وبالسند إلى المؤلف قال:
18 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة القرشي (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللَّهِ) بالهمز والذال المعجمة؛ أي: ذو عياذة بالله ثم جعل علمًا فهو عطف بيان (بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) ابن عمرو المشهور الخولاني الشامي الصحابي رؤية لا رواية فإنه
ج 1 ص 229
باعتبارها تابعي كبير ولد يوم حنين، وولاه معاوية رضي الله عنه القضاء بدمشق، وكان من عباد الشام وقرائهم توفي سنة ثمانين.
(أَنَّ عُبَادَةَ) بضم العين المهملة وتخفيف الموحدة (بْنَ الصَّامِتِ) علم منقول من اسم فاعل من صمت ضد نطق ابن قيس الأنصاري الخزرجي، أرسله عمر رضي الله عنه إلى الشام قاضيًا فأقام بحمص، ثم انتقل إلى فلسطين، وهو أول من ولي قضائها، وكان طويلًا جسيمًا جميلًا فاضلًا خيرًا، مات بفلسطين، ودفن ببيت المقدس سنة أربع وثلاثين عن اثنين وسبعين سنة، وقيل: توفي بالرملة، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة حديث وأحد وثمانون حديثًا، اتفقا منها على ستة، وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بآخرين، قاله ابن عبد البر والنووي وغيرهما، فيكون له في البخاري ثمانية لا تسعة كما في القسطلاني.
(رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا) أي: وقعتها، وبدر اسم لموضع الغزوة العظمى لرسول الله صلى الله عليه وسلم التي أعز الله تعالى بها الإسلام وهي أول غزوة قاتل النبي صلى الله عليه وسلم فيها المشركين وهي في الأصل اسم لبئر حفرها رجل من بني النجار اسمه بدر فسميت باسمه، وقيل: رجل من جهينة، وإنما خص بدرًا بالذكر من بين سائر المشاهد مع أنه لم يتخلف عن مشهد لشرف غزوة بدر وفضلها على سائر الغزوات وقاتل وكان شهد بدرًا ... إلخ.
إن كان أبا إدريس فهو متصل إذا حمل على أنه سمع ذلك من عبادة وإن كان الزهري فهو منقطع.
(وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ) جمع نقيب وهو الناظر على القوم وضمينهم وعريفهم، والمراد منه نقباء الأنصار وهم الذين تقدموا لأخذ البيعة لنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم (لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ) أي: عقبة منى وهي التي تنسب إليها الجمرة فيقال: جمرة العقبة وهم اثنا عشر رجلًا.
قال الكرماني: اعلم أنه عليه الصلاة والسلام كان يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم فبينما هو عند العقبة إذ لقي رهطًا من الخزرج فقال: ألا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى، فجلسوا فدعاهم إلى الله عز وجل،
ج 1 ص 230
وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن وكانوا قد سمعوا من اليهود أن النبي قد أظل زمانه فقال بعضهم لبعض: والله إنه لذاك فلا تسبقنكم اليهود فأجابوه، فلما انصرفوا إلى بلادهم وذكروه لقومهم فشا أمره فيهم، فأتى في العام المقبل اثنا عشر رجلًا إلى الموسم من الأنصار أحدهم عبادة بن الصامت فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة وهي بيعة العقبة الأولى فبايعوه بيعة النساء يعني ما قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} [الممتحنة:12] الآية ثم انصرفوا، وخرج في العام الآخر سبعون رجلًا منهم إلى الحج فواعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة أوسط أيام التشريق.
قال كعب بن مالك: لما كانت التي وعدنا فيها بتنا أول الليل مع قومنا فلما استثقل الناس من النوم تسللنا من فرشنا حتى اجتمعنا بالعقبة فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عمه العباس لا غير فقال العباس: يا معشر الخزرج إن محمدًا منا حيث علمتم وهو في منعة ونصرة من قومه وعشيرته وقد أبى إلا الانقطاع إليكم فإن كنتم وافين بما وعدتموه فأنتم وما تحملتم، وإلا فاتركوه في قومه فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم داعيًا إلى الله، مرغبًا في الإسلام، تاليًا القرآن فأجبناه بالإيمان فقال: (( إني أبايعكم على أن تمنعوني مما منعتم منه أبناءكم ) )فقلنا: ابسط يدك نبايعك عليه فقال عليه الصلاة والسلام: (( أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبًا ) )فأخرجنا من كل فرقة نقيبًا، وكان عبادة نقيب بني عوف فبايعوه وهذه بيعة العقبة الثانية.
واعلم أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة ثالثة مشهورة وهي البيعة التي وقعت بالحديبية تحت الشجرة عند توجهه من المدينة إلى مكة تسمى بيعة الرضوان، وهذه بعد الهجرة بخلاف الأوليين، وعبادة شهدها أيضًا فهو رضي الله عنه من المبايعين في الثلاث انتهى.
أقول: ما اقتضاه صريح كلامه من أن اجتماع الأنصار بالنبي صلى الله عليه وسلم ومبايعتهم له قبل الهجرة كان مرتين، وكانوا في المرة الأولى اثني عشر وهي العقبة الأولى، وكانوا في المرة الثانية سبعين رجلًا وهي العقبة الثانية مخالف لما في كتب السير من أن العقبات ثلاث، وكانوا في العقبة الأولى ستة نفر، وفي الثانية التي عدها الكرماني أولى اثني عشر، وفي الثالثة التي عدها ثانية سبعين رجلًا وامرأتين هكذا هو في (( المواهب اللدنية ) )و (( شرح الهمزية ) )للشهاب ابن حجر المكي، وجمع الفوائد من (( جامع الأصول ) )و (( مجمع الزوائد ) )للشيخ محمد بن سليمان المغربي عن أحمد والطبراني وغيرهما.
ونص عبارة (( المواهب ) ): ولما أراد الله تعالى إظهار دينه وإعزاز نبيه وإنجاز موعده خرج صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي بقي فيه الأنصار فعرض نفسه على قبائل كما كان يصنع في كل موسم فبينما هو عند العقبة لقي رهطًا من الخزرج أراد الله بهم خيرًا فقال لهم: (( من أنتم؟ ) )قالوا: نفر من الخزرج قال: (( أفلا تجلسون أكلمكم؟ ) )قالوا: بلى، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله تعالى وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن، وكان من صنع الله أن اليهود كانوا معهم في بلادهم وكانوا أهل كتاب وكان الأوس والخزرج أكثر منهم فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا: إن نبيًا سيبعث الآن فقد أظل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم.
فلما كلمهم النبي صلى الله عليه وسلم عرفوا النعت فقال بعضهم لبعض: لا يسبقنا اليهود إليه فأجابوه إلى ما دعاهم إليه وصدقوه وقبلوا منه ما عرضه عليهم من الإسلام، فأسلم منهم ستة نفر كلهم من الخزرج وهم أبو أمامة أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث بن رفاعة وهو ابن عفراء، ورافع بن مالك بن العجلان، وقطبة بن عامر بن حديدة، وعقبة بن عامر بن نابي، وجابر بن عبد الله بن رئاب وليس بجابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام.
ومن أهل العلم بالسير من يجعل فيهم عبادة بن الصامت، ويسقط جابر بن رئاب فقال لهم صلى الله عليه وسلم: (( تمنعون ظهري حتى أبلغ رسالة ربي ) )فقالوا: يا رسول الله إنما كانت بعاث عام الأول يوم من أيامنا اقتتلنا به فإن تقدم ونحن كذلك لا يكون لنا عليك اجتماع فدعنا حتى نرجع إلى عشائرنا لعل الله يصلح ذات بيننا وندعوهم إلى ما دعوتنا فعسى الله أن يجمعهم عليك، فإن اجتمعت كلمتهم عليك واتبعوك فلا أحد أعز منك وموعدك الموسم العام القابل، وانصرفوا إلى المدينة ولم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان العام المقبل لقيه اثنا عشر رجلًا وهي العقبة الثانية فيهم خمسة من الستة المذكورين، وهم من عدا جابر بن عبد الله بن رئاب فإنه لم يحضرها، والسبعة تتمة الاثني عشر هم معاذ بن الحارث بن رفاعة وهو ابن عفراء أخو عوف المذكور، وذكوان بن عبد قيس الزرقي، وعبادة بن الصامت بن قيس، وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة البكري، والعباس بن عبادة بن نضلة وهؤلاء من الخزرج.
ومن الأوس رجلان أبو الهيثم مالك بن التيهان من عبد الأشهل، وعويمر بن ساعدة فأسلموا وبايعوا على بيعة النساء؛ أي: وفق بيعتهن التي نزلت بعد ذلك عند فتح مكة وهي المذكورة في حديث الباب، ثم انصرفوا إلى المدينة فأظهروا الإسلام، ثم قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في العقبة الثالثة في العام المقبل في ذي الحجة أواسط أيام التشريق منهم سبعون رجلًا.
وقال ابن سعد: يزيدون رجلًا أو رجلين وامرأتان، وقال ابن إسحاق: ثلاث وسبعون وامرأتان، وقال الحاكم: خمسة وسبعون نفسًا، فكان أول من ضرب على يده صلى الله عليه وسلم البراء بن معرور ويقال: أبو الهيثم، ويقال: أسعد بن زرارة على أنهم يمنعونه مما يمنعون منه نسائهم وأبنائهم، وعلى حرب الأحمر والأسود انتهى ملخصًا.
فتكون بيعة الرضوان على هذا رابعة لا ثالثة كما ذكره الكرماني ومن تبعه، ويمكن التوفيق بأن من جعل العقبتين ثنتين أسقط الأولى لعدم وقوع المبايعة فيها لأن الستة الذين كانوا فيها وأسلموا لما طلب منهم النبي صلى الله عليه وسلم المبايعة قالوا: دعنا حتى نرجع إلى عشائرنا إلى آخر ما تقدم آنفًا، وجعلوا الموعد بينهم وبينه الموسم من العام القابل، فرجعوا فيه مع سبعة نفر أيضًا، وتمت المبايعة إذ ذاك، ومن جعلها ثلاث عقبات اعتبر الصورة الظاهرة، أو أطلق المبايعة على سببها، أو نزل ما هو بالقوة منزلة ما هو بالفعل فليتأمل.
هذا ما ظهر لهذا العبد الضعيف في وجه التطبيق وبالله تعالى التوفيق.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ، وَحَوْلَهُ) حول الشيء دائرته من حال الحول دار.
قال في (( الصحاح ) ): يقال: قعدوا حوله وحواله وحوليه وحواليه، ولا تقل حواليه بكسر اللام.
(عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) العِصابة _ بكسر العين _ هي الجماعة من الناس والخيل والطير لا واحد لها ذكره الجوهري.
وقال صاحب (( الكشاف ) ): العصبة الجماعة من العشرة إلى الأربعين وكذلك العصابة، وقال القرطبي: وأصلها في اللغة وكلام العرب الجماعة الذين يتعصب بعضهم لبعض، فعلى هذا تكون مأخوذة من العصابة وهي الخرقة التي تشد على الجبهة وهي مأخوذة من العصب؛ لأنه يشد الأعضاء.
قال العيني: فإن قلت: كيف هذا التركيب أن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا شك أن قوله: وكان قد شهد بدرًا إلى قوله أن معترض.
قلت: تقديره أن عبادة بن الصامت قال: وأخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساقط من أصل الرواية، وسقوط هذا غير جائز، وإنما جرت عادة أهل الحديث بحذف قال إذا كان مكررًا نحو قال: قال رسول الله، ومع هذا ينطقون بها عند القراءة، وأما هاهنا فلا وجه لجواز الحذف، والدليل عليه أنه ثبت في رواية البخاري لهذا الحديث بإسناده هذا في من شهد بدرًا، والظاهر أنها سقطت من بعده فاستمروا عليه وقد روى أحمد بن حنبل عن أبي اليمان بهذا الإسناد أن عبادة حدثه انتهى.
وغرض الراوي بقوله وحوله ... إلخ المبالغة في ضبط الحديث وأنه عن تحقيق وإتقان، ولذا ذكر أن الراوي شهد بدر، وأنه أحد النقباء والمراد به التقوية فإن الرواية تترجح عند المعارضة بفضل الراوي وشرفه.
وقوله: (بَايِعُونِي) أمر من المبايعة بالياء لا بالهمز كما توهم مقول القول، والمبايعة على الشيء عبارة عن المعاقدة والمعاهدة عليه سميت بذلك تشبيهًا بالمعاوضة المالية كأن كل واحد منهما
ج 1 ص 231
بيع ما عنده من صاحبه فمن طرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وعد الثواب، ومن طرفهم التزام الطاعة وقد تعرف بأنها عقد الإمام العهد بما يأمن الناس به، كذا في العيني تبعًا للكرماني.
وتعقبه ابن كمال باشا فقال: وليس ذلك من المجاز كما توهم الكرماني؛ لأن الزمخشري عده في الأساس من الحقيقة حيث قال قبل قوله: ومن المجاز وبايعه على الطاعة وتبايعوا عليها انتهى.
(عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا) أي: على ترك الشرك وهو التوحيد الذي هو أصل الإيمان وأساس الإسلام فلذلك قدمه على أخواته وشيئًا نكرة في سياق النفي فتعم.
وقال الكرماني وتبعه العيني: وشيئًا عام لأنه نكرة في سياق النهي لأنه كالنفي، وفيه نظر لأن أن المصدرية لا توصل بفعل النهي.
قال في (( التصريح ) ): وتوصل يعني أن المصدرية بفعل منصرف ماضيًا كان أو مضارعًا اتفاقًا أو أمرًا على الأصح.
وقال في (( المغني ) ): وإن هذه موصول حرفي وتوصل بالفعل المتصرف مضارعًا كان أو ماضيًا أو أمرًا، ثم نقل عن ابن طاهر أنها لا توصل بالماضي وأن إن الداخلة على الماضي غيرها، وعن أبي حيان: أنها لا توصل بالأمر.
وزيف كلا القولين بما هو مذكور فيه، ولم ينقل عن أحد أنها توصل بفعل النهي على أن المعنى يصد عن جعل لا ناهية؛ لأن المبايعة واقعة على ترك الشرك لا على النهي عنه، وقد اعترف العيني أخيرًا بذلك حيث قال في بيان الإعراب أن كلمة أن مصدرية؛ أي: على ترك الإشراك بالله شيئًا، وذلك معنى النفي وأجرى الله الصواب على لسانه مرة أخرى فقال في ولا تعصوا عطف على المنفي فيما قبله فليتأمل، وقد تبعها القسطلاني فقال في شيئًا أنه نكرة في سياق النهي فيعم كالنفي انتهى.
وفي نقل صاحب (( التصريح ) )الاتفاق على وصلها بالماضي والمضارع غفلة عن نقل صاحب (( المغني ) )خلاف ابن طاهر في الماضي أو عدم اعتداد بخلافه.
(وَ) على أن (لاَ تَسْرِقُوا) حذف المفعول به لقصد العموم (وَ) على أن (لاَ تَزْنُوا وَ) على أن (لاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ) قال محمد بن إسماعيل التيمي وغيره: خص القتل بالأولاد؛ لأنه قتل وقطيعة رحم فالعناية بالنهي عنه آكد؛ ولأنه كان شائعًا فيهم وهو وأد البنات، أو قتل البنين خشية الإملاق، أو خصهم بالذكر لأنهم بصدد أن لا يدفعوا عن أنفسهم.
(وَ) على أن (لاَ تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ) أي: بكذب يبهت سامعه؛ أي: يدهشه لفظاعته (تَفْتَرُونَهُ) أي: تختلقونه (بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ) قال في (( الفتح ) ): وخص الأيدي والأرجل بالافتراء؛ لأن معظم الأفعال تقع بهما إذ كانت هي العوامل والحوامل للمباشرة والسعي، ولذلك يسمون الصنائع الأيادي وقد يعاقب الرجل بجناية قولية فيقال هذا بما كسبت يداك، ويحتمل أن يكون المراد لا تبهتوا الناس كفاحًا وبعضكم يشاهد بعضًا كما يقال قلت: كذا بين يدي فلان، قاله الخطابي، وفيه نظر لذكر الأرجل.
وأجاب الكرماني: بأن المراد الأيدي وذكر الأرجل تأكيدًا، ومحصله أن ذكر الأرجل إن لم يكن مقتضيًا فليس بمانع، ويحتمل أن يكون المراد بما بين الأيدي والأرجل القلب؛ لأنه هو الذي يترجم اللسان عنه فلذلك نسب إليه الافتراء كأن المعنى لا ترموا أحدًا بكذب تزدرونه في أنفسكم ثم تبهتون صاحبه بألسنتكم، وقالوا أبو محمد بن أبي جمرة يحتمل أن يكون قوله بين أيديكم؛ أي: في الحال، وقوله: وأرجلكم؛ أي: في المستقبل؛ لأن السعي من أفعال الأرجل.
وقال غيره: أصل هذا كان في بيعة النساء وكني بذلك كما قال الهروي في (( الغريبين ) ): عن نسبة المرأة الولد الذي تزني به أو تلتقطه إلى زوجها، ثم لما استعمل هذا اللفظ في بيعة الرجال احتيج إلى حمله على غير ما ورد فيه أولًا انتهى.
أقول: فيه نظر ظاهر لأن بيعة النساء متأخرة عن هذه بأنها كانت بالمدينة بعد فتح مكة وهذه بمكة والسورة التي فيها بيعة النساء مدنية، فكيف تكون أصلًا لهذه؟ والعجب من الحافظ كيف نقله ساكتًا عليه، وأعجب من ذلك سكوت العيني مع حرصه على تعقب الحافظ بأدنى شيء.
(وَ) على أن (لاَ تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ) وللإسماعيلي: في باب وفود الأنصار ولا تعصوني في معروف وهو مطابق للآية والمعروف.
قال البيضاوي: ما عرف من الشارع حسنه نهيًا أو أمرًا، وقيد به تطييبًا لقلوبهم؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لا يأمر إلا به، وقال البيضاوي في الآية: والقصد بالمعروف مع أن الرسول لا يأمر إلا به التنبيه على أنه لا تجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق، وخص ما ذكر من المناهي بالذكر دون غيره للاهتمام به انتهى.
وقال النووي: يحتمل أن يكون معنى الحديث ولا تعصوني ولا أحدًا ولي عليكم من أتباعي في المعروف فيكون التقييد بالمعروف عائدًا إلى الاتباع ومتعلقًا بمن بعده فلهذا قال: لا تعصوا ولم يقل لا تعصوني.
(فَمَنْ وَفَى) بالتخفيف وفي رواية أبي ذر: بالتشديد والمعنى واحد؛ أي: ثبت على العهد (مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) فضلًا ووعدًا.
قال في (( الفتح ) ): أطلق هذا على سبيل التفخيم؛ لأنه لما ذكر المبايعة المقتضية لوجود العوضين أثبت ذكر الأجر في موضع أحدهما وأفصح في رواية الصنابحي عن عبادة في هذا الحديث في الصحيحين بتعيين العوض فقال بالجنة، وعبر هنا بلفظ على للمبالغة في تحقق وقوعه كالواجبات، ويتعين حمله على غير ظاهره للأدلة القاطعة على أنه لا يجب على الله شيء، وسيأتي
ج 1 ص 232
في حديث معاذ في حق الله تعالى على العباد تقرير هذا انتهى.
فإن قيل: لما اقتصر على المنهيات ولم يذكر المأمورات؟
فالجواب: أنه لم يهملها بل ذكرها على سبيل الإجمال في قوله: ولا تعصوا في معروف؛ أي: العصيان مخالفة الأمر والحكمة في التنصيص على كثير من المنهيات دون المأمورات أن الكف أيسر من اجتناب الفعل؛ ولأن اجتناب المفاسد مقدم على اجتلاب المصالح والتخلي عن الرذائل قبل التحلي بالفضائل، كذا في (( الفتح ) ).
وقال الكرماني: واعلم أنه ذكر الاعتقاديات والعمليات كلاهما، لكن اكتفى في الاعتقادية بالتوحيد لأنه الأصل والأساس.
فإن قلت: فلم ما ذكر الإتيان بالواجبات واقتصر على ترك المنهيات؟
قلت: لم يقتصر حيث قال: ولا تعصوا في معروف، إذ العصيان مخالفة الأمر أو اقتصر لأن هذه المبايعة كانت في أوائل البعثة ولم تشرع الأفعال بعد انتهى.
وتعقبه ابن كمال باشا فقال: وأما الاعتذار عن تركها بأن هذه المبايعة كانت في أوائل البعثة ولم تشرع الأفعال بعد فليس بشيء؛ لأن هذه المبايعة هي مبايعة النساء على ما اعترف به ذلك المعتذر، وتلك البيعة كانت عند فتح مكة، وما ذكره لا يتمشى فيها كما لا يخفى انتهى.
أقول: هذا كلام في غاية السقوط؛ لأن الحديث صريح في أنها بيعة الأنصار بمكة قبل الهجرة، والضمائر فيها ضمائر جماعة الذكور، فكيف يتصور أنها بيعة النساء، وإنما أطلق عليها بيعة النساء مجازًا لمطابقتها إياها مجازًا، أو تكون من قبيل التشبيه البليغ على أن الكرماني لم يطلق ذلك عليها، وكلامه صريح في أنها غيرها؛ لأنه قال: فبايعوه؛ أي: الأنصار بيعة النساء وهي ما قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} [الممتحنة:12] الآية.
وقد تقدم الرد على من قال أن بيعة النساء أصل بتقدم هذه على بيعة النساء وبينهما نحو تسع سنين، وقد وافقت بيعته صلى الله عليه وسلم للأنصار ما أنزل الله تعالى عليه في بيعة النساء فهي من موافقاته صلى الله عليه وسلم للقرآن قبل نزوله.
(وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا) كلمة من للبيان، وشيئًا مفعول أصاب وهو نكرة في سياق الشرط فيعم، لكن هذا العموم مخصوص بغير الشرك.
(فَعُوقِبَ) أي: به كما في رواية أحمد عن أبي اليمان؛ أي: بسببه في الدنيا بأن أقيم عليه الحد (فَهُوَ) أي: العقاب (كَفَّارَةٌ لَهُ) والجملة خبر المبتدأ الذي هو من، ودخلت الفاء في الخبر لمشابهة المبتدأ لأسماء الشرط في العموم؛ أي: فلا يعاقب عليه في الآخرة، وفي رواية الأربعة بحذف (( له ) )، وزاد لفظة: (( له ) )كغير الأربعة أحمد أيضًا، وكذا المصنف في التوحيد، وزاد أيضًا وطهور.
قال في (( الفتح ) ): قال النووي: عموم هذا الحديث مخصوص بقوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} [النساء:48] فالمرتد إذا قتل على ارتداده لا يكون القتل له كفارة انتهى.
قال في (( الفتح ) ): قلت: وهذا بناء على أن قوله من ذلك شيئًا يتناول جميع ما ذكر وهو ظاهر، وقيل: يحتمل أن يكون المراد ما ذكر بعد الشرك بقرينة أن المخاطب بذلك المسلمون فلا يدخل حتى يحتاج إلى إخراجه، ويؤيده رواية مسلم من طريق أبي الأشعث عن عبادة في هذا الحديث: (( ومن أتى منكم حدًا ) ).
إذ القتل على الشرك لا يسمى حدًا، لكن يعكر على هذا القائل أن الفاء في قوله: فمن لترتيب ما بعدها على ما قبلها، وخطاب المسلمين بذلك لا يمنع التحذير من الإشراك، وما ذكر من الحد عرف حادث فالصواب ما قاله النووي أنه عام مخصوص.
وقال الطيبي: الحق أن المراد بالشرك الشرك الأصغر، ويدل عليه تنكير شيئًا؛ أي: شركًا أيًا ما كان، وتعقب بأن عرف الشارع إذا أطلق الشرك إنما يريد به ما يقابل التوحيد، وقد تكرر هذا اللفظ في الآيات والأحاديث حيث لا يراد به إلا ذلك.
ويجاب: بأن طلب الجمع يقتضي ارتكاب المجاز، فما قاله يحتمل وإن كان ضعيفًا، لكن يعكر عليه أيضًا أنه عقب الإصابة بالعقوبة في الدنيا والرياء لا عقوبة فيه، فوضح أن المراد الشرك وأنه مخصوص انتهى.
وقال في (( المصابيح ) ): فيه حجة للأكثرين القائلين بأن الحدود كفارات لأهلها، ومن ثم وقف لحديث أبي هريرة رضي الله عنه [1] أنه عليه الصلاة والسلام قال: (( لا أدري الحدود كفارات ) ).
قال ابن الملقن: ويمكن أن يكون حديث أبي هريرة أولًا قبل أن يعلم ثم أعلم، قلت: كيف يتأتى ذلك وحديث عبادة المتضمن لجزمه بأن الحدود كفارات كان قبل الهجرة قطعًا، وأبو هريرة أسلم بعد الهجرة بسنتين فكان إسلامه في سنة خيبر بالاتفاق، فكيف يكون حديثه أول انتهى.
وقال في (( الفتح ) )قال القاضي عياض: ذهب أكثر العلماء إلى أن الحدود كفارات، فاستدلوا بهذا الحديث ومنهم من وقف لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا؟ ) ).
لكن حديث عبادة أصح إسنادًا، ويمكن على طريق الجمع بينهما أن يكون حديث أبي هريرة ورد أولًا قبل أن يعلمه الله تعالى ثم أعلمه بعد ذلك.
قلت: حديث أبي هريرة أخرجه الحاكم في (( المستدرك ) )والبزار من رواية معمر عن ابن أبي ذئب عن
ج 1 ص 233
سعيد المقبري عن أبي هريرة وهو صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجه أحمد عن عبد الرزاق عن معمر، وذكر الدارقطني أن عبد الرزاق تفرد بوصله، وأن هشام بن يوسف رواه عن معمر فأرسله.
قلت: وقد وصله آدم بن أبي إياس عن ابن أبي ذئب، أخرجه الحاكم أيضًا فقويت رواية معمر، وإذا كان صحيحًا فالجمع الذي جمع به القاضي حسين، لكن القاضي ومن تبعه جازمون بأن حديث عبادة هذا كان بمكة ليلة العقبة لما بايع الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعة الأولى بمنى، وأبو هريرة إنما أسلم بعد ذلك بسبع سنين عام خيبر فكيف يكون حديثه متقدمًا؟
وقالوا في الجواب عنه: يمكن أن يكون أبو هريرة ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما سمعه من صحابي آخر كان سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم قديمًا، ولم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أن الحدود كفارة كما سمعه عبادة، وفي هذا تعسف ويبطله أن أبا هريرة صرح بسماعه، وأن الحدود لم تكن نزلت إذ ذاك، والحق عندي أن حديث أبي هريرة صحيح وهو سابق على حديث عبادة، والمبايعة المذكورة في حديث عبادة على الصفة المذكورة لم تقع ليلة العقبة، وإنما نص بيعة العقبة ما ذكره ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن حضر من الأنصار: (( أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نسائكم وأبناءكم ) )فبايعوه على ذلك، وعلى أن يرحل إليهم هو وأصحابه، وسيأتي في هذا الكتاب في كتاب الفتن وغيره من حديث عبادة قال: (( بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره ) )، الحديث.
وأصرح من ذلك في هذا المراد ما أخرجه أحمد والطبراني من وجه آخر عن عبادة: أنه جرت له قصة مع أبي هريرة عند معاوية بالشام فقال: يا أبا هريرة إنك لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول الحق ولا نخاف في الله لومة لائم، وعلى أن ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم علينا يثرب فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأبنائنا ولنا الجنة، فهذه بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي بايعناه عليها فذكر بقية الحديث.
وعند الطبراني له طريق أخرى وألفاظ قريبة من هذه، وقد وضح أن هذا هو الذي وقع في البيعة الأولى، ثم صدرت مبايعات أخرى ستذكر في كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى، منها هذه البيعة التي في حديث الباب في الزجر عن الفواحش المذكورة، والذي يقوي أنها وقعت بعد فتح مكة بعد أن أنزلت الآية التي في الممتحنة وهي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} ونزول هذه الآية متأخر بعد قضية الحديبية بلا خلاف.
والدليل على ذلك أن عند البخاري في كتاب الحدود من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري في حديث عبادة هذا: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بايعهم قرأ الآية كلها وعنده في تفسير الممتحنة من هذا الوجه قال: قرأ آية النساء ) ).
ولمسلم من طريق معمر عن الزهري قال: (( فتلا علينا آية النساء أن لا يشركن بالله شيئًا ) ).
وللنسائي من طريق الحارث بن فضيل عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( ألا تبايعونني على ما بايع عليه النساء أن لا تشركوا به شيئًا ) )الحديث.
وللطبراني من وجه آخر عن الزهري بهذا السند: (( بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما بايع عليه النساء يوم فتح مكة ) ).
ولمسلم من طريق الأشعث عن عبادة في هذا الحديث: (( أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخذ على النساء ) ).
فهذه أدلة ظاهرة في أن هذه البيعة إنما صدرت بعد نزول الآية، بل بعد صدور البيعة، بل بعد فتح مكة وذلك بعد إسلام أبي هريرة بمدة، ويؤيد هذا ما رواه ابن أبي خيثمة في (( تاريخه ) )عن أبيه، عن محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أبايعكم على أن لا تشركوا بالله شيئًا ) )فذكر نحو حديث عبادة ورجاله ثقات.
وقد قال إسحاق بن راهويه: إذا صح الإسناد إلى عمرو بن شعيب فهو كأيوب عن نافع عن ابن عمرو انتهى.
وإذا كان عبد الله بن عمرو أحد ممن حضر هذه البيعة وليس هو من الأنصار ولا ممن حضر بيعتهم بمنى، وإنما كان إسلامه قرب إسلام أبي هريرة، وصح تغاير البيعتين بيعة الأنصار ليلة العقبة وهي قبل الهجرة إلى المدينة، وبيعة أخرى وقعت بعد فتح مكة وشهدها عبد الله بن عمرو وكان إسلامه بعد الهجرة بمدة طويلة.
ومثل ذلك ما رواه الطبراني من حديث جرير قال: (( بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مثل ما بايع عليه النساء ) )فذكر الحديث.
وكان إسلام جرير متأخرًا عن إسلام أبي هريرة على الصواب، وإنما حصل الالتباس من جهة أن عبادة بن الصامت حضر البيعتين معًا، وكان بيعة العقبة من أجل
ج 1 ص 234
ما يتمدح به فكان يذكرها إذا حدث تنويهًا بسابقيته، فلما ذكر هذه البيعة التي صدرت على مثل بيعة النساء عقب ذلك توهم من لم يقف على حقيقة الحال أن البيعة الأولى وقعت على ذلك، ونظيره ما أخرجه أحمد من طريق محمد بن إسحاق عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه، عن جده وكان أحد النقباء قال: (( بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الحرب وكان عبادة من الاثني عشر الذين بايعوا في العقبة الأولى على بيعة النساء وعلى السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ) )الحديث.
فإنه ظاهر في اتحاد البيعتين، ولكن الحديث في الصحيحين كما سيأتي في الأحكام ليس فيه هذه الزيادة وهو من طريق مالك عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عبادة بن الوليد، والصواب أن بيعة الحرب بعد بيعة العقبة؛ لأن الحرب إنما شرع بعد الهجرة، ويمكن تأويل رواية ابن إسحاق وردها إلى ما تقدم، وقد اشتملت روايته على ثلاث بيعات:
بيعة العقبة وقد صرح بأنها كانت قبل أن تفرض الحرب في رواية الصنابجي عن عبادة عند أحمد.
والثانية بيعة الحرب، وسيأتي في الجهاد أنها كانت على عدم الفرار.
والثالثة بيعة النساء التي وقعت على نظير بيعة النساء، ويعكر على هذا التصريح في رواية ابن إسحاق من طريق الصنابجي عن عبادة أن بيعة ليلة العقبة كانت على مثل بيعة النساء، فيمكن في الجمع أنه اتفق وقوع ذلك قبل أن تنزل الآية، وإنما أضيفت إلى النساء لضبطها بالقرآن، والأصح أن التصريح بذلك وهم من بعض الرواة والله أعلم.
ونظيره ما وقع في (( الصحيحين ) )أيضًا من طريق الصنابحي عن عبادة قال: (( إني من النقباء الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئًا ) )الحديث.
فظاهر هذا اتحاد البيعتين، ولكن المراد على ما قررت أن قوله: (( إني من النقباء الذين بايعوا ليلة العقبة على الإبراء والنصر ) )وما يتعلق بذلك، ثم قال بايعناه ... إلخ؛ أي: في وقت آخر، ويشير إلى هذا الإتيان بالواو العاطفة في قوله: وقال: بايعناه، وعليه يرد ما أتى من الروايات توهمًا؛ لأن هذه البيعة كانت ليلة العقبة إلى هذا التأويل الذي نهجت طريقه فيرتفع بذلك الإشكال، ولا يبقى بين حديثي أبي هريرة وعبادة تعارض، ولا من وجه بعد ذلك للتوقف في كون الحدود كفارة.
واعلم أن عبادة بن الصامت لم ينفرد برواية هذا المعنى، بل روى ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو في الترمذي وصححه الحاكم وفيه: (( من أصاب ذنبًا فعوقب به في الدنيا فالله أكرم من أن يثني العقوبة على عبده في الآخرة ) ).
وهو عند أحمد بإسناد حسن ولفظه: (( من أصاب ذنبًا أقيم عليه حد ذلك الذنب فهو كفارته ) ).
وللطبراني عن ابن عمر مرفوعًا: (( ما عوقب رجل على ذنب إلا جعله الله كفارة لما أصاب من ذلك الذنب ) ).
وإنما أطلت في هذا لأنني لم أر من أزال اللبس فيه على الوجه المرضي والله الهادي انتهى بحروفه.
ونقلته على طوله لاحتياج المقام إليه في الجمع بين الحديثين، وملخص ذلك ادعاء تأخر حديث مبايعة النساء عن حديث أبي هريرة، وأنه صلى الله عليه وسلم توقف في أن الحدود كفارات أم لا وهو المحكي في حديث أبي هريرة، ثم أخبر بعد ذلك بأنها كفارات فجزم به وهو المحكي في حديث عبادة هذا.
وتعقبه العيني من وجوه أطال فيها أقواها أن حديث أبي هريرة لا يساوي حديث عبادة في الصحة؛ لأن المصحح له الحاكم، وقد علم تساهله في التصحيح على أن الدارقطني قال: إن عبد الرزاق تفرد بوصله، وأن هشام بن يوسف رواه عن معمر فأرسله قال: فإذا كان الأمر كذلك فمتى يساوي حديث أبي هريرة حديث عبادة بن الصامت حتى يقع التعارض بينهما، فيحتاج إلى الجمع والتوفيق، ثم قال: فإن قلت قد وصله آدم بن أبي إياس عن ابن أبي ذئب أخرجه الحاكم أيضًا.
قلت: ولو وصله هو أو غيره فإن قطع غيره مما يورث عدم التساوي بحديث عبادة، وصحة حديث عبادة متفق عليها بخلاف حديث أبي هريرة على ما نص عليه القاضي عياض وغيره، فلا تساوي فلا تعارض فلا احتياج إلى التكلف بالجمع والتوفيق انتهى.
وأجاب عنه في (( الانتقاض ) ): بأنه لا يلزم من نسبة الحاكم إلى المساهلة في التصحيح أن يكون كل حديث صححه تساهل فيه، بل ينظر في السند فإن وجدت فيه شروط الصحة فهو صحيح وإلا فلا وهنا وجدت شروط الصحة انتهى.
وأقول: فيه نظر لأن وجود شروط الصحة فيه غير متفق عليها كما نقله عن القاضي عياض، فلا يندفع بذلك تعقب العيني من هذا الوجه، ولكن هذا الاختلاف إنما هو في طريق الحكم لا في الحكم إذ العمل بحديث عبادة سواء قلنا: إنه متأخر عن حديث أبي هريرة أم متقدم؟
فإن كان متأخرًا فالأمر ظاهر أن العمل به، وإن كان متقدمًا فالعمل به أيضًا لأنه أقوى من حديث أبي هريرة فليتأمل، وتمام التعقبات في العيني.
(وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا) يجري فيه نظير ما مر (ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ) أي: عليه كما في رواية ابن عساكر وعزاها في (( الفتح ) )لكريمة (فَهُوَ إِلَى اللَّهِ) أي: فأمره مفوض إلى الله تعالى (إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ) بفضله(وَإِنْ شَاءَ
ج 1 ص 235
عَاقَبَهُ)بعدله.
قال المازري: فيه رد على الخوارج الذين يكفرون بالذنوب، ورد على المعتزلة الذين يوجبون تعذيب الفاسق إذا مات بلا توبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه تحت المشيئة، ولم يقل لابد أن يعذبه انتهى، وفي (( الفتح ) ).
وقال الطيبي: فيه إشارة إلى الكف عن الشهادة بالنار أو بالجنة لأحد إلا من ورد النص فيه بعينه.
قلت: أما الشق الأول فواضح، وأما الثاني فالإشارة إليه إنما تستفاد من الحمل على غير ظاهر الحديث وهو متعين انتهى.
وقوله: (( وإن شاء عاقبه ) ): قال في (( الفتح ) ): يشمل من تاب من ذلك ومن لم يتب وقالت بذلك طائفة، وذهب الجمهور إلى أن من تاب لا تبقى عليه المؤاخذة، ومع ذلك فلا يأمن مكر الله؛ لأنه لا اطلاع له هل قبلت توبته أو لا، وقيل: يفرق بين ما يجب منه الحد وما لا يجب، واختلف في من أتى ما يوجب الحد فقيل: يجوز أن يتوب سرًا ويكفيه ذلك.
وقيل: لا بل الأفضل أن يأتي الإمام ويعترف ويسأله أن يقيم عليه الحد كما وقع لماعز والغامدية، وفصل بعض العلماء بين من يكون معلنًا بالفجور فيستحب أن يعلن بتوبته وإلا فلا انتهى.
وقال ابن الملقن: وحاصله أن من مات صغيرًا أو كبيرًا ولا ذنب له بأن مات عقب بلوغه أو توبته أو إسلامه قبل إحداث معصية فهو محكوم له بالجنة بفضل الله ورحمته ولا يدخل النار، لكن يردها كما قال تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم:71] وفي الورود الخلاف المشهور وإن مات مصرًا على الكبيرة فهو إلى الله تعالى كما في الحديث: (( ولا يخلد أحد في النار مات على التوحيد ) ).
وأخطأ من كفر بالذنب وهم الخوارج، ومن قال لابد من عذاب الفاسق وهم المعتزلة انتهى.
وفي (( المصابيح ) ): فإن قلت: ما الحكمة في عطف الجملة المتضمنة للعقوبة على ما قبلها بالفاء والمتضمنة للستر بثم؟
قلت: لعلها التنفير من مواقعة المعصية، فإن السامع إذا علم أن العقوبة مفاجئة لإصابة المعصية غير متراخية عنها، وأن الستر متراخ بعثه ذلك على اجتناب المعصية وتوقيها فتأمله انتهى.
وقال العيني: الفاء للتعقيب وتعقيب كل شيء بحسبه فيجوز أن يكون هنا بين الإصابة والعقاب مدة طويلة أو قصيرة وذلك بحسب الوقوع، ويجوز أن تكون الفاء للسببية كما في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً} [الحج:63] .
وأما ثم فإن وضعها للتراخي وقد يتخلف وهاهنا ثم ليست على بابها؛ لأن الستر عند إرادة الله تعالى يكون عقب الإصابة ولا يتراخى عنها فافهم انتهى.
وأقول: الظاهر أن ثم على معناها الحقيقي من التراخي غير أن التراخي بالنسبة إلى علم المصيب، فإن علمه بالستر يتراخى إلى قبيل موته من غير فضيحة على أن إرادة الله تعالى الستر أزلية قبل الإصابة فكيف يصح أن تكون عقب الإصابة اللهم إلا أن يراد بالإرادة تعلقها التنجيزي بالمراد وذلك التعلق حادث فليتأمل.
تنبيهان:
الأول: هل يدخل في العقوبة المذكورة التعازير والمصائب الدنيوية من الآلام والأسقام وغيرها أو لا؟ والأقرب عدم الدخول في الحديث، ويدل له قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: (( ومن أصاب من ذلك شيئًا ) )فإنه يخص المذكورات في الحديث لقوله من ذلك لكن ربما يقال أن التعازير تدخل بطريق القياس على الحدود بجامع أن الشارع جعلها عقوبة على فعل محرم، ويبقى النظر في المصائب والأسقام.
قال في (( الفتح ) ): قوله في حديث الباب فعوقب به أعم من أن تكون العقوبة حدًا أو تعزيرًا.
قال ابن التين: وحكي عن القاضي إسماعيل وغيره: أن قتل القاتل إنما هو إرداع لغيره، وأما في الآخرة فالطلب للمقتول قائم؛ لأنه لم يصل إليه حقه.
قلت: بل وصل إليه حق وأي حق فإن المقتول ظلمًا تكفر عنه ذنوبه بالقتل كما ورد في الخبر الذي صححه ابن حبان وغيره (( أن السيف محاء للخطايا ) ).
وعن ابن مسعود قال: إذا جاء القتل محا كل شيء، رواه الطبراني وله عن الحسن بن علي نحوه، وللبزار عن عائشة مرفوعًا: (( لا يمر القتل بذنب إلا محاه فلولا القتل ما كفرت ذنوبه ) ).
فأي حق يصل إليه أعظم من هذا، ولو كان حد القتل إنما شرع للإرداع فقط لم يشرع العفو عن القاتل، وهل يدخل في العقوبة المذكورة المصائب الدنيوية من الآلام والأسقام وغيرها فيه نظر، ويدل للمنع قوله صلى الله عليه وسلم: (( ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله عليه ) ).
فإن هذه المصائب لا تنافي الستر، لكن ثبتت الأحاديث الكثيرة أن المصائب تكفر الذنوب فيحتمل أن يراد أنها تكفر ما لا حد فيه والله أعلم انتهى.
وتوقف قوم في ذلك لظاهر قوله تعالى: {لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة:114] .
وأجاب ابن الملقن عن الآية بوجهين أحدهما: أن الآية في الكفار، الثاني: أن حديث عبادة مخصص لها انتهى.
الثاني: قال ابن حجر المكي في (( شرحه على الأربعين النووية ) ): اختلفوا في مسألتين:
إحداهما: أن الأعمال الصالحة لا تكفر غير الصغائر على الأصح، بل المجمع عليه كما قاله ابن عبد البر، وأما الكبائر فلابد لها من التوبة لإجماعهم على أنها فرض، ويلزم من تكفير الكبائر بنحو الوضوء والصلاة بطلان فريضة التوبة ويؤيده حديث الصحيحين (( الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر ) ).
وحكى ابن عطية عن جمهور أهل السنة: أن معناه أن اجتناب الكبائر شرط لتكفير هذه الفرائض الصغائر، فإن لم تجتنب لم تكفر شيئًا بالكلية، وعن الحذاق أنها تكفر الصغائر ما لم يصر عليها سواء أفعل الكبائر أم لا، ولا تكفر شيئًا من الكبائر.
ج 1 ص 236
روى مسلم: (( ما من امرئ مسلم يحضر صلاة مكتوبة فيحسن وضوئها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة وذلك الدهر كله ) ). والأحاديث في ذلك كثيرة.
وقيل: إن الأعمال الصالحة تكفر الكبائر وممن قاله به ابن حزم، لكن أطال ابن عبد البر في الرد عليه، والصحيح قول الجمهور: أن الكبائر لا تكفر بدون التوبة، فعم إقامة الحد بمجرده كفارة كما صرح به حديث مسلم؛ أي: بالنسبة لذات الذنب، أما بالنسبة لترك التوبة منه فلا يكفره الحد لأنها معصية أخرى، وعليه يحمل قول جمع أن إقامته ليست كفارة بل لابد معها من التوبة وقوله تعالى في المحاربين: {ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة:114] لا ينافي ذلك لأنه ذكر عقوبتهم في الدارين ولا يلزم اجتماعهما، ثم قال: وهذا كله في الكبائر، وأما الصغائر فإنها تمحى بالعمل مع بقاء ثوابه كما دلت عليه الآيات والأحاديث، ثم المغفرة والتكفير متقاربان إذ المغفرة ستر الذنوب أو وقاية شرها مع سترها والتكفير من الكفر وهو الستر أيضًا.
وقيل: هو محو أثر الذنب حتى كأنه لم يفعل والمغفرة ذلك مع إكرام العبد والإفضال عليه، وقيل: مغفرة الذنب بالعمل بقلبه حسنة وتكفيره بالمكفر يمحوه فقط، وقيل: المغفرة وقاية الذنب بالكلية فلا مؤاخذة ولا عقوبة، والتكفير قد يقع بعد العقوبة فإن المصائب الدنيوية مكفرات وهي عقوبات، وكذا العفو والرحمة يقعان مع العقوبة ومع عدمها.
وقيل: المكفر من العمل ما ينمحي به الذنب فلا ثواب له غير ذلك كاجتناب الكبائر والعمل الذي يغفر به الذنب ما فيه ثواب ومغفرة كالذكر، وقد قال كثير من الصحابة وغيرهم: لا ثواب في المصائب الدنيوية غير التكفير للذنوب، وفسر المكفر في الحديث بإسباغ الوضوء في المكاره ونقل الأقدام إلى الصلاة وقال: (( من فعل ذلك عاش بخير ومات بخير وخرج من خطيئته كيوم ولدته أمه ) ).
فهذا مع تكفيره للسيئات يرفع الدرجات، وسببه أنه قد يجتمع في العمل شيئان: أحدهما رافع، والآخر مكفر، فالوضوء من حيث كونه تعاطي عبادة رافع للدرجات، ومن حيث مشقته وإيلامه للنفس مكفر، وقس عليه، ومن ثم جاء أن إحدى خطوتي الماشي إلى المسجد ترفع له درجة والأخرى تحط عنه خطيئته.
ثانيتهما: الأصح وجوب التوبة من الصغائر أيضًا، وقال بعض المعتزلة: لا تجب، وقال بعض المتأخرين: الواجب الإتيان بها أو ببعض المكفرات انتهى.
(فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ) أي المذكور من الخصال السابقة، قال في (( الفتح ) ): وزاد في رواية الصنابجي عن عبادة في هذا الحديث: (( ولا تنتهب ) )وهو مما يتمسك به في أن البيعة متأخرة عن بيعة العقبة؛ لأن الجهاد لم يكن فرض، والمراد بالانتهاب ما يقع بعد القتال في المغانم انتهى.
وتعقبه العيني فقال: هذا استدلال فاسد؛ لأن الانتهاب أعم من أن يكون في المغانم وغيرها، وتخصيصه بالمغانم تحكم مخالف لللغة انتهى.
وأجاب عنه في (( الانتقاض ) ): بأنه المتبادر فالتمسك به صحيح انتهى.
أقول: الذي رأيناه في (( الفتح ) )وفي العيني بلفظ: ولا تنهب نهيًا للمخاطب المذكر وكونها زيادة في هذا الحديث تقتضي أن تكون بلفظ: (( ولا تنتهبوا ) )نهيًا لجماعة الذكور المخاطبين على نسق ما عطف عليه من النواهي فليحرر.
[1] في هامش المخطوط: (( لعل الأصل وقف من وقف لحديث إلخ ) ).