فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 1465

وبالسند إلى المصنف قال:

17 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هو هشام بن عبد الملك الطيالسي نسبة إلى بيع الطيالسة ثقة ثبت، وكانت الرحلة بعد أبي داود الطيالسي إليه توفي سنة سبع وعشرين ومائتين عن أربع وتسعين سنة.

(قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) هو: ابن الحجاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بالتكبير في اسمه واسم أبيه (بْنِ جَبْرٍ) بفتح الجيم وبالباء الموحدة الساكنة، ويقال: جابر بن عتيك _ بالعين المهملة والمثناة الفوقية ثم التحتية آخره كاف _ الأنصاري التابعي المدني الفقيه لم أر فيما اطلعت عليه من الشروح وفيته، ورأيت في نسخة من الكرماني وفي تعليقة ابن كمال باشا بخطه: عقيل _ بالقاف واللام _ فليحرر.

(قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) وللأصيلي وابن عساكر: (رضي الله عنه) ومن لطائف هذا الإسناد أنه رباعي وأن فيه راويًا وافق اسمه اسم أبيه.

(عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنه (قَالَ: آيَةُ الإِيمَانِ) أي: علامته.

قال العيني: وأصلها أوية بالتحريك قلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها.

قال سيبويه: موضع العين من الآية واو؛ لأن ما كان موضع العين واو واللام ياء أكثر مما موضع العين واللام ياءان فمثل سويت أكثر من حييت وجمع الآية آي وآيات، والمشهور أن عينها ياء ووزنها فاعة لأن الأصل آيية فحذفوا الياء الثانية التي هي لام ثم فتحوا الياء التي هي عين لأجل تاء التأنيث انتهى ملخصًا.

(حُبُّ الأَنْصَارِ) خبر المبتدأ الذي هو آية؛ أي: إرادة الخير لهم، والأنصار جمع نصير كشريف وأشراف أو جمع ناصر كصاحب وأصحاب، وقد نص صاحب (( الكشاف ) )على أن فاعلًا يجمع على أفعال، وإن أنكره الجوهري في (( الصحاح ) ).

قال في تفسير سورة الشعراء: وأتباعك جمع تابع كشاهد وأشهاد.

وقال في (( الفائق ) ): الأمجاد جمع ماجد كشاهد وأشهاد وصار جاريًا مجرى العلم لطائفة مخصوصة وهم أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج كالمهاجرين فأخذ حكم المفرد ودخلت عليه ياء النسب.

قال في (( المغرب ) ): إذا نسب إلى الجمع رد إلى واحدة، وأما ما كان علمًا كأنماري ومدائني فإنه لا يرد، وكذا ما كان جاريًا مجرى العلم كالأنصاري.

قال ابن كمال باشا معرضًا بالكرماني: ومن توهم أن اللام فيه للعهد وقال: أي أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم واختص عرفًا بأصحاب المدينة الذين آووا ونصروا فقد وهم، وبنى على ذلك السؤال والجواب حيث قال: الأنصار جمع قلة فلا يكون لما فوق العشرة لكنهم كانوا أضعاف الآلاف.

قلت: القلة والكثرة إنما اعتبرتا في نكرات الجموع، أما في المعارف فلا فرق بينهما وفساد المبني يسري على المبنى ثم إن قوله القلة والكثرة إنما اعتبرتا في نكرات الجموع ... إلخ ليس بذاك يرشدك إليه استدراك النابغة على حسان في قوله:

~لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى وأسيافنا يقطرن من نجده دمًا

حيث استعمل جمع القلة أعني الجفنات والأسياف ذكره الفاضل التفتازاني في (( شرح التلخيص ) )انتهى.

قال في (( الفتح ) ): ولفظ آية بالهمزة الممدودة والياء هو المعتمد في ضبط هذه الكلمة في جميع الروايات في الصحيحين، والسنن، والمستخرجات، والمسانيد، والآية العلامة كما ترجم به المصنف ووقع في إعراب الحديث لأبي البقاء العكبري إنه الإيمان _ بهمزة مكسورة ونون مشددة وهاء _ والإيمان _ مرفوع _ وأعربه فقال: إن للتأكيد والهاء ضمير الشأن،

ج 1 ص 226

والإيمان مبتدأ وما بعده خبره، ويكون التقدير: إن الشأن الإيمان حب الأنصار وهذا تصحيف منه، ثم فيه نظر من جهة المعنى لأنه يقتضي حصر الإيمان في حب الأنصار وليس كذلك.

فإن قيل: واللفظ المشهور أيضًا يقتضي الحصر وكذا ما أورده المصنف في فضائل الأنصار من حديث البراء بن عازب: (( الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ) ).

فالجواب عن الأول أن العلامة كالخاصة تطرد ولا تنعكس وإن أخذ من طريق المفهوم، فمفهوم اللقب لا عبرة به سلمنا الحصر، لكنه ليس حقيقيًا بل ادعائي للمبالغة أو هو حقيقي لكنه خاص بمن أبغضهم من حيث النصرة.

والجواب عن الثاني أن غايته أن لا يقع حب الأنصار إلا لمؤمن وليس فيه نفي الإيمان عمن لم يقع منه ذلك، بل فيه أن غير المؤمن لا يحبهم.

فإن قيل: فعلى الشق الثاني هل يكون من أبغضهم منافقًا وإن صدق وأقر؟

فالجواب: أن ظاهر اللفظ يقتضيه، لكنه غير مراد فيحمل على تقييد البغض بالجهة فمن أبغضهم من جهة هذه الصفة وهو كونهم نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر ذلك في تصديقه فيصح أنه منافق، ويقرب من هذا الحمل رواية أبي نعيم في (( المستخرج ) )في حديث البراء: (( من أحب الأنصار فبحبي أحبهم ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم ) ).

ويأتي مثل هذا في الحب كما سبق، وقد أخرج مسلم من حديث سعيد رفعه: (( لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر ) ).

ولأحمد من حديث (( حب الأنصار إيمان، وبغضهم نفاق ) ).

ويحتمل أن يقال: أن اللفظ خرج على معنى التحذير فلا يراد ظاهره، ومن ثم لم يقابل الإيمان بالكفر الذي هو ضده، بل قابله بالنفاق إشارة إلى أن الترغيب والترهيب إنما خوطب به من يظهر الإيمان أما من يظهر الكفر فلا؛ لأنه مرتكب ما هو أشد من ذلك انتهى.

وإنما خصوا بهذه المنقبة العظيمة والمنحة الجسيمة لما فازوا به من نصره عليه الصلاة السلام، والسعي في إظهار دينه فإنهم المبتدئون بالبيعة على إعلان توحيد الله تعالى وإظهار شريعته، ففي حديث جابر عند أحمد بإسناد حسن وصححه الحاكم وابن حبان: مكث صلى الله عليه وسلم عشر سنين يتتبع الناس في منازلهم في المواسم بمنى وغيرها يقول: (( من يؤويني، من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة ) )حتى بعثنا الله من يثرب فذكر الحديث.

وفيه: (( على أن تنصروني إذا قدمت عليكم بيثرب فتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة ) )الحديث، فبايعوه على ذلك وكان إنجاز المبايعة وانبرامها في العقبة الثالثة في ذي الحجة أوسط أيام التشريق.

قال في (( المواهب ) ): وكانوا سبعين رجلًا وامرأتين.

وقال ابن سعد: يزيدون رجلًا أو رجلين، فكان أول من ضرب على يده صلى الله عليه وسلم البراء بن معرور، ويقال: أبو الهيثم، ويقال: أسعد بن زرارة، على أنهم يمنعونه مما يمنعون منه نسائهم وأبناءهم وعلى حرب الأحمر والأسود، وحضر العباس رضي الله عنه العقبة تلك الليلة متوثقًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومؤكدًا على أهل يثرب وكان يومئذ على دين قومه.

قال ابن إسحاق: ولما تمت بيعة هؤلاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت سرًا عن كفار قريش أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان معه بالهجرة إلى المدينة فخرجوا أرسالًا، وأقام صلى الله عليه وسلم بمكة ينتظر أن يؤذن له في الخروج انتهى.

ويدخل فيهم في إطلاق لفظ الأنصار عليهم أولادهم ومواليهم وحلفاؤهم، ولما فازوا بالاتصاف بهذه المناقب الجزيلة والمناقب الجليلة من إيوائه صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم، وقيامهم بحقوقهم حق القيام، وإيثارهم في كثير من الأمور على أنفسهم كما قال تعالى منوهًا برفعة شأنهم بقوله: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر:9] .

مع معاداتهم لجميع الفرق من عرب وعجم، والعداوات تجلب البغض حرض صلى الله عليه وسلم على حبهم بما تقدم وحذر من بغضهم بقوله:

(وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ) النفاق شرعًا: إظهار الإسلام وإخفاء الكفر مأخوذ من النافقاء وهي إحدى حجرتي اليربوع.

قال في (( الصحاح ) ): النافقاء إحدى حجرتي اليربوع يكتمها ويظهر غيرها وهو موضع يرققه فإذا أتى الصائد إليه من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فانتفق؛ أي: خرج، والجمع النوافق، والنفقة أيضًا مثال همزة النافقاء نقول منه نفق اليربوع تنفيقًا ونافق؛ أي أخذ في نافقاته ومنه اشتقاق المنافق في الدين انتهى.

قال ابن كمال باشا: والمنافق في الدين هو الذي آمن بلسانه ولم يؤمن قلبه، وهو أخبث الكفرة

ج 1 ص 227

وأبغضهم إلى الله تعالى؛ لأنه موه الكفر وخلط به خداعًا واستهزاء، والبغض ضد الحب والمقام ليس مقام إمارة الإيمان وإمارة مقابلة بل مقام مدح الأنصار، وقد عرفت أن المنافق أخبث الكفرة فكون بغضهم آية النفاق أوقع في المدح لهم من كون بغضهم آية الكفر ومن قال.

فإن قلت: المطابقة تقتضي أن يقابل الإيمان بالكفر بأن يقال: آية الكفر كذا فلم عدل عنه؟

قلت: البحث في الذين ظاهرهم الإيمان وهذا لبيان ما به يتميز المؤمن الظاهري من المؤمن الحقيقي فلو قيل: آية الكفر بغضهم، لا يصح إذ هو ليس بكافر ظاهرًا فقد غفل انتهى.

أقول: ما ذكره نكتة في عدم مقابلة الإيمان بالكفر، وما ذكره الكرماني نكتة أخرى لا تدفعها تلك النكتة؛ لأن النكات لا تتزاحم، ثم قال الكرماني: فإن قلت: فإذا كان حب الأنصار علامة الإيمان فبغضهم آية عدمه؛ لأن حكم نقيض الشيء نقيض حكم الشيء فما الفائدة في ذكره، وآية النفاق بغض الأنصار؟

قلت: التقدير ممنوع ولئن سلمناه فالفائدة في ذكره التصريح به، والتأكيد عليه، والمقام يقتضي ذلك؛ لأن المقصود من الحديث الحث على حب الأنصار وبيان فضلهم لما كان منهم من إعزاز الدين، وبذل الأموال والأنفس، والإيثار على أنفسهم، والإيواء والنصر وغير ذلك انتهى.

وتعقبه ابن كمال باشا فقال: وأما الاحتياج إلى قوله: وآية النفاق بغض الأنصار، بعد قوله: آية الإيمان حب الأنصار؛ فلأنه لا يلزم من كون حبهم آية الإيمان أن يكون بغضهم آية النفاق لما عرفت أن النفاق أخص من الكفر ونقيض آية الشيء إنما يكون آية لنقيض ذلك الشيء لا لما هو أخص من نقيضه فلم يكن القول الأول مغنيًا عن القول الثاني على أن على تقدير إغنائه عنه حقه أن يذكر؛ لأن المقام لما كان مقام المدح كان المناسب التصريح بما علم التزامًا.

ومن قال: فإن قلت: فإذا كان حب الأنصار إلى آخر ما تقدم عن الكرماني فكما لم يصب في إيراد السؤال على ما نبهت عليه كذلك لم يصب في الجواب بمنع الشرطية؛ لأنها ظاهرة اللزوم انتهى.

أقول: فيه أن نقيض الأخص أعم من نقيض الأعم فما كان آية لنقيض الأعم فهو آية لنقيض الأخص بالطريق الأولى؛ لأنه كان كلما وجد الأخص وجد الأعم من غير عكس وكأنه لما فيه من الضعف قال: إنه على تقدير إغنائه ... إلخ فليتأمل.

وأراد الكرماني بقوله: التقدير ممنوع الشرطية في قوله: إذا كان حب الأنصار علامة الإيمان فبغضهم آية عدمه، فالتقدير بالدال لا بالراء على ما يوجد في بعض النسخ إذ لا معنى صحيحًا له هنا.

قال الإمام النووي: معنى الحديث أن من عرف مرتبة الأنصار وما كان منهم من نصرة دين الإسلام، والسعي في إظهاره، وإيواء المسلمين، وقيامهم بمهمات دين الإسلام حق القيام وحبهم للنبي صلى الله عليه وسلم وحبه إياهم، ومعاداتهم سائر الناس إيثارًا للإسلام وأحب الأنصار لهذه الخصال كان ذلك من دلائل صحة إيمانه، وصدقه في إسلامه لسروره بظهور الإسلام، ومن أبغضهم كان بضد ذلك واستدل به على نفاقه وفساد سريرته انتهى.

قال ابن كمال باشا: وبهذا تبين فساد قول الكرماني: فإن قلت: هل يقتضي ظاهر الحديث أن من لم يحبهم لا يكون مؤمن؟

قلت: لا يقتضي إذ لا يلزم من عدم العلامة عدم ماله العلامة أو المراد كمال الإيمان انتهى.

أقول: وجه فساد قول الكرماني أن الحديث مشتمل على علامة الإيمان وهي حب الأنصار، وعلامة النفاق وهي بغضهم، فإذا لم يلزم انتفاء الإيمان لانتفاء علامته يلزم انتفاؤه لوجود علامة النفاق، ومن البين أن النفاق المراد هنا الذي إخفاء الكفر وإظهار الإيمان لا بجامع الإيمان الحقيقي، وهذا الذي أشار إليه النووي بقوله: ومن أبغضهم ... إلخ.

ثم قال ابن الكمال: فإن قلت: هل المدح لهم لأنهم هم أم لأنهم الأنصار؟

قلت: بل لأنهم الأنصار، ولذلك أعاد الوصف المذكور في قوله: وآية النفاق ... إلخ، مع أن مقتضى الظاهر أن يقال: وآية النفاق بغضهم.

فإن قلت: هل يلزم مما ذكر أن يكون مبغضهم منافقًا وإن كان مصدقًا بقلبه؟

قلت: يلزم إن كان بغضه لهم لأنهم الأنصار ولا يلزم إن لم يكن له بل لأمر آخر.

فإن قلت: كيف يجوز التصديق القلبي مع النفاق؟

قلت: لا بعد فيه فإنه يجامع مع الكفر في المعاند فمجامعته مع النفاق بطريق الأولى، وبهذا تبين فساد قول الكرماني المقصود بغضهم من جهة أنهم أنصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يمكن اجتماعه مع التصديق له عليه الصلاة والسلام ثم إن فيه خللًا من جهة أخرى وهي أن ترتيب الحكم المذكور على جهة إضافتهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يفضي إلى إلغاء خصوصية الوصف المذكور، فإن الحكم كذلك في كل من يضاف إليه عليه السلام، وذلك أن بغض أصحابه من جهة أنهم أصحابه آية النفاق، بل نقول: أن بغض أمته مطلقًا من جهة أنهم أمته كذلك، فحينئذ يفوت الغرض وهو مدحهم بجهة مخصوصة بوصفهم المخصوص فتأمل انتهى.

أقول: في قوله ولا بعد فيه .. إلخ نظر ظاهر فإن مثل ذلك

ج 1 ص 228

لا يسمى تصديقًا إلا إذا كان مع الإذعان والقبول ولا إذعان للمعاند.

قال المولى سعد الدين التفتازاني في شرحه على عقائد النسفي: وليس حقيقة التصديق أن يقع في القلب نسبة الصدق إلى الخبر أو المخبر من غير إذعان وقبول، بل هو إذعان وقبول لذلك بحيث يقع عليه اسم التسليم على ما صرح به الإمام الغزالي، وبالجملة المعنى الذي يعبر عنه بالفارسية بكرويدن انتهى.

فقد تبين من هذا أن الصواب ما قاله الكرماني وتسمية المنافق الفاقد لهذا التصديق مؤمنًا باعتبار ظاهر حاله لا حقيقة.

نعم قوله: ثم إن فيه؛ أي: كلام الكرماني خللًا من جهة أخرى ... إلخ، وارد على الكرماني؛ لأن جهة الإضافة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام بالصحبة قدر مشترك بين سائر الصحابة لا تختص به الأنصار فلابد في تخصيصهم بهذه المزية من ملاحظة خصوص وصف النصرة فيهم الذي صار كالعلم بالغلبة عليهم.

وقد تقدم عن صاحب (( الفتح ) )ما يؤيد ذلك وهذا كله على تقدير أن الجملة تفيد الحصر، وأما على تقدير عدمه فلا احتياج لشيء من ذلك إذ ذكر الشيء لا ينفي ما عداه.

نعم يحتاج إلى إبداء نكتة في تخصيصهم بالذكر في كون حبهم آية الإيمان، وبغضهم آية النفاق دون بقية الصحابة من المهاجرين وغيرهم، وقد يقال: أن النكتة في ذلك امتيازهم بإيوائه صلى الله عليه وسلم وإيواء أصحابه المهاجرين ومواساتهم لهم، وإيثارهم إياهم على أنفسهم، ومما يؤيد أن بغض الصحابة مطلقًا آية النفاق ما في (( صحيح مسلم ) )عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (( لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق ) ).

وما جاء مرفوعًا في فضل الصحابة كلهم والترغيب في حبهم والتحذير من بغضهم من قوله صلى الله عليه وسلم: (( من أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ) ).

وأما بغضهم من غير تلك الحيثية وإن كان حرامًا فلا يصير به الشخص منافقًا، لكن يجب عليه التوبة، ولا يجوز له الاعتراض على أحد منهم؛ لأنهم مجتهدون في أحكامهم، وأما ما يتوهم من بغض بعضهم لبعض بما وقع بينهم من الحروب فعلى تقدير ثبوته فهو من البغض في الله لإظهار الحق؛ لأنهم مجتهدون فما حارب أحد منهم الآخر إلا لما أداه إليه اجتهاده أنه على الحق وصاحبه على الباطل.

قال صاحب (( المفهم ) ): وأما الحروب الواقعة بينهم فإن وقع من بعضهم بغض لبعض فذاك من غير هذه الجهة بل للأمر الطارئ الذي اقتضى المخالفة، ولذلك لم يحكم بعضهم على بعض بالنفاق، وإنما كان حالهم في ذلك حال المجتهدين في الأحكام فللمصيب أجران وللمخطئ أجر واحد انتهى.

قال في (( الفتح ) ): وأخرج مسلم من حديث سعيد رفعه: (( لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر ) ).

ولأحمد من حديث: (( حب الأنصار إيمان وبغضهم نفاق ) )ويحتمل أن يقال: أن اللفظ خرج على معنى التحذير فلا يراد ظاهره، ومن ثم لم يقابل الإيمان بالكفر الذي هو ضده بل قابله بالنفاق إشارة إلى أن الترغيب والترهيب إنما خوطب به من يظهر الإيمان أما من يظهر الكفر فلا لأنه مرتكب ما هو أشد منه انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت