وبالسند إلى المؤلف قال:
16 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بلفظ اسم المفعول من التثنية بالمثلثة ابن عبيد بن قيس بن ذبيان أبو موسى العنزي، البصري، المعروف بالزمن، سمع ابن عيينة، ووكيع بن الجراح، وإسماعيل بن علية، والقطان، وغيرهم، وروى عنه أبو زرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن يحيى الذهلي، والمحاملي.
قال الخطيب: كان ثقة ثبتًا، تحتج سائر الأئمة بحديثه، وقدم بغداد وحدث بها، ثم رجع إلى البصرة فمات بها سنة اثنتين وخمسين ومائتين وولد هو وبندار في السنة التي مات فيها حماد بن سلمة سنة سبع وستين ومائة، روى عنه الجماعة، وروى الترمذي أيضًا عن رجل عنه وقال: لا بأس به.
قَالَ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ) أبو محمد بن عبد المجيد البصري (الثَّقَفِي) بالمثلثة بعدها قاف ثم فاء نسبة إلى ثقيف المتوفى سنة أربع وتسعين ومائة عن ست وثمانين سنة، قال خليفة بن خياط: اختلط قبل موته بثلاث سنين أو أربع سنين روى له الجماعة.
(قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) ابن أبي تميمة واسمه كيسان السَختياني بفتح المهملة على الصحيح نسبة إلى بيع السختيان وهو الجلد البصري، المتوفى بها سنة إحدى وثلاثين ومائة عن ثلاث وستين سنة.
(عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ) بكسر القاف وتخفيف اللام وبالموحدة عبد الله بن زيد بن عمرو، وقيل: عامر بن نابل بن مالك الجرمي البصري، سمع ثابت بن قيس الضحاك الأنصاري، وأنس بن مالك الأنصاري، وغيرهم من الصحابة، وروى عنه أيوب، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، اتفق على توثيقه، توفي بالشام لما فر من البصرة حين أريد على القضاء سنة أربع ومائة، روى له الجماعة.
(عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه) وفي رواية الأصيلي وابن عساكر بزيادة: (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنه (قَالَ: ثَلاَثٌ) أي: ثلاث خصال مبتدأ خبره جملة (مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ) أي: أصاب (حَلاَوَةَ الإِيمَانِ) ومسوغ الابتداء بالنكرة.
قال العيني: ثلاث وجوه:
الأول: أن يكون التنوين في ثلاث عوضًا عن المضاف إليه تقديره ثلاث خصال.
الثاني: أن يكون هذا صفة لموصوف محذوف تقديره خصال ثلاث فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه.
الثالث: أن يكون ثلاث موصوفًا بالجملة الشرطية التي بعده، والخبر على هذا الوجه هو قوله أن يكون، والتقدير كون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وعلى التقديرين الأولين الخبر هو الجملة الشرطية أن قوله من مبتدأ موصول يتضمن معنى الشرط.
وقوله: كن فيه جملة صلته، وقوله: وجد خبره والجملة خبر المبتدأ الأول، فإن قلت: الجملة إذا وقعت
ج 1 ص 221
خبرًا فلابد من ضمير فيها يعود إلى المبتدأ، وليس هاهنا ضمير يعود إليه، والضمير في فيه يرجع إلى من لا إلى ثلاث.
قلت: العائد هنا محذوف تقديره ثلاث من كن فيه منها وجد حلاوة الإيمان كما في قولك: البر الكربستين؛ أي [1] منه انتهى.
وفي كلامه نظر من وجوه:
الأول: أن محط الفائدة في الحديث الإخبار عن الثلاث بأن من كن فيه وجد حلاوة الإيمان لا الإخبار عنها بكون الله ورسوله أحب وما عطف عليه، فإن كونها ثلاثًا معلومًا فلا فائدة معتدًا بها في الإخبار به عنها.
الثاني: أنه جعل جملة الخبر على التقديرين الأولين الجملة الشرطية، ثم حكم بأن من موصولة مبتدأ وكن صلة له، ووجد الخبر فقد نقض ما بناه؛ لأنها على هذا التقدير ليست شرطية؛ لأن الشرطية تقتضي شرطًا وجزاء، ومن إذا تضمنت معنى الشرط شرطية لا موصولة، وربما عرض له الاشتباه بما ذكره النحاة من أن من الموصولة قد تشبه من الشرطية في العموم فتدخل الفاء في خبرها كقولهم: من يأتيني فله درهم.
الثالث: جعله العائد محذوفًا وتقديره إياه بمنها مع ظهور اشتمال الجملة على الرابط وهو النون في كن الراجعة إلى ثلاث مع أنه لا يظهر معنى صحيح لقوله: من كن فيه منها، وليست كقولهم: البر الكربستين، كما يظهر بالتأمل، وعلى تقدير كون الجملة خبر الثلاث فإن يكون بدل منها إما بدل كل من كل على اعتبار عطف ما بعدها عليها مقدمًا على ملاحظة البدلية فلا تحتاج إلى رابط أو بدل بعض من كل إن لم يلاحظ ذلك، ويكون الرابط مقدرًا؛ أي: منها كقوله تعالى: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران:97] على ما هو الأرجح في إعراب الآية الكريمة، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي: إحداها أن يكون أو مبتدأ محذوف الخبر؛ أي: منها أن يكون، وكن يحتمل كأن فيه التمام فيكون فيه ظرفًا لغوًا متعلقًا بها، ويحتمل النقصان فيكون مستقرًا خبرًا لها ووجد بمعنى أصاب.
وقال ابن الكمال: والوجود بمعنى نقيض العدم ولهذا عدي إلى مفعول واحد كما قوله تعالى: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه:115] على أحد التفسيرين، وأما الوجود بمعنى الإصابة فلم نجده انتهى.
أقول: وفيه نظر ففي (( الصحاح ) ): وجد مطلوبه وجودًا، أو وجد ضالته وجدانًا.
وفي (( النهاية ) )لابن الأثير: وجد ضالته يجدها وجدانًا إذا رآها ولقيها، ثم في قوله صلى الله عليه وسلم: (( حلاوة الإيمان ) )استعارة بالكناية إذ فيه تشبيه الإيمان بالعسل مثلًا في ميل النفوس إليه تشبيهًا مضمرًا في النفس وهو الاستعارة المكنية على مذهب صاحب (( التلخيص ) )وهو أشهر المذاهب، وإن كان مذهب السلف أقوى وأصح، وإضافة الحلاوة إليه استعارة تخييلية، والمكنية لا تنفك عنها، ويجوز أن تكون الاستعارة في الحلاوة فقط بأن يشبه استلذاذ الإيمان بالحلاوة، والجامع كون كل منهما أمرًا تميل النفوس السليمة إليه وحينئذ تكون استعارة مصرحة.
وعلى قياس ما ذكره صاحب (( الكشاف ) )في قوله تعالى: {يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِ} [الرعد:125] يجوز أن تبقى الاستعارة بالكناية في الإيمان، وتكون هذه المصرحة قرينتها وأوثرت الحلاوة؛ لأنها أظهر اللغات الحسية حتى أن الأطباء ذكروا أن الحلو إذا أكل فوق الأطعمة تجذبه الطبيعة إلى أسفل المعدة.
وفي (( شرح المشكاة ) )للمحقق علي القاري: أن حلاوة الإيمان إذا دخلت قلبًا لا تخرج منه أبدًا، ففيه إشارة إلى بشارة حسن الخاتمة وقيل: معنى حلاوة الإيمان استلذاذ الطاعات وإيثارها على جميع الشهوات والمستلذات، وتحمل المشاق في مرضاة الله ورسوله، وتجرع المداراة في المصيبات والرضى بالقضاء في جميع الحالات، وفيه تلميح إلى قصة الصحيح الذي يدرك الطعوم على ما هو عليه، والمريض الصفراوي الذي بضده إذ يجد طعم العسل من نقص ذوقه بقدر نقص صحته، فالقلب السليم من أمراض الغفلة والهوى يذوق طعمه، ويتلذذ منه، ويتنعم به كما يذوق الفم طعم العسل وغيره من لذيذ الأطعمة ويتنعم بها، بل تلك اللذة أعلى فإن في جنبها يترك لذات الدنيا بل جميع نعيم الآخرة انتهى.
وفي (( الفتح ) ): وفيه تلميح إلى قصة المريض والصحيح؛ لأن المريض الصفراوي يجد طعم العسل مرًا، والصحيح يجد حلاوته على ما هي عليه، وكلما نقصت الصحة شيئًا ما نقص ذوقه بقدر ذلك فكانت هذه الاستعارة من أوضح ما يقوي استدلال المصنف على الزيادة والنقص.
قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: إنما عبر بالحلاوة؛ لأن الله شبه الإيمان بالشجرة في قوله: {مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ} [إبراهيم:24] .
فالكلمة هي كلمة الإخلاص، والشجرة أصل الإيمان وأغصانها اتباع الأمر واجتناب النهي وزهرها ما يهم به المؤمن من الخير، وثمرها عمل الطاعات وحلاوة الثمر جني الشجرة، وغاية كماله تناهي نضج الثمرة وبه تظهر حلاوتها انتهى.
قال القسطلاني: وهل هذا الذوق محسوس أو معنوي، وعلى الثاني فهو على سبيل المجاز والاستعارة انتهى.
فمفهوم كلامه أنه على الأول على سبيل الحقيقة وذلك عند أرباب الكشف من الصوفية كما نبه عليه العارف ابن أبي جمرة أن يكون الله عز وجل ورسوله إلى الثقلين كافة، وهو محمد نبينا صلى الله عليه وسلم أحب إليه مما سواهما، وإنما أفرد أحب؛ لأنه جرد عن الإضافة موصولًا بمن، وإذا وصل بها أو أضيف لنكرة لزم الإفراد والتذكير.
قال ابن مالك في (( الخلاصة ) ):
~وإن لمنكور يضف أو جردا ألزم تنكيرًا وأن يوحدا
وإنما قال مما سواهما ولم يقل ممن سواهما ليعم ذوي العقول وغيرهم من المال والجاه وسائر الشهوات والمرادات؛ لأن ما تستعمل في العاقل إذا اختلط بغيره كقوله تعالى: {وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} [النحل:49] .
وقد جمع صلى الله عليه وسلم بين الله تعالى ونفسه بلفظ ضمير التثنية فيما سواهما
ج 1 ص 222
مع إنكاره صلى الله عليه وسلم على من فعل ذلك وهو الخطيب الذي قال ومن يعصهما فقد غوى فقال له: بئس الخطيب أنت؛ لأنه يجوز له ما لا يجوز لغيره، ولذا قال صلى الله عليه وسلم في خطبة النكاح: (( من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه ) ).
ووجه التخصيص أنه لا يتطرق إليه إيهام التسوية بخلاف غيره لو جمع، وإليه مال ابن عبد السلام ولذا قيل: العمل بخبر المنع أولى؛ لأن الخبر الآخر يحتمل الخصوص، ولأنه قول والثاني فعل.
قال في (( الفتح ) ): ورد بأن احتمال التخصيص في القول أيضًا حاصل بل ليس فيه صيغة عموم أصلًا انتهى.
وقال القاضي البيضاوي: وأما تثنية الضمير هاهنا فللإيمان إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين لا كل واحدة فإنها وحدها ضائعة لاغية، وأمر بالإفراد في حديث الخطيب إشعارًا بأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزامه الغواية إذ العطف في تقدير التكرير، والأصل استقلال كل من المعطوفين في الحكم انتهى.
أي فكأنه قال: من عصى الله فقد غوى، ومن عصى رسوله فقد غوى، فمن يدعي حب الله مثلًا ولا يحب رسوله لا ينفعه ذلك ويشير إليه قوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ} [آل عمران:31] فأوقع متابعته بين قطري محبة العباد لله ومحبة الله للعباد.
لا يقال فحينئذ عصيان أحدهما عصيان الآخر فلا يتصور الإفراد لأنا نقول الأمر كذلك، لكن المراد تفظيع المعصية بأنه لو فرض وجودها لرسوله وحده لكانت مستقلة بالإغواء فكيف وهي لا توجد إلا لهما.
قال المحقق ملا علي القاري: وهذا معنى دقيق في غاية التحقيق وفيه إيماء لطيف وإنهاء شريف إلى أن المحبة مادة الاجتماع على وجه الكمال بحيث أنه لا يحتمل المغايرة، ولذا قيل: أنا من أهوى ومن أهوى أنا، والمخالفة موجبة للافتراق.
ولذا قال: هذا فراق بيني وبينك، ولتلك المحبة علامات من أظهرها ما أشار إليه يحيى بن معاذ الرازي بقوله: حقيقة المحبة أن لا تزيد بالعطاء ولا تنقص بالجفاء، ولا يتم هذا إلا لصديق جذبته أزمة العناية حتى أوقفته على عتبة الولاية، وأحلته في رياض الشهود المطلق فرأى أن محبوبه هو الحق وما سواه باطل محقق انتهى.
وثم أجوبة أخرى منها أنه صلى الله عليه وسلم إنما أنكر على الخطيب؛ لأنه ليس من هذا القبيل؛ لأن المطلوب في الخطب والمواعظ التوضيح لا الرمز والتلويح، وأما هنا فالمراد الإيجاز في اللفظ ليحفظ ويدل لهذا حديث ابن مسعود رضي الله عنه الذي أخرجه أبو داود بسند جيد في خطبة النكاح: (( من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه ) ).
قال في (( الفتح ) ): واعترض بأنه ورد أيضًا في خطبة النكاح، وأجيب: بأن المقصود في خطبة النكاح الإيجاز أيضًا فلا نقض انتهى.
ومنها دعوى التفرقة بوجه آخر وهو أن كلامه صلى الله عليه وسلم هنا جملة واحدة فلا يحسن إقامة الظاهر فيها مقام المضمر، وكلام الذي خطب جملتان لا يكره فيهما إقامة الظاهر مقام المضمر.
قال في (( الفتح ) ): وتعقب هذا بأنه لا يلزم من كونه لا يكره إقامة الظاهر فيهما مقام المضمر أنه يكره إقامة المضمر فيهما مقام الظاهر، فما وجه الرد على الخطيب مع أنه صلى الله عليه وسلم جمع كما تقدم، ويجاب بأن قصة الخطيب كما قلنا ليس فيها صيغة عموم بل هي واقعة عين، فيحتمل أن يكون في ذلك المجلس من يخشى عليه توهم التسوية كما تقدم انتهى.
ومنها أنه إنما أنكر الجمع تعظيمًا لله تعالى، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (( لا يقولن أحدكم ما شاء الله وشاء فلان ولكن ثم ما شاء فلان ) ).
وذلك لما في ثم من التراخي في الزمان فيستعار للتراخي في الرتبة بخلاف الواو، فإنها تقتضي التسوية وفيه أنه لو كان الجمع مخلًا بالتعظيم لما جمع صلى الله عليه وسلم إلا أن يقال أن ذلك بالنظر إلى غيره صلى الله عليه وسلم لكنه يرجع إلى ادعاء الخصوصية فلا يكون جوابًا مستقلًا.
ومنها أن الله أمر نبيه عليه السلام أن يشرف من شاء بما شاء، كما أقسم بكثير من مخلوقاته، وكذلك له أن يأذن لنبيه عليه السلام ويحجر غيره وفيه أنه يرجع إلى ادعاء الخصوصية أيضًا فلا مغايرة إلا في العبارة.
ومنها أن المتكلم لا يدخل تحت خطاب نفسه إذا وجهه لغيره وغير ذلك.
فائدة: قال في (( الفتح ) ): محبة الله على قسمين فرض وندب، فالفرض المحبة التي تبعث على امتثال أوامره، والانتهاء عن معاصيه، والرضا بما يقدره، فمن وقع في معصية من فعل محرم، أو ترك واجب فلتقصيره في محبة الله تعالى حيث قدم هوى نفسه، والتقصير تارة يصير مع الاسترسال في المباحات، والاستكثار منها فتورث الغفلة المقتضية للتوسع في الرجاء، فيقدم على المعصية أو تستمر الغفلة فيقع، وهذا الثاني يشرع إلى الإقلاع مع الندم وإلى الثاني
ج 1 ص 223
يشير حديث: (( لا يزني الزاني وهو مؤمن ) ).
والندب أن يواظب على النوافل ويتجنب الوقوع في الشبهات، والمتصف بذلك عمومًا نادر، وكذا محبة الرسول على قسمين كما تقدم، ويراد أن لا يتلقى شيئًا من المأمورات والمنهيات إلا من مشكاته، ولا يسلك إلا طريقته، ويرضى بما شرعه حتى لا يجد من نفسه حرجًا مما قضى، ويتخلق بأخلاقه في الجود والإيثار والحلم والتواضع وغيرها فمن جاهد نفسه على ذلك وجد حلاوة الإيمان، وتتفاوت مراتب المسلمين بحسب ذلك.
وقال الشيخ محي الدين النووي: هذا حديث عظيم وأصل من أصول الدين، ومعنى حلاوة الإيمان استلذاذ الطاعات، وتحمل المشاق في الدين، وإيثار ذلك على أغراض الدنيا، ومحبة العبد لله تحصل بفعل طاعته وترك مخالفته وكذلك محبة الرسول صلى الله عليه وسلم تحصل باتباع شريعته انتهى.
وقال القاضي عياض: لا تصح محبة الله ورسوله حقيقة، وحب المرء في الله، وكراهة الرجوع إلى الكفر إلا لمن قوي بالإيمان يقينه، واطمأنت به نفسه، وانشرح له صدره، وخالط لحمه دمه، وهذا هو الذي وجد حلاوة الإيمان.
وقال بعضهم: المحبة مواطأة القلب على ما يرضي الرب سبحانه وتعالى فيحب ما أحب ويكره ما يكره فلا يعصيه بترك مأمور ولا بفعل محظور وإلا كان كاذبًا في محبته، وما أحسن قول محمود الوراق:
~تعصي الإله وأنت تزعم حبه هذا لعمري في القياس بديع
~لو كان حبك صادقًا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع
وبالجملة فأصل المحبة الميل إلى ما يوافق المحبوب، وهذا متصور في حق الرسول صلى الله عليه وسلم منه أوله لاستجماع الأمور الثلاثة فيه المقتضية للمحبة فإنها كما تقدم إما للاستحسان بإحدى الحواس كالصورة الجميلة، والصوت الحسن، والمطاعم الشهية.
وإما للاستلذاذ بالعقل من المعاني والأخلاق الجميلة كمحبة الصالحين والعلماء العاملين، وإما للإحسان إلى الإنسان بإيصال نفع أو دفع ضر، والنبي صلى الله عليه وسلم مستجمع لجميع ذلك، وأما في حق الله تعالى فالمحبة غير متصورة إذ هو منزه عن أن يميل إلى أحد أو يمال إليه تعالى، فمن ثم حملت المحبة الواردة في كتاب الله تعالى أو في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم في حق العبد على امتثال أوامره واجتناب نواهيه، وفي حق الرب على رضاه على عبده وإنعامه عليه.
وقال بعضهم: تتصور في حق الله تعالى من العبد؛ لأن محبة العبد له تعالى على قدر معرفته بجلاله، وكمال صفاته، وتنزيهه تعالى عن النقائص، وفيض إحسانه على عباده فلا استحالة لها بهذا المعنى؛ لأنها من الحب العقلي أو الشرعي.
قال البيضاوي: والمراد هنا بالحب الحب العقلي الذي هو إيثار ما يقتضي العقل السليم رجحانه ويستدعي اختياره، وإن كان على خلاف هوى النفس كالمريض يعاف الدواء بطبعه فينفر عنه ويميل إليه بمقتضى عقله فيهوى تناوله باختياره لما يعلم أن صلاحه فيه، فإذا تأمل الإنسان أن الشارع لا يأمر ولا ينهي إلا بما فيه صلاح عاجل، أو خلاص آجل.
والعقل يقتضي رجحان جانب ذلك تمرن على الائتمار بأمره بحيث يصير هواه تبعًا لما جاء به، ويلتذ بذلك التذاذًا عقليًا إذ هو إدراك ما هو كمال وخير من حيث هو كذلك، وليست بين هذه اللذة العقلية واللذة الحسية نسبة يعتد بها عند أرباب الكمال.
والشارع عبر عن هذه الحالة بالحلاوة؛ لأنها أظهر اللذات الحسية، وإنما جعل هذه الأمور الثلاثة عنوانًا لكمال الإيمان؛ لأن الإنسان لا يتم إيمانه حتى يتأمل أن المنعم بالذات هو الله عز وجل، وأن لا مانح ولا مانع في الحقيقة سواه، وأن ما عداه وسائط، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الرءوف الرحيم الساعي في إصلاح شأنه، فبين له مراد ربه تعالى، فيقتضي ذلك أن يتوجه بكليته نحوه تعالى ولا يحب إلا ما يحب ولا يحب من يحب إلا لأجله لكونه واسطة بينه وبينه، وأن يتيقن أن جميع ما وعد به وأوعد حق يخيل إليه كالواقع فيحسب أن مجالس الذكر رياض الجنة، وأن أكل مال اليتيم أكل النار، وأن العود في الكفر إلقاء فيها انتهى ملخصًا كما في (( فتح الباري ) ).
(وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ) بالنصب مفعول به ليحب، وفاعله الضمير الراجع إلى من، وجملة (لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ) حالية تحتمل أن تكون بيانًا لهيئة الفاعل أو المفعول.
قال الكرماني: أو كلاهما معًا، ورده ابن كمال باشا فقال: ولا يجوز الجمع كما توهم؛ لأنها لا تكون حالًا إلا من أحدهما.
أقول: وفيه نظر؛ لأنهم جوزوا في قول امرئ القيس:
~تعش فإن عاهدتني لا تخونني
الاحتمالات الثلاثة في لا تخونني وقول الشاعر:
~متى ما تلقني فردين ترجف روانف أليتيك وتستطارا
صريح في محي الحال من الفاعل والمفعول وقد صرح في التصريح بأن بعته يدًا بيد أي متقابضين حال من الفاعل والمفعول وكذا كلمته فاه أي إلى في أي متشافهين فالحق ما قاله الكرماني.
قال في (( الفتح ) ): قال يحيى بن معاذ: حقيقة الحب في الله أن لا يزيد بالبر ولا ينقص بالجفاء، والاستثناء مفرغ؛ أي: لا يحبه لغرض وعرض وعوض، ولا يشوب محبته حظ دنيوي ولا أمر بشري، بل تكون محبته خالصة لله تعالى فيكون متصفًا بالحب في الله داخلًا
ج 1 ص 224
في زمرة المتحابين فيه، فهذه المحبة هي التي تثمر حلاوة الإيمان وتحصل بها الألفة الموجبة للتعاون على البر والتقوى وهي من ثمرات حبه عز وجل وحب رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن المتصف بها ممتثل لأمرهما.
وقد قال الإمام مالك: المحبة في الله تعالى من واجبات الإسلام وهي شعار أولياء الله تعالى، وقد ورد الحث عليها في أحاديث كثيرة غير هذا الحديث منها ما في (( الصحيحين ) )في السبعة الذين يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله (( ورجلان تحابا في الله ) ).
ومنها قوله في الحديث القدسي: (( المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي ) ).
وثالث الخصال التي يوجد بها حلاوة الإيمان (أَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ) أي: يلقى (فِي النَّارِ) .
في (( الصحاح ) ): الكراهة نقيض المحبة، وقد تسامح الكرماني في جعلها ضد الإرادة إذ المكروه قد يكون مرادًا والضدان لا يجتمعان والعود الرجوع وهو مصير الشيء إلى الحالة التي كان عليها قبل ذلك.
وقال الراغب العود الرجوع إلى الشيء بعد الانصراف عنه، إما انصرافًا بالذات أو بالقول والعزيمة انتهى.
وقال ابن الكمال: ويستعمل في الفعل مرة ثانية حقيقة، وفي فعل مثله مجازًا وتعديته بإلى في المشهور وهو المذكور في (( الصحاح ) )وقد يتعدى باللام كما في قوله تعالى: {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} [الأنعام:28] وبقي كما في قوله تعالى: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [الأعراف:88] انتهى.
والمراد بالعود هنا الصيرورة ليشمل المسلم الأصلي، ومن كان إسلامه مسبوقًا بالكفر.
وقال في (( الفتح ) )تبعًا للكرماني: فإن قيل: لم عدى العود بفي ولم يعده بإلى؟
فالجواب: أنه ضمنه معنى الاستقرار كأنه قال يستقر فيه ومثله قوله تعالى: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} انتهى.
وتعقبه العيني فقال: فإن قلت: المشهور أن يقال عاد إليه معدى بإلى لا بفي.
قلت: قال الكرماني: قد ضمن فيه معنى الاستقرار كأنه قال: مستقرًا فيه، وهذا تعسف وإنما في هنا بمعنى إلى كما في قوله تعالى: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} أي: لتصيرن إليها انتهى.
ورده ابن كمال باشا أيضًا فقال: ومن ذهب إلى أن تعديته بفي بتضمين معنى الاستقرار فقد وهم كيف وأن المقام يأبى عنه لإشعاره بأن يكون متعلق الكراهة العود المقيد لا مطلق العود، ولا وجه له كما لا يخفى انتهى.
ويمكن الجواب عنه بأن المراد بالاستقرار مجرد الحصول لا الثبوت على جهة الدوام والقرار فيخرج بذلك عن كونه مقيدًا على أن فيه فائدة جليلة وهي الإشارة إلى أن ما هجس في الخاطر ولم يستقر فيه لا يؤاخذ به المكلف، فإن حديث النفس مرفوع به المؤاخذة عن هذه الأمة فلو هجس في خاطره أن يعود إلى الكفر ولم يعزم عليه لا يؤاخذ به فليتأمل.
وفي (( الفتح ) )زاد أبو نعيم في (( المستخرج ) )من طريق الحسن بن سفيان عن محمد بن المثنى شيخ المؤلف بعد أن أنقذه الله منه، وكذا هو في طريق أخرى للمصنف والإنقاذ أعم من أن يكون بالعصمة عنه ابتداء بأن يولد على الإسلام ويستمر أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، كما وقع لكثير من الصحابة، وعلى الأول فيحمل قوله فيعود على معنى الصيرورة بخلاف الثاني، فإن العود فيه على ظاهره انتهى.
أقول: إنما يتمشى هذا على مذهبه من جواز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، وأما على مذهب من يمنع ذلك كالحنفية فلا إلا أن يجعل من عموم المجاز كالاتصاف بالكفر مثلًا، فإن كراهة الاتصاف بالكفر تعم من كان مسلمًا أصليًا، أو طرأ عليه الإسلام وهذا هو المخلص في كل ما أوهم الجمع بين الحقيقة والمجاز.
وقال العيني: معناه أن هذه الكراهة إنما توجد عند وجود سببها، وهو ما داخل قلبه من نور الإيمان، وكشف له عن محاسن الإسلام وقبح الجهالات والكفران، وقيل: المعنى من وجد حلاوة الإيمان علم أن الكافر في النار يكره الكفر لكراهته لدخول النار.
قلت: وقائل هذا المعنى حافظ على بقاء لفظ العود على معناه الحقيقي، ومعناه هنا الصيرورة قال الله تعالى: {وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا} [الأعراف:89] انتهى.
ثم إن الخصلتين الأوليين في الحديث من باب التحلي بالفضائل، والخصلة الأخيرة من باب التخلي عن الرذائل، ففيه الإشارة إلى التحريض على استكمال بقية الخصال الراجعة إلى النوعين، وأن هذه المذكورات أمهات لغير المسطورات.
قال الكرماني: واعلم أن في الحديث إشارة أولًا إلى التحلي بالفضائل وهو كون الله ورسوله أحب إليه، وهذا هو التعظيم لأمر الله، وكون محبته للخلق خالصة لله، وفيه إشارة إلى الشفقة على خلق الله وآخرًا إلى التخلي عن الرذائل وهو كراهية الكفر، وما يلزمه من سائر النقائص وهذا في الحقيقة لازم للأول؛ لأن إرادة الكمال مستلزمة لكراهة النقصان انتهى.
واستدل بهذا الحديث على أفضلية من أكره على الكفر فترك التقية إلى أن قتل، قاله العيني قال: وأخرجه؛ أي؛ المؤلف من هذا الوجه في الأدب في فضل الحب في الله، ولفظ هذه الرواية: (( وحتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه ) ).
وهي أبلغ من لفظ حديث الباب؛ لأنه سوى فيه بين الأمرين، وهناك جعل الوقوع في نار الدنيا أولى من الكفر الذي أنقذه
ج 1 ص 225
الله بالخروج منه من نار الأخرى، وكذا رواه مسلم من هذا الوجه، وفي رواية للبخاري ومسلم: (( من كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع يهوديًا أو نصرانيًا ) ). وأخرجه الترمذي والنسائي أيضًا.
وللنسائي في رواية أخرى: (( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان وطعمه أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب في الله ويبغض في الله، وأن توقد نار عظيمة فيقع فيها أحب إليه من أن يشرك بالله شيئًا ) ).
[1] أي مكررة في المخطوط.