وبه قال:
208 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) المصري نسبة على جده لشهرته به وإلا فأبوه عبد الله (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) ابن سعد المصري (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين بن خالد الأيلي المصري (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهري (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ) بفتح العين (أَنَّ أَبَاهُ) عمرًا.
(أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَحْتَزُّ) بالحاء المهملة والزاي المشددة؛ أي: يقطع (مِنْ كَتِفِ شَاةٍ) بفتح الكاف وكسر التاء ويجوز إسكانها مع فتح الكاف وكسرها زاد المؤلف في الأطعمة من طريق معمر عن الزهري: (( فأكل منها ) )وفي الصلاة: (( فأكل ذراعًا يحتز منها ) ).
(فَدُعِيَ) بالبناء للمفعول (إِلَى الصَّلاَةِ) أي: صلاة العصر وكان الداعي له إليها بلال كما في النسائي عن أم سلمة (فَأَلْقَى) صلى الله عليه وسلم (السِّكِّينَ) زاد في الأطعمة
ج 1 ص 681
عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري: (( فألقاها ) )والسكين (فَصَلَّى) ولابن عساكر: (وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) .
قال في (( الفتح ) ): وزاد البيهقي من طريق عبد الكريم بن الهيثم عن أبي اليمان في آخر الحديث: قال الزهري فذهبت تلك؛ أي: القصة في الناس ثم أخبر رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ونساء من أزواجه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضئوا مما مست النار.
قال: فكان الزهري يرى أن الأمر بالوضوء مما مست النار ناسخ لأحاديث الإباحة؛ لأن الإباحة سابقة.
واعترض عليه بحديث جابر قال: كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار رواه أبو داود والنسائي وغيرهما وصححه ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما.
لكن قال أبو داود وغيره: أن المراد بالأمر هنا الشأن والقصة لا مقابل النهي، وأن هذا اللفظ مختصر من حديث جابر المشهور في قصة المرأة التي صنعت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة فأكل منها ثم توضأ وصلى الظهر ثم أكل منها وصلى العصر ولم يتوضأ فيحتمل أن تكون هذه القصة وقعت قبل الأمر بالوضوء مما مست النار وأن وضوءه لصلاة الظهر كان عن حدث لا بسبب الأكل من الشاة.
وحكى البيهقي عن عثمان الدارمي أنه قال: لما اختلفت أحاديث الباب ولم يتبين الراجح منها نظرنا إلى ما عمل به الخلفاء الراشدون بعد النبي صلى الله عليه وسلم فرجحنا أحد الجانبين.
وارتضى النووي هذا في (( شرح المهذب ) )وبهذا تظهر حكمة تصدير البخاري حديث الباب بالأثر المنقول عن الخلفاء الثلاثة.
قال النووي: كان الخلاف فيه معروفًا بين الصحابة والتابعين، ثم استقر الإجماع على أنه لا وضوء مما مست النار إلا ما تقدم استثناؤه من لحوم الإبل.
وجمع الخطابي بوجه آخر وهو أن أحاديث الأمر محمولة على الاستحباب لا على الوجوب وممن قال بعدم الوضوء مما مسته النار الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة ومالك والشافعي والليث وإسحاق وأبو ثور وأحمد إلا أنه يرى لزوم الوضوء من أكل لحم الجزور دون بقية أجزائه.
واستدل بحديث جابر بن سمرة عند مسلم: (( أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أأتوضأ من لحم الغنم قال إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ قال أأتوضأ من لحوم الإبل قال نعم فتوضأنا من لحوم الإبل ) ).
وحديث البراء المصحح في (( المجموع ) )قال: (( سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء من لحم الإبل فأمر به ) ).
وأجيب: عن ذلك بحمل الوضوء على غسل اليد والمضمضة لزيادة الدسومة والزهومة في لحوم الإبل، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيت وفي يده أو فمه دسم خوفًا من عقرب ونحوها وبأنهما منسوخان بحديث جابر المار آنفًا: (( كان آخر الأمرين من رسول الله ) )الحديث.
قال القسطلاني: لكن ضعف الجوابين في (( المجموع ) )بأن الحمل على الوضوء الشرعي مقدم على اللغوي كما هو معروف في محله وترك الوضوء مما مست النار عام وخبر الوضوء من لحم الإبل خاص والخاص مقدم على العام سواء وقع قبله أو بعده.
ثم أجاب بما تقدم عن عثمان الدارمي أنه قال: لما اختلفت أحاديث الباب ... الخ.
وفي الحديث فوائد منها: الدلالة على عدم وجوب الوضوء مما مسته النار كما تقدم ومنها: جواز قطع اللحم بالسكين.
وحديث النهي عن ذلك في (( سنن أبي داود ) )ضعيف، وعلى تقدير صحته يخص بعدم الحاجة الداعية إلى ذلك لما فيه من التشبه بالأعاجم وأهل الترف.
ومنها: مشروعية دعاء الأئمة للصلاة وكان الداعي في الحديث بلالًا رضي الله عنه، ومنها: قبول الشهادة على النفي إذا كان محصورًا مثل هذا أعني قوله: ولم يتوضأ، كذا في العيني.