فهرس الكتاب

الصفحة 321 من 1465

وبالسند إليه قال:

183 - (حَدَّثَنا إِسْمَاعِيلَ) بن أبي أويس الأصبحي (قالَ: حَدَّثنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) إمام دار الهجرة، وهو خال إسماعيل هذا (عن مَخْرمَةَ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء (ابنُ سُليمانَ) الوابلي المدني، قتلته الحرورية بقديد رميًا بالأحجار سنة ثلاث ومائة (عن كُريبٍ) بضم الكاف وفتح الراء وآخره موحدة (مَوْلَى ابنِ عبّاسٍ: أنَّ عبدَ اللَّهُ بنُ عباسٍ) رضي الله عنهما (أخبرهُ: أنَّه باتَ ليلةً عندَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وَهِيَ خَالَتُهُ) جملة حالية، والظاهر أنها من كلام كريب (فَاضْطَجَعْتُ) أي: وضعت جنبي على الأرض، وكان المناسب أن يقول: اضطجع؛ ليناسب قوله: بات، أو يقول: بت؛ ليناسب قوله: اضطجعت، لكنه سلك مسلك التفنن في الكلام فالتفت أو يقدر قال: فاضطجعت فيكون الكلام أسلوبًا واحدًا (فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ) بفتح العين كما في الفرع وهو المشهور.

وقال النووي: هو الصحيح وبالضم كما ذكره كثير من الشراح كالكرماني وابن حجر والعيني، وأنكره أبو الوليد الباجي نقلًا ومعنى؛ لأن العُرض بالضم الجانب، وبالفتح أقصر الامتدادين.

وأجيب: بأنه بالضم أيضًا جاء بمعنى المفتوح، فهو مشترك، وقرينة إطلاقه هنا في مقابلة الطول عينت المراد به، ولاسيما وقد صحت به الرواية عن جماعة كالداوودي والأصيلي، فلا وجه لإنكاره.

(وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَهْلُهُ) أي: زوجته ميمونة خالة ابن عباس (فِي طُولِهَا) أي: الوسادة.

قال في (( القاموس ) ): الوساد: المتكأ والمخدة كالوسادة ويثلث، والجمع: وُسُد ووسائد. انتهى.

أقول: فعلى هذا يشكل ما في الحديث من قوله: فاضطجعت في عرض الوسادة ... إلخ؛ لأن الوسادة بهذا المعنى لا تصلح للاضطجاع.

والجواب: أن الوسادة لفظ مشترك بين المخدة وبين الفراش الذي ينام عليه، كما نقله ابن الملقن عن ابن التين، وفيه: قال أبو الوليد: وكان اضطجاع ابن عباس في عرضها عند رؤوسهما أو أرجلهما.

قال: والظاهر أنه لم يكن عندها فراش غيره، فلذلك ناموا جميعًا فيه، وعند أبي داود كانت أدمًا حشوها ليف. انتهى ملخصًا.

(فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ) كذا للكشميهني، ولغيره: (أَوْ قَبْلَهُ) أي: قبل انتصافه، فالضمير راجع إلى المصدر المفهوم من الانتصاف كقوله تعالى: {اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة:8] .

(بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ) أي: بعد انتصافه (بِقَلِيلٍ، اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) جواب إذا على رواية الأكثر الثابت فيهما إذا، وهو العامل فيهما على رأي البعض، وعند المحققين: العامل فيها بشرطها، وهي على هذا التقدير غير مضافة لشرطها؛ لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف (فَجَلَسَ) حال كونه (يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ) الشريف (بِيَدِهِ) بالإفراد، وفي بعض النسخ: (( فجعل يمسح ) )فجملة يمسح على هذه النسخة في محل النصب خبرًا لجعل؛ لأنها من أفعال الشروع.

قال في (( الفتح ) ): أي: يمسح بيده عينيه من إطلاق اسم الحال على المحل، أو أثر النوم من إطلاق اسم السبب على المسبب. انتهى.

وتعقبه العيني بقوله: قلت: أثر النوم من النوم؛ لأنه نفسه، فكيف يكون من هذا الباب. انتهى.

قال القسطلاني: وأجيب: بأن الأثر غير المؤثر، فالمراد هنا ارتخاء الجفون من النوم ونحوه. انتهى.

وقوله: ونحوه بالرفع عطفًا على ارتخاء الجفون، لا بالجر عطفًا على النوم كما يعلم بالتأمل، ولو قدمه على النوم؛ لكان أولى.

أقول: وما ارتضاه العيني واقتصر عليه فيه نظر؛ لأنه يصير المعنى عليه، فجلس يمسح عينيه عن وجهه، ولا محصل له كما هو ظاهر، فتعين المصير إلى ما زيفه العيني، ويكون التعبير بالوجه عن العينين من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء، كقوله تعالى: {يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم} [البقرة:19] .

ويحتمل: أن أثر النوم لا يخص العينين، بل يكون في بقية الوجه أيضًا، فيحمل مسح الوجه على حقيقته، ويكون صلى الله عليه وسلم مسح جميع وجهه عندما استيقظ، كما هو ظاهر حكاية ابن عباس، ولو اقتصر صلى الله عليه وسلم على مسح عينيه؛ لكان المطابق لذلك أن يقول: فجلس يمسح النوم عن عينيه، فتأمل ذلك، فربما تجده

ج 1 ص 653

أبعد عن التكلف.

(ثُمَّ قَرَأَ) صلى الله عليه وسلم (الْعَشْرَ الآيَاتِ) من إضافة الصفة إلى الموصوف كقوله:

~وإن سقيت كرام الناس فاسقينا

وإدخال الألف واللام على المضاف والمضاف إليه شاذ عند البصريين، وقياس عند الكوفيين نحو الثلاثة الأثواب، والقياس عند البصريين ثلاثة الأثواب.

(الْخَوَاتِيمَ) بالنصب نعتًا للعشر (مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ) أي: الأواخر منها، وهي قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [البقرة:164] إلى آخر السورة (ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ) بفتح الشين المعجمة وتشديد النون وهو قربة بالية من أدم، وجمعه شِنان بكسر الشين، ويجوز فيه: التذكير والتأنيث فأنث هنا صفته بقوله: (مُعَلَّقَةٍ) لأنه بمعنى قربة، وذكره في باب تخفيف الوضوء بقوله: شن معلق باعتبار لفظه أو بتأويله بالأدم أو الجلد (فَتَوَضَّأَ مِنْهَا) أي: من مائها أو مبتدأ منها (فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ) أي: أتمه بأن أتى بمندوباته، ولا يعارض هذا قوله في باب تخفيف الوضوء فتوضأ وضوءًا خفيفًا؛ لأن الظاهر أنه أتى بجميع مندوباته مع التخفيف، أو كان كل منهما في وقت (ثُمَّ قَامَ) عليه الصلاة والسلام (يُصَلِّي) .

قال ابن عباس: (فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ) أي: من مسح النوم وقراءة الآيات والوضوء، ويحتمل أن يكون ذلك في الوضوء فقط وهو المتبادر (ثُمَّ ذَهَبْتُ، فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ) أي: الأيسر (فَوَضَعَ صلى الله عليه وسلم يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي) أي: فأدارني إلى يمينه (وَأَخَذَ بِأُذُنِي) بضم الهمزة والذال المعجمة (الْيُمْنَى يَفْتِلُهَا) أي: يدلكها تنبيهًا على الغفلة عن أدب الاقتداء من كونه ينبغي أن يكون المأموم عند يمين الإمام إذا كان وحده، أو تأنيسًا له.

(فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ) بتكرير ركعتين ست مرات، فالمجموع اثنا عشر، وهو مقيد بما مر في باب تخفيف الوضوء فصلى ما شاء الله (ثُمَّ أَوْتَرَ) .

قال الكرماني: أي: جاء بركعة أخرى فردة.

وتعقبه العيني فقال: لم لا يجوز أن يكون معنى قوله: (( أوتر ) )صلى ثلاث ركعات؛ لأنها وتر أيضًا، بل الأوجه هذا؛ لأنه ورد النهي عن البتيراء وهي التنفل بركعة واحدة. انتهى.

(ثُمَّ اضْطَجَعَ) أي: نام حتى نفخ كما تقدم في باب تخفيف الوضوء (حَتَّى أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ) أي: بلال رضي الله عنه (فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) هما سنة الفجر وخفتهما بالنسبة إلى صلاته بالليل؛ لأنها كانت طويلة، أو بالنسبة إلى فرض الصبح، فإن السنة في القراءة فيه ما بين الأربعين آية إلى الستين (ثُمَّ خَرَجَ) أي: من الحجرة إلى المسجد (فَصَلَّى الصُّبْحَ) أي: فرضه بأصحابه الكرام عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام.

قال في (( الفتح ) ): قال ابن بطال ومن تبعه: فيه دليل على الرد على من كره قراءة القرآن على غير طهارة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآيات بعد قيامه من النوم قبل أن يتوضأ.

وتعقبه ابن المنيّر وغيره: بأن ذلك مفرع على أن النوم في حقه ينقض، وليس كذلك؛ لأنه قال: (( تنام عيناي ولا ينام قلبي ) ).

وأما كونه توضأ عقب ذلك، فلعله جدد الوضوء أو أحدث بعد ذلك فتوضأ.

قلت: وهو تعقب جيد بالنسبة إلى قول ابن بطال بعد قيامه من النوم؛ لأنه لم يتعين كونه أحدث في النوم، لكن لما عقب ذلك بالوضوء كان ظاهرًا في كونه أحدث، ولا يلزم من كون نومه لا ينقض وضوءه أن لا يقع منه حدث وهو نائم.

نعم: خصوصيته بأنه إن وقع شعر به بخلاف غيره وما ادعوه من التجديد وغيره الأصل عدمه وقد سبق الإسماعيلي إلى معنى ما ذكره ابن المنير. انتهى.

وتعقبه العيني فقال: قلت: قوله: لا يلزم من كون نومه ... إلخ غير مسلم، وكيف يمنع عدم الملازمة، بل يلزم من كون نومه لا ينقض وضوءه أن لا يقع حدث في حالة النوم؛ لأن هذا من خصائصه، فيلزم من قول هذا القائل أن لا يفرق بين نوم النبي صلى الله عليه وسلم ونوم غيره.

وقوله: وما ادعوه من التجديد وغيره الأصل عدمه.

قلت: هذا عند عدم قيام الدليل على ذلك، وهاهنا قام الدليل بأن وضوءه لم يكن لأجل الحدث، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (( تنام عيناي ولا ينام قلبي ) ).

فحينئذٍ يكون تجديد وضوئه لأجل طلب زيادة النور حيث قال: (( الوضوء على الوضوء نور على نور ) ). انتهى.

قال في (( الانتقاض ) ): ومن أنصف عرف ما في كلامه من الدفع بالصدر، والله المستعان. انتهى.

وفي الحديث: استحباب التهجد، وقراءة العشر آيات عند الانتباه من النوم، وأن صلاة الليل مثنى، وهو من خماسياته، ورجاله مدنيون، وفيه: التحديث بصيغة الإفراد والجمع والإخبار والعنعنة.

وأخرجه المؤلف أيضًا في الصلاة والوتر والتفسير، ومسلم في الصلاة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت