحمص المتقدم ذكره (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: (أَبُو الزِّنَادِ) بكسر الزاي وبالنون، وهو عبد الله بن ذكوان المدني القرشي، وكان يغضب من هذه الكنية، لكنه اشتهر بها، ويكنى أيضًا بأبي عبد الرحمن، وقد اتفق على إمامته وجلالته، وكان الثوري يسميه أمير المؤمنين في الحديث، روى عنه الثقات، وشهد مع عبد الله بن جعفر جنازة فهو إذن تابعي صغير، روى عنه جماعات من التابعين، وهذا من فضائله؛ لأنه لم يسمع من
ج 1 ص 217
الصحابة، وروى عنه التابعون، وولاه عمر بن عبد العزيز خراج العراق.
وقال الليث بن سعد: رأيت أبا الزناد وحلقته وخلفه ثلاثمائة تابع من طالب علم، وفقه، وشعر، وصنوف، ثم لم يلبث أن بقي وحده وأقبلوا على ربيعة، وكان ربيعة يقول شبر من خطوة خير من ذراع من علم.
وقال أحمد: أبو الزناد أفقه من ربيعة، قال الواقدي: مات أبو الزناد فجأة في مغتسله سنة ثلاثين ومائة، وهو ابن ست وستين سنة، وقال البخاري: أصح أسانيد أبي هريرة أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، روى له الجماعة كذا في العيني.
(عَنِ الأَعْرَجِ) هو أبو داود عبد الرحمن بن هرمز، تابعي، مدني، قرشي، مولى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، روى عن أبي سلمة وعبد الرحمن ابن القاري، وروى عنه الزهري، ويحيى الأنصاري، ويحيى بن كثير، وآخرون، واتفقوا على توثيقه، مات بالإسكندرية سنة سبع عشرة ومائة على الصحيح، روى له الجماعة.
فائدة: قال العيني: واعلم أن مالكًا لم يرو عن عبد الرحمن بن هرمز هذا إلا بواسطة، وأما عبد الله بن يزيد بن هرمز فقد روى عنه مالك، وأخذ عنه الفقه وهو عالم من علماء المدينة قليل الرواية جدًا، توفي سنة ثمان وأربعين ومائة فحيث يذكر مالك بن هرمز، ويحكى عنه فإنما يريد عبد الله بن يزيد هذا الفقيه لا عبد الرحمن بن هرمز صاحب أبي الزناد المحدث، فإنه إنما يحدث عنه بواسطة لتقدم وفاة عبد الرحمن وعبد الله إحدى وخمسون سنة.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) عبد الرحمن بن صخر نقيب أهل الصفة، وقد تقدمت ترجمته.
قال في (( الفتح ) ): وقع في (( غرائب مالك ) )للدراقطني: إدخال رجل وهو أبو سلمة بن عبد الرحمن بين الأعرج وأبي هريرة في هذا الحديث وهي زيادة شاذة، فقد رواه الإسماعيلي بدونها من حديث مالك، ومن حديث إبراهيم بن طهمان، وروى ابن منده من طريق أبي حاتم الرازي عن أبي اليمان شيخ المؤلف هذا الحديث مصرحًا فيه بالتحديث في جمع الإسناد، وكذا النسائي من طريق علي بن عياش عن شعيب انتهى.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) وفي رواية أبي ذر: أنه (قَالَ: فَوَالَّذِي) بالفاء، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: بدونها (نَفْسِي بِيَدِهِ) .
فائدة: القسم توكيد الكلام، ويستفاد منه جواز القسم على الأمر المهم توكيدًا، وإن لم يكن هناك مستخلف، قال العيني: كالكرماني لفظ اليد من المتشابهات، ففي مثل هذا افترق العلماء فرقتين:
إحداهما: تسمى مفوضة وهم الذين يفوضون الأمر فيها إلى الله تعالى يعني قائلين، وما يعلم تأويله إلا الله.
والأخرى: تسمى مؤولة وهم الذين يؤولون مثل هذا كما يقال: المراد من اليد القدرة عاطفين والراسخون في العلم على الله والأول أسلم والثاني أحكم.
قلت: ذكر أبو حنيفة أن تأويل اليد بالقدرة ونحو ذلك يؤدي إلى التعطيل، فإن الله أثبت لنفسه يدًا، فإذا أولناها بالقدرة يصير عين التعطيل [1] ، وإنما الذي ينبغي في مثل هذا أن نؤمن بما ذكره الله تعالى من ذلك على ما أراده لأكيد المخلوق، وكذلك في نظائر ذلك انتهى.
والمقسم عليه هنا قوله صلى الله عليه وسلم: (لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ) النفي فيه وارد على الكمال؛ أي: لا يؤمن إيمانًا كاملًا كما في (( الفتح ) )وغيره.
(حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ) بالنصب خبر أكون وهو أفعل التفضيل بمعنى المفعول، وهو شائع ذائع، وإن كان على خلاف القياس.
قال العيني: وقال ابن مالك: إنما يشذ بناؤه للمفعول إذا خيف اللبس بالفاعل، فإن أمن بأن لم يستعمل الفعل للفاعل أو قرن به ما يشعر بأنه المفعول لا يشذ كقولهم: هو أشغل من ذات النخبين، وهو أكره من البصل، وعبد الله بن أبي ألعن من لعن على لسان داود ولا أحرم ممن عدم الإنصاف، ولا أظلم من قتيل كربلاء، وهو أزهى من الديك، وأرجى وأخوف وأهيب، ولا يقتصر فيه على السماع لكثرة مجيئه.
(مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ) متعلق بأحب ولا يضر الفصل بينه وبين متعلقه بإليه؛ لأنه ليس بأجنبي على أن الظروف والمجرورات يتوسع فيها ما لا يتوسع في غيرها قدم الوالد للأكثرية، لأن كل أحد له والد من غير عكس أو نظر إلى غاية التعظيم، أو لسبقه بالزمان.
وعند النسائي تقديم الولد لمزيد الشفقة لكن من رواية أنس دون أبي هريرة، وإنما خصهما بالذكر دون سائر الأقارب ودون نفسه لكونهما أعز خلق الله تعالى على الرجل غالبًا، وربما يكونان أعز على الرجل من نفسه فذكرهما على سبيل التمثيل فكأنه قال: حتى أكون أحب إليه من أعزته ويعلم منه حكم غير الأعزة بالأولى، أو اكتفى بما ذكر في سائر النصوص الدالة على وجوب كونه أحب من نفسه أيضًا كالرواية التي بعده قاله الكرماني.
وقال ابن كمال باشا: وإنما لم يذكر نفسه؛ لأن الإيمان لأجلها فإنه لتخليصها عن العذاب وإيصالها إلى دار الثواب فلا وجه لأن يعتبر فيه ما ذكر، نعم إنه عليه الصلاة والسلام أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ولكن لا يلزم منه أن يكون حبهم إياه عليه السلام أشد من حبهم لأنفسهم من شرائط الإيمان انتهى.
أقول: فيه نظر لا يخفى؛ لأن المراد بنفي الإيمان في الحديث نفي كماله لا نفي أصله فاللازم عليه أن يكون حبهم إياه أشد من حبهم لأنفسهم من شرائط كمال الإيمان فنفي اللزوم على هذا التقدير غير صحيح، وحديث عمر الآتي صريح في ذلك فليتأمل. والمراد بالوالد هنا ما يعم الوالدة.
قال الكرماني: لأنه إما أن يراد به ذات له الولد، وإما أن يكون بمعنى ذو كذا نحو لاين وتامر فيتناولهما وإما أن يكتفي بأحدهما عن الآخر قال تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل:81] .
وإما أن يكون حكمه حكم النفس في كونه معلومًا من النص الآخر انتهى.
وقال ابن الكمال: أراد بالوالد الأصل كما أنه أراد بالولد الفرع فيعم الأم انتهى.
أي: فيكون مجازًا مرسلًا علاقته الإطلاق والتقييد، وكما أن الأصل يعم الأم، كذلك يعم الجد والجدة وإن عليا، والولد يعم والد الولد وإن سفل.
وفي العيني: قال ابن بطال: قال أبو الزناد: هذا من جوامع الكلم الذي أوتيه عليه الصلاة والسلام إذ أقسام المحبة ثلاثة:
محبة إجلال
ج 1 ص 218
وإعظام: كمحبة الوالد، ومحبة رحمة وإشفاق كمحبة الولد، ومحبة مشاكلة واستحسان كمحبة الناس بعضهم بعضًا، فجمع عليه الصلاة والسلام ذلك كله.
قال القاضي عياض: ومن محبته نصر سنته، والذب عن شريعته وتمني حضور حياته، فيبذل نفسه وماله دونه، وبهذا تبين أن حقيقة الإيمان لا تتم إلا به، ولا يصح الإيمان إلا بتحقيق إنافة قدر النبي صلى الله عليه وسلم ومنزلته على كل والد وولد ومحسن ومتفضل، ومن لم يعتقد ذلك واعتقد سواه فليس بمسلم.
واعترضه الإمام أبو العباس أحمد القرطبي المالكي صاحب (( المفهم ) )فقال: ظاهر كلام القاضي عياض صرف المحبة إلى اعتقاد تعظيمه وإجلاله، ولا شك في كفر من لا يعتقد ذلك غير أنه ليس المراد بهذا الحديث اعتقاد الأعظمية، إذ ليس اعتقادها مستلزمًا للمحبة، إذ قد يجد الإنسان إعظام شيء مع خلوه من محبته قال: فعلى هذا من لم يجد من نفسه ذلك الميل لم يكمل إيمانه على أن كل من آمن إيمانًا صحيحًا لا يخلو من تلك المحبة، وقد قال عمرو بن العاص رضي الله عنه: ما كان أحد أحب إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحلى في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالًا له، وأن عمر رضي الله عنه لما سمع هذا الحديث قال: يا رسول الله أنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي قال: (( ومن نفسك يا عمر ) )فقال: ومن نفسي، فقال: (( الآن يا عمر ) ).
وهذه المحبة ليست باعتقاد تعظيم، بل ميل قلب، ولكن الناس يتفاوتون في ذلك، قال الله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة:54] ولا شك أن حظ الصحابة رضي الله عنهم من هذا المعنى أتم؛ لأن المحبة ثمرة المعرفة وهم بقدره ومنزلته أعلم انتهى.
وقال الكرماني: واعلم أنه قد تقدم أن المحبة قد تكون لأمور ثلاثة، ولا يخفى أن المعاني الثلاثة كلها موجودة في رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جمع من جمال الظاهر والباطن، وكمال أنواع الفضائل وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايتهم إلى الصراط المستقيم ودوام النعيم، ولا شك أن الثلاثة فيه أكمل مما في الوالدين لو كانت فيهما، فيجب كونه أحب منهما؛ لأن المحبة تابعة لذلك حاصلة بحبها كاملة بكمالها.
فإن قلت: المحبة أمر طبيعي غريزي لا يدخل تحت الاختيار، فكيف يكون بما لا يطاق عادة؟
قلت: لم يرد بحب الطبع، بل حب الاختيار المستند إلى الإسلام، فمعناه: لا يؤمن حتى يؤثر رضاي على هوى الوالدين وإن كان فيه هلاكهما انتهى.
وقال ابن كمال باشا: الحب كما يكون خلقيًا كذلك يكون كسبيًا يحصل بتتبع محاسن المحبوب، ومكارم أخلاقه، والمراد هنا هو الثاني، وعلامة كونه صلى الله عليه وسلم أحب إلى المؤمن من والده وولده، أن يؤثره عليهما، ويقدم رضاه وطاعته على رضاهما وطاعتهما، ثم نقل ما تقدم عن الكرماني وقال: إنه لم يصب في قوله فمعناه إلخ، والظاهر أن وجه عدم الإصابة أن ما ذكره لازم المعنى لا نفسه، لكن من الظاهر الواضح أن بين اللازم والملزوم علاقة مصححة، لإطلاق اسم كل منهما على الآخر، وذلك يقتضي أنه لم يصب في قوله لم يصب فليتأمل.
وفي العيني أيضًا: واعلم أن محبة الرسول عليه الصلاة والسلام إرادة فعل طاعته، وترك مخالفته، وهي من واجبات الإسلام قال الله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ} إلى قوله: {حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ} [التوبة:24] .
وقال النووي: فيه تلميح إلى قضية النفس الأمارة والمطمئنة، فإن من رجح جانب المطمئنة كان حب النبي عليه الصلاة والسلام عنده راجحًا ومن رجح جانب الأمارة كان حكمه بالعكس انتهى.
[1] لعله شطب عليها في المخطوط. يحرر