وبالسند إلى المؤلف قال:
191 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بفتح السين والدال المشددة (قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عبد الرحمن أبي الهيثم الطحان الواسطي الثقة الثَّبْتْ، وهو من أتباع التابعين.
قال الكرماني: يحكى أنه تصدق بزنة بدنه فضة ثلاث مرات، مات سنة تسع وسبعين ومائة. انتهى.
وفي (( التقريب ) ): مات سنة اثنين وثمانين ومائة، وكان مولده سنة عشر ومائة.
(قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) بفتح العين المازني الأنصاري (عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن عمارة (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الأنصاري) وقد تقدما قريبًا (أَنَّهُ) أي: أن عبد الله بن زيد (أَفْرَغَ) أي: صب الماء (مِنَ الإِنَاءِ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا) أي: معًا (ثُمَّ غَسَلَ) أي: فمه فالمفعول محذوف (أَوْ مَضْمَضَ) شك من الراوي.
قال في (( الفتح ) ): وأخرجه مسلم عن محمد بن الصباح عن خالد بسنده هذا من غير شك، ولفظه: (( ثم أدخل يده فاستخرجها، فمضمض واستنشق ) ).
وأخرجه أيضًا الإسماعيلي من طريق وهب وبقية بن خالد كذلك، فالظاهر: أن الشك فيه من مسدد شيخ البخاري.
وأغرب الكرماني فقال: الظاهر أن الشك فيه من التابعي. انتهى.
وتعقبه العيني فقال: قلت: كل منهما محتمل، وكونه من الظاهر من أين بلا قرينة؟. انتهى.
قال في (( الانتقاض ) ): وكأنه ما فهم المراد مما نقل عن روايتي مسلم والإسماعيلي، فإذا اجتمع ثلاثة على رواية شيء، فتردد أحدهم، وجزم الآخران
ج 1 ص 665
من غير تردد ما يكون ذلك قرينة في أن الشك من المتردد، واحتمال أن التابعي رواه بالشك تارة وبغير الشك تارة مرجوح، إذ الأصل عدم التعدد. انتهى.
(وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفَّةٍ) بفتح الكاف وضمها آخرها هاء تأنيث كغرفة وغرفة؛ أي: من حفنة (وَاحِدَةٍ) وفي رواية أبي ذر والأكثر: بلا تاء.
وعن الأصيلي في فرع اليونينية صوابه: بالتذكير، وفي رواية ابن عساكر: (( من كف واحدة ) )وفي نسخة: (( من غرفة واحدة ) ).
قال ابن بطال: المراد بالكفة الغرفة، فاشتق لذلك من اسم الكف عبارة عن ذلك المعنى.
قال: ولا يعرف في كلام العرب إلحاق هاء التأنيث في الكف، ومحصله: أن المراد بقوله كفة فعلة لا أنها تأنيث الكف، كذا في (( الفتح ) ).
وتعقبه العيني بقوله: قلت: هذا محصل غير حاصل، فكيف يكون كفه تأنيث الكف والكف مؤنث؟. انتهى.
وأجاب في (( الانتقاض ) )بقوله: انظر وتعجب حرف الكلام ثم اعترض عليه، ويحتمل أن يكون ذلك وقع في النسخة التي وقف عليها، فبنى اعتراضه عليها، والذي في أصلي ما ذكرته، ولا إشكال فيه. انتهى.
يعني: أن الذي وقع في النسخة التي وقف عليها العيني: (( كفة ) )فعلة في أنها تأنيث الكف، فبنى اعتراضه عليها.
ثم قال العيني: وقال ابن التين: اشتق ذلك من اسم الكف، فسمى الشيء باسم ما كان فيه، وهو الأقرب إلى الصواب. انتهى.
(فَفَعَلَ ذَلِكَ) أي: المضمضة والاستنشاق بإفراد اسم الإشارة كما في قوله تعالى: {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [البقرة:68] (ثَلاَثًا) من غرفة واحدة وهو موضع المطابقة للترجمة.
قال القسطلاني: وهذه إحدى الكيفيات الخمس السابقة، وتحصل السنة كما مر بفعل أيها حصل.
نعم: الأظهر تفضيل الجمع بثلاث غرفات يتمضمض من كلٍّ ثم يستنشق. انتهى.
(فغسل وجهه ثلاثًا) قال في (( الفتح ) ): لم يذكر غسل الوجه، وهو ثابت في رواية مسلم وغيره. انتهى.
وقال العيني: والظاهر: أنه سقط من الراوي كما أنه شك في قوله: (( غسل أو مضمض ) ). انتهى.
(ثمَّ َغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) كرر مرتين؛ للتنبيه على أن الغسل مرتين في كل يد، ولولا ذلك لأوهم أن الغسل في كل يد مرة (وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، مَا أَقْبَلَ) منه (وَمَا أَدْبَرَ) مرة واحدة (وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) وليس فيه بيان المقدار الممسوح من الرأس، وليس فيه أيضًا تقييد غسل الرجلين بمرة أو مرتين أو ثلاث، ففيه اختصار، والظاهر: أن الاختصار من مسدد كما أن الشك منه كما تقدم (ثُمَّ قَالَ) عبد الله بن زيد بعد أن فرغ من وضوئه (هَكَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) .
قال الكرماني: التشبيه فيه ليس من جميع الوجوه، بل في حكم المضمضة والاستنشاق ونحوه. انتهى.
يعني: يتعين أن يحمل التشبيه فيه على بعض الوجوه؛ لأن غسل الوجه فيه متروك بالكلية، وكذلك التثليث في غسل اليدين والرجلين، وإن أمكن أن يحمل بالنظر إلى ترك التثليث على بيان الجواز؛ لأنه صلى الله عليه وسلم توضأ مرتين مرتين، ومرة مرة لبيان الجواز، وأما ترك غسل الوجه، فليس من وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم أصلًا.
وقال الكرماني: وقد يجاب بأن المفعول المحذوف هو الوجه؛ أي: ثم غسل الوجه وحذف لظهوره، وأو في (( أو مضمض ) )بمعنى الواو. انتهى.
يعني: والواو لا تفيد الترتيب، فعطف المضمضة بها على غسل الوجه لا يقتضي تأخرها عنه.
ورواة هذا الحديث ما بين بصري وواسطي ومدني، وفيه: فعل الصحابي ثم إسناده إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والتحديث والعنعنة.
وأخرجه المؤلف في خمسة مواضع.