وبالسند إلى المؤلف قال:
216 - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ) بن أبي شيبة الكوفي (قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) بن المعتمر (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جَبْر بفتح الجيم وسكون الموحدة الإمام في التفسير (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِحَائِطٍ) بالحاء والطاء المهملتين؛ أي: بستان من النخيل له جدران، ولا يسمى بستان النخيل حائطًا إلا إذا كان له جدران، فيشبه أن يكون تسميته حائطًا من باب إطلاق الجزء على الكل (مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ) بقلب الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، وأصله حوطان؛ لأنه من حاط يحوط (أَوْ مَكَّةَ) شك من جرير.
قال في (( الفتح ) ): وللمصنف في (( الأدب ) ): (( خرج النبي صلى الله عليه وسلم من بعض حيطان المدينة ) )فيحمل على أن الحائط الذي خرج منه غير الحائط الذي مر به.
وفي (( الأفراد ) )للدارقطني من حديث جابر: أن الحائط كان لأم بشر الأنصارية وهو يقوي رواية الأدب لجزمها بالمدينة من غير شك. انتهى.
أقول: ويؤيد ذلك أن ابن عباس لم يكن في سن من يضبط لما كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة؛ لأنه كان عند الهجرة ابن ثلاث سنوات.
اللهم إلا أن يقال أنه من مراسيل الصحابة أو سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم بعد بلوغه سن التمييز أو كان في فتح مكة أو في حجة الوداع.
(فَسَمِعَ) صلى الله عليه وسلم (صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ) تثنية إنسان يستوي فيه المذكر والمؤنث (يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا) الجملة صفة لإنسانين.
قال ابن مالك: في قوله صوت إنسانين شاهد على جواز إفراد المضاف المثنى إذا كان جزء ما أضيف إليه نحو: أكلت رأس شاتين وجمعه أجود نحو: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم:4] .
وقد اجتمع التثنية والجمع في قوله: ظهراهما مثل ظهور الترسين، فإن لم يكن المضاف جزء ما أضيف إليه فالأكثر مجيئه بلفظ التثنية فإن أمن اللبس جاز جعل المضاف بلفظ الجمع.
وقوله: (يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا) شاهد لذلك. انتهى.
ولم يُعرف اسم المقبورين ولا أحدهما، ولعله عليه الصلاة والسلام أبهمهما للستر عليهما على عادته في الستر على أمته، أو سماهما لينزجر غيرهما عن مباشرة ما باشراه وأبهمهما الراوي.
(فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: يُعَذَّبَانِ) أي: الإنسانان (وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ) قال في (( الفتح ) ): وفي رواية الأعمش: (( مر بقبرين ) )زاد ابن ماجه: (( جديدين فقال: إنهما ليعذبان ) ).
فيحتمل أن يقال: أعاد الضمير على غير مذكور؛ لأن سياق الكلام يدل عليه، وأن يقال: أعاده على القبرين مجازًا والمراد من فيهما. انتهى.
وتعقبه العيني بالنظر إلى الاحتمال الأول بما حاصله: أنه إنما يرتكب إعادة الضمير على غير مذكور إذا لم يكن في الكلام شيء يعود عليه الضمير، وهنا معاد الضمير موجود وهو القبران مجازًا عن من فيهما.
(ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (بَلَى) أي: إنه لكبير كما جاء التصريح بذلك في رواية أخرى للمصنف، ولفظ بلى من زيادة رواية منصور على الأعمش، ولم يخرجها مسلم.
واستدل ابن بطال برواية الأعمش على أن التعذيب لا يختص بالكبائر، بل يقع على الصغائر.
قال: لأن الاحتراز من البول لم يرد فيه وعيد يعني قبل هذه القصة، وتعقب بهذه الزيادة، وقد ورد مثلها من حديث أبي بكرة عند أحمد والطبراني ولفظه: (( وما يعذبان في كبير بلى ) ).
وقال ابن مالك في قوله: في كبير شاهد على ورود في للتعليل، وهو مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (( عذبت امرأة في هرة ) ).
قال: وخفي ذلك على أكثر النحويين مع وروده في القرآن كقوله تعالى: {لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ} [الأنفال:68] ، وفي الحديث كما تقدم، وفي الشعر فذكر شواهد كذا في (( الفتح ) )، وفيه أيضًا: وقد اختلف في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (( وإنه لكبير ) ).
قال أبو عبد الملك البوني: يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم ظن أن ذلك غير كبير، فأوحى الله إليه في الحال بأنه
ج 1 ص 689
كبير، فاستدرك.
وتعقب بأنه يستلزم أن يكون نسخًا، والنسخ لا يدخل الخبر.
وأجيب: بأن الخبر بالحكم يجوز نسخه فقوله: (( وما يعذبان في كبير ) )إخبار بالحكم، فإذا أوحي إليه أنه كبير فأخبر به كان نسخًا لذلك الحكم.
وقيل: يحتمل أن الضمير في قوله: وإنه يعود على العذاب؛ لما ورد في (( صحيح ابن حبان ) )من حديث أبي هريرة: (( يعذبان عذابًا شديدًا في ذنب هيِّن ) ).
وقيل: الضمير يعود على أحد الذنبين وهو النميمة؛ لأنها من الكبائر بخلاف كشف العورة، وهذا مع ضعفه غير مستقيم؛ لأن الاستتار المنفي ليس المراد به كشف العورة فقط كما سيأتي.
وقال الداودي وابن العربي: كبير المنفى بمعنى أكبر والمثبت واحد الكبائر؛ أي: ليس ذلك بأكبر الكبائر كالقتل مثلًا وإن كان كبيرًا في الجملة.
وقيل: المعنى ليس بكبير في الصورة؛ لأن تعاطي ذلك يدل على الدناءة والحقارة وهو كبير في الذنب، وقيل: ليس بكبير في اعتقادهما أو في اعتقاد المخاطبين، وهو عند الله كبير كقوله تعالى: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللهِ عَظِيمٌ} [النور:15] .
وقيل: ليس بكبير في مشقة الاحتراز؛ أي: كان لا يشق عليهما الاحتراز عن ذلك، وهذا الأخير جزم به البغوي وغيره، ورجحه ابن دقيق العيد وجماعة.
وقيل: ليس بكبير بمجرده وإنما صار كبيرًا بالمواظبة عليه ويرشد إلى ذلك السياق، فإنه وصف كلًا منهما بما يدل على تجدد ذلك منه، واستمراره عليه للإتيان بصيغة المضارع بعد حرف كان. انتهى بحروفه.
(كَانَ أَحَدُهُمَا لاَ يَسْتَتِرُ) بمثناتين فوقيتين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة (مِنْ بَوْلِهِ) أي: لا يجعل بينه وبين بوله سترة؛ أي: لا يتحفظ منه.
قال في (( الفتح ) ): وفي رواية ابن عساكر: بموحدة ساكنة من الاستبراء، ولمسلم وأبي داود في حديث الأعمش: (( يستنزه ) )بنون ساكنة بعدها زاي ثم هاء فعلى رواية البخاري معنى الاستتار أنه لا يجعل بينه وبين بوله سترة يعني لا يتحفظ منه، فيوافق رواية لا يستنزه؛ لأنها من التنزه وهو الإبعاد.
وقد وقع عند أبي نعيم في (( المستخرج ) )من طريق وكيع عن الأعمش: (( كان لا يتوقى ) )وهي مفسرة للمراد، وأجراه بعضهم على ظاهره فقال: معناه لا يستر عورته، وضعف بأن التعذيب لو وقع على كشف العورة؛ لاستقل الكشف بالسببية، وطرح اعتبار البول، فيترتب العذاب على الكشف سواء وجد البول أم لا، ولا يخفى ما فيه.
وأما رواية الاستبراء فهي أبلغ في التوقي، وتعقب الإسماعيلي رواية الاستتار بما يحصل جوابه مما ذكرنا.
قال ابن دقيق العيد: لو حمل الاستتار على حقيقته؛ للزم أن مجرد كشف العورة كان سبب العذاب المذكور، وسياق الحديث يدل على أن للبول بالنسبة إلى عذاب القبر خصوصية يشير إلى ما صححه ابن خزيمة من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (( أكثر عذاب القبر من البول ) )أي: بسبب ترك التحرز.
قال: ويؤيده أن لفظ من في هذا الحديث لما أضيف إلى البول اقتضى نسبة الاستتار الذي عدمه سبب العذاب إلى البول بمعنى أن ابتداء سبب العذاب من البول، فلو حمل على مجرد كشف العورة زال هذا المعنى فتعين الحمل على المجاز؛ لتجتمع ألفاظ الحديث على معنى واحد؛ لأن مخرجه واحد.
ويؤيده: أن في حديث أبي بكرة عند أحمد وابن ماجه: (( أما أحدهما فيعذب في البول ) )، ومثله عند الطبراني عن أنس. انتهى.
قال القسطلاني: وفيه: دليل على وجوب الاستنجاء؛ لأنه مما عذب على استخفافه بغسل البول وعدم التحرز عنه دل على أن من ترك البول في مخرجه ولم يستنج منه أنه حقيق بالعذاب. انتهى.
وأقول: فيه نظر؛ لأن الحديث إنما يدل على وجوب التحرز عن البول بأن لا يتقاطر على ثيابه أو بدنه وأما وجوب الاستنجاء إذا لم يتجاوز الخارج المخرج فلا يدل عليه الحديث كما لا يخفى فليتأمل.
(وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ) أي: يسعى بنقلها وإفشائها.
قال ابن دقيق العيد: هي نقل كلام الناس والمراد منه هنا ما كان بقصد الإضرار فأما ما اقتضى فعل مصلحة أو ترك مفسدة فهو مطلوب. انتهى.
قال في (( الفتح ) ): وهو تفسير للنميمة بالمعنى الأعم وكلام غيره يخالفه كما سنذكر ذلك مبسوطًا في موضعه من كتاب الأدب.
وقال النووي: هي نقل كلام الغير بقصد الإضرار وهي من أقبح القبائح.
ج 1 ص 690
وتعقبه الكرماني فقال: هذا لا يصح على قاعدة الفقهاء فإنهم يقولون: الكبيرة هي الموجبة للحد ولا حد على الماشي بالنميمة، إلا أن يقال: الاستمرار هو المستفاد منه جعله كبيرة؛ لأن الإصرار على الصغيرة حكمه حكم الكبيرة، أو أن المراد بالكبيرة معنى غير المعنى الاصطلاحي. انتهى.
وما نقله عن الفقهاء ليس هو قول جميعهم، لكن كلام الرافعي يشعر بترجيحه حيث حكى في تعريف الكبيرة وجهين: أحدهما: هذا، والثاني: ما فيه وعيد شديد، قال: وهم إلى الأول أميل، والثاني أوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر. انتهى.
ولا بد من حمل القول الأول على أن المراد به غير ما نص عليه في الأحاديث الصحيحة، وإلا لزم أن لا يعد عقوق الوالدين وشهادة الزور من الكبائر مع أن النبي صلى الله عليه وسلم عدهما في أكبر الكبائر، وسيأتي الكلام على هذه المسألة مستوفى في أول كتاب الحدود إن شاء الله تعالى، وعرف بهذا الجواب عن اعتراض الكرماني بأن النميمة قد نص في الصحيح على أنها كبيرة كما تقدم. انتهى.
وفي (( الزواجر ) )لابن حجر المكي: أخرج الشيخان: (( لا يدخل الجنة نمَّام ) )، وفي رواية: (( قتات ) )وهو النمام: الذي يكون مع جمع يتحدثون حديثًا، فينم عليهم، والقتات: الذي يستمع عليهم وهم لا يعلمون ثم ينم.
وروى الطبراني (( ليس مني ذو حسد ولا نميمة ولا كهانة ولا أنا منه ثم تلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا} [الأحزاب:58] ) ).
وفيها أيضًا: أنه نودي على عبد يراد بيعه ليس به عيب إلا أنه نمام، فاشتراه من استخف بهذا العيب، فلم يمكث عنده أيامًا حتى نم لزوجته أنه يريد التزوج أو التسري، وأمرها أن تأخذ الموسى وتحلق به شعرات من حلقه ليسحره لها فيهن فصدقته، وعزمت على ذلك فجاء إليه ونم له عنها أنها اتخذت لها خدنًا أحبته وتريد ذبحك الليلة، فتناومْ لترى ذلك، فصدقه، فتناوم، فجاءت لتحلق فقال: صدق الغلام، فلما أهوت إلى حلقه أخذ الموسى منها وذبحها به، فجاء أهلها فرأوها مقتولة، فقتلوه، فوقع القتال بين الفريقين بشؤم ذلك النمام. انتهى.
وذكر الحافظ ابن رجب: السرَّ في تخصيص البول والنميمة بعذاب القبر، وهو أن القبر أول منازل الآخرة، وفيه: أنموذج ما يقع في القيامة من العذاب والثواب والمعاصي التي يعاقب عليها يوم القيامة نوعان حق الله وحق العباد، وأول ما يقضى فيه من حقوق الله عز وجل الصلاة، ومن حقوق العباد الدماء.
وأما البرزخ: فيقضى فيه مقدمات هذين الحقين ووسائلهما، فمقدمة الصلاة الطهارة من الحدث والخبث، ومقدمة الدماء النميمة، فيبدأ في البرزخ بالعقاب عليهما. انتهى.
(ثُمَّ دَعَا) صلى الله عليه وسلم (بِجَرِيدَةٍ) من جرائد النخل وهي الغصن من النخل بدون الورق.
قال في (( الفتح ) ): وللأعمش: (( فدعا بعسيب رطب ) )والعسيب بمهملتين بوزن فعيل هي الجريدة التي لم ينبت فيها خوص فإن نبت فهي السعفة، وقيل: إنه خص الجريد بذلك؛ لأنه بطيء الجفاف، وروي: أن الذي أتاه بالجريدة بلال.
(فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ) فيه إيجاز بحذف المعطوف عليه؛ أي: فأتي بها فكسرها، وكسرتين بكسر الكاف تثنية كسرة وهي القطعة من الشيء.
قال في (( الفتح ) ): وقد تبين من رواية الأعمش أنها كانت نصفًا، وفي رواية جرير عنه باثنتين.
قال النووي: الباء زائدة للتأكيد، والنصب على الحال.
(فَوَضَعَ) النبي صلى الله عليه وسلم (عَلَى كُلِّ قَبْرٍمنهماكِسْرَةً) وفي الرواية الآتية: (( فغرز ) )وهو يستلزم الوضع دون العكس.
وفي (( المصابيح ) ): قال أبو مسعود الحازمي: كان الغرس بإزاء الرأس ثبت ذلك بإسناد صحيح.
قال الزركشي في (( تعليق العمدة ) ): وفي رواية غندر: (( نصفه عند رأسه، ونصفه عند رجليه ) )ذكرها صاحب (( الترغيب ) ).
قلت: فتكون القطع حينئذ أربعًا. انتهى.
(فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ) ولابن عساكر: إسقاط ، وللأعمش فيما يأتي: (( قالوا ) )أي: الصحابة.
قال في (( الفتح ) ): ولم نقف على تعيين السائل منهم.
(لِمَ فَعَلْتَ
ج 1 ص 691
هَذَا؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ) بالبناء للمفعول ونائب الفاعل ضمير يرجع إلى العذاب المفهوم من يعذبان أو الجار والمجرور وهو قوله: (عَنْهُمَا) أي: المقبورين وإدخال أن في خبر لعل جائز وإن كان الأكثر حذفها كما في قوله تعالى: {لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ} [طه:44] ، والهاء في لعله.
قال ابن مالك: يجوز أن تكون ضمير الشأن، وجاز تفسيره بأن وصلتها؛ لأنها في حكم جملة لاشتمالها على مسند ومسند إليه، ويحتمل أن تكون أن زائدة مع كونها ناصبة كزيادة الباء مع كونها جارة. انتهى.
قال في (( الفتح ) ): وقد ثبت في الرواية الآتية بحذف أن فقوي الاحتمال الثاني. انتهى.
وقال الكرماني: ويحتمل أن يكون الضمير مبهمًا يفسره ما بعده، ولا يكون ضمير الشأن كقوله تعالى: {مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا} [الجاثية:24] .
(مَا لَمْ تَيْبَسَا) بالمثناة الفوقية في أكثر الروايات؛ أي: الكسرتان والباء مفتوحة؛ لأنه من باب علم يعلم وقد تكسر وهي لغة شاذة، وفي رواية الكشميهني: بحرف الاستثناء، وللمستملي: بإلى التي للغاية، والمثناة التحتية بالتذكير بتأويل الكسرتين بالعودين وما مصدرية زمانية؛ أي: مدة دوامهما إلى زمن اليبس المحتمل تأقيته من النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي؛ كما قال المازري، لكن تعقبه القرطبي: بأنه لو كان بالوحي لما أتى بحرف الترجي.
وأجيب: بأن لعل هنا للتعليل، أو أنه شفع لهما في التخفيف هذه المدة كما صرح به في حديث جابر الطويل المذكور في أواخر الكتاب بناء على أن القصة واحدة كما رجحه النووي، لكن الصحيح كما في (( الفتح ) )أنهما قصتان والمغايرة بينهما من أوجه:
منها: أن هذه التي هي رواية ابن عباس كانت في المدينة، وكان معه صلى الله عليه وسلم جماعة، وقصة جابر كانت في السفر، وكان خرج لحاجة فتبعه جابر وحده.
ومنها: أن في هذه القصة أنه صلى الله عليه وسلم غرس الجريدة بعد أن شقها نصفين، كما في الباب الذي بعد هذا من رواية الأعمش.
وفي حديث جابر: أنه صلى الله عليه وسلم استتر بهما عند قضاء الحاجة، ثم أمر جابرًا فالقى الغصنين عن يمينه وعن يساره حيث كان جالسًا وأن جابرًا سأله عن ذلك، فقال: (( إني مررت بقبرين يعذبان، فأحببت بشفاعتي أن يرفع عنهما ما دام الغصنان رطبين ) ).
ولم يذكر في حديث جابر السبب الذي كانا يعذبان به ولا الترجي في قوله: لعله فبان تغاير حديث ابن عباس وحديث جابر، وأنهما كانا في قصتين مختلفتين ولا يبعد تعدد ذلك، ثم ذكر أن ابن حبان في (( صحيحه ) )من حديث أبي هريرة ذكر قصة ثالثة مغايرة لهاتين، فراجعه.
وقال الخطابي: هو محمول على أنه دعا لهما بالتخفيف مدة بقاء النداوة؛ لأن في الجريدة معنى يخصه ولا أن في الرطب معنى ليس في اليابس.
قال: وقد قيل: أن المعنى فيه أن يسبح ما دام رطبًا فيحصل التخفيف ببركة التسبيح، وعلى هذا فيطرد في كلما فيه رطوبة من الأشجار وغيرها، وكذلك فيما فيه بركة كالذكر وتلاوة القرآن من باب الأولى.
وقال الطيبي: الحكمة في كونهما ما دامتا رطبتين تمنعان العذاب يحتمل أن تكون غير معلومة كعدد الزبانية.
وقد استنكر الخطابي ومن تبعه وضع الناس الجريدة ونحوها عملًا بهذا الحديث.
قال الطرطوسي: لأن ذلك خاص ببركة يده الشريفة.
وقال القاضي عياض: لأنه علل غرزها على القبر بأمر مغيب وهو قوله: ليعذبان.
قلت: ولا يلزم من كوننا لا نعلم أيعذب أم لا؟.
أن لا نتسبب له في أمر مخفف عنه العذاب أن لو عذب كما لا يمنع كوننا لا ندري أرحم أم لا؟.
أن ندعو له بالرحمة، وليس في السياق ما يقطع على أنه باشر الوضع بيده الكريمة، بل يحتمل أن يكون أمر به، وقد تأسى بريدة بن الخصيب الصحابي بذلك، فأوصى أن يوضع على قبره جريدتان كما سيأتي في الجنائز من هذا الكتاب وهو أولى أن يتبع من غيره. انتهى.
وفي الحديث فوائد:
منها: أن عذاب القبر حق يجب الإيمان به والتسليم له وعلى ذلك أهل السنة والجماعة خلافًا للمعتزلة على اضطراب أقوالهم، وخلاف طويل بينهم لا يحتمل بيانه المقام.
ومنها: نجاسة الأبوال من الآدمي مطلقًا قليلها وكثيرها.
ومنها:
ج 1 ص 692
ما قاله الخطابي أن فيه دليلًا على استحباب تلاوة الكتاب العزيز على القبور؛ لأنه إذا كان يرجى التخفيف عن الميت بتسبيح الشجر، فتلاوة القرآن العظيم أعظم رجاء وبركة. انتهى.
قال العيني: وقد اختلف الناس في هذه المسألة، فذهب أبو حنيفة وأحمد إلى وصول ثواب القرآن إلى الميت؛ لما روى أبو بكر النجار في كتاب (( السنن ) )عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من مر بين المقابر فقرأ: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} أحد عشر مرة، ثم وهب أجرها للأموات أعطي من الأجر بعدد الأموات ) ).
وفي (( سننه ) )أيضًا عن أنس يرفعه: (( من دخل المقابر فقرأ سورة {يس} خفف الله عنهم يومئذ ) ).
وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من زار قبر والديه، أو أحدهما فقرأ عنده أو عندهما يس غفر له ) ).
وروى أبو جعفر بن شاهين عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من قال: الحمد لله رب العالمين، رب السموات ورب الأرض رب العالمين، وله الكبرياء في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم، لله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العالمين، وله العظمة في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم، هو الملك رب السموات ورب الأرض رب العالمين، وله النور في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم مرة واحدة، ثم قال: اللهم اجعل ثوابها لوالدي لم يبق لوالديه حق إلا أداه إليهما ) ).
وقال النووي: المشهور من مذهب الشافعية وجماعة أن قراءة القرآن لا تصل إلى الميت، والأخبار المذكورة حجة عليهم.
ولكن أجمع العلماء على أن الدعاء ينفعهم ويصل ثوابه إليهم لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} [الحشر:10] .
وغير ذلك من الآيات والأحاديث المشهورة منها:
قوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد ) )، وقوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم اغفر لحينا وميتنا ) )وغير ذلك.
فإن قلت: هل يبلغ الميت ثواب الصوم والصدقة والعتق؟.
قلت: نعم لما روى الدارقطني: قال رجل: يا رسول الله! كيف أبر أبوي بعد موتهما؟ فقال: (( إن من البر بعد البر أن تصلي لهما مع صلاتك، وأن تصوم لهما مع صيامك، وأن تصدق عنهما مع صدقتك ) ).
وفي كتاب القاضي الإمام أبي الحسين بن الفراء عن أنس رضي الله عنه: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إنا نتصدق عن موتانا، ونحج عنهم، وندعو لهم، فهل يصل ذلك إليهم؟ قال: (( نعم ) ). انتهى ملخصًا.
وأما قوله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم:39] ، فقيل: أنها منسوخة بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم} [الطور:21] .
وقيل: أنها خاصة بقوم إبراهيم وموسى، وأما هذه الأمة؛ فلهم ما سعى لهم غيرهم قاله عكرمة، وقيل: المراد بالإنسان الكافر، وقيل: ليس له إلا ما سعى بطريق العدل.
وأما من باب الفضل: فجائز أن يزيده الله تعالى ما يشاء، وقيل: أن معنى ما سعى ما نوى، وقيل: أن اللام في للإنسان بمعنى على، وقيل: غير ذلك.
وفي هذا الحديث دليل على عذاب القبر، وأن التحرز من البول واجب، ويلحق به بقية النجاسات.
وقد أخرجه المؤلف في الطهارة في موضعين، وفي الجنائز والأدب والحج، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه في الطهارة، وكذا النسائي فيه أيضًا، وفي التفسير والجنائز.