فهرس الكتاب

الصفحة 389 من 1465

وبالسند إلى المؤلف قال:

225 - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) نسبة لجده الأعلى لشهرته به وإلا فاسم أبيه محمد بن إبراهيم الكوفي المتوفى سنة تسع وثلاثين ومائتين (قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق (عَنْ حُذَيْفَةَ) ابن اليمان رضي الله عنه (قَالَ: رَأَيْتُنِي) بضم التاء المثناة فوق.

قال العيني: ومعناه: رأيت نفسي وبهذا التقدير يندفع سؤال من يقول كيف جاز أن يكون الفاعل والمفعول عبارة عن شيء واحد، وهذا التركيب جائز في أفعال القلوب؛ لأنه من خصائصها ولا يجوز في غيرها. انتهى.

وأقول: لا حاجة إلى هذا التقدير؛ لأن رأى البصرية يجوز فيها ما جاز في أفعال القلوب.

قال في (( التسهيل ) ): وتختص القلبية المتصرفة، ورأى العلمية والبصرية بجواز كون فاعلها ومفعولها ضميرين متصلين متحدي المعنى. انتهى.

وفي قوله: ولا يجوز في غيرها نظر؛ لأن عدم وفقد يجريان مجراها أيضًا كما هو مصرح به في كتب العربية.

وقول القسطلاني: وجاز كون الفاعل والمفعول واحدًا؛ لأن أفعال القلوب يجوز فيها ذلك يقتضي أن رأى هنا قلبية وليس كذلك كما لا يخفى.

وقوله أنا تأكيد للضمير المرفوع أو المنصوب.

(وَالنَّبِيَّ) بالنصب عطفًا على الضمير المنصوب، ولا تتوقف صحته على التأكيد بالضمير كما توهم العيني، وتبعه القسطلاني.

قال الكرماني: بنصب النبي؛ لأنه عطف على المفعول لا على الفاعل، وعليه الرواية. انتهى.

وقال العيني: يجوز: رفع النبي؛ لصحة المعنى عليه، ولكن إن صحت رواية النصب يقتصر عليها. انتهى.

ولا يخفى ركاكة المعنى على العطف بالرفع.

(صلى الله عليه وسلم) وقوله: (نَتَمَاشَى) جملة فعلية حالية مرتبطة بالضمير فقط لمضارعية فعلها، وصاحب الحال الفاعل والمفعول معًا (فَأَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ خَلْفَ حَائِطٍ) جملة الظرف صفة بعد صفة، أو حال من سباطة؛ لتخصصها بالإضافة، والمراد بالحائط الجدار لا بستان النخيل (فَقَامَ) صلى الله عليه وسلم (كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ، فَبَالَ، فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ) بنون فمثناة فوقية فموحدة فذال معجمة؛ أي: ذهبت ناحية منه (فَأَشَارَ إِلَيَّ) بيده أو برأسه.

قال في (( الفتح ) ): أشار يدل على أنه لم يبعد عنه بحيث لا يراه، وإنما فعل ذلك ليجمع بين المصلحتين عدم مشاهدته في تلك الحالة، وسماع ندائه لو كانت له حاجة، أو رؤية إشارته إذا أشار له، وهو مستدبره وليس فيه دلالة على جواز الكلام في حال البول؛ لأن هذه الرواية بينت أن قوله: في رواية مسلم ادنه كان بالإشارة لا باللفظ. انتهى.

وتعقبه العيني فقال: يرد عليه رواية الطبري من حديث عصمة بن مالك قال: (( خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض سكك المدينة فانتهى إلى سباطة قوم فقال يا حذيفة استرني ) )الحديث.

فهذا صريح على أن إعلامه كان باللفظ، ويمكن أن يجمع بين الراويتين بأنه كان صلى الله عليه وسلم أشار أولًا بيده أو برأسه ثم قال: (( استرني ) ).

وقال هذا القائل أيضًا: وليست فيه دلالة على جواز الكلام حال البول.

قلت: هذا كلام من غير روية إذ إشارته صلى الله عليه وسلم أو قوله: استرني لم يكن إلا قبل شروعه في البول، فكيف يظن من ذلك ما قاله حتى ينفي ذلك؟.

(فَجِئْتُهُ) فقال: (( يا حذيفة استرني ) )كما عند الطبراني من حديث عصمة بن مالك (فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ) بالإفراد، وللأصيلي: بالتثنية (حَتَّى فَرَغَ) .

قال الخطابي:

ج 1 ص 702

المعنى في إدنائه إياه مع استحباب إبعاده في الحاجة إذا أرادها أن يكون سترًا بينه وبين الناس، وذلك أن السباطة إنما تكون في أفنية المحالِّ المسكونة، أو قريبة منها فلا تكاد تلك تخلو عن المار.

وقال ابن بطال: من السنة أن يقرب البائل إذا كان قائمًا هذا إذا أمن أن ترى منه عورته، وأما إذا كان قاعدًا فالسنة البعد منه، وإنما انتبذ حذيفة؛ لئلا يسمع شيئًا مما يجري في الحدث، فلما بال قائمًا وأمن عليه السلام ما خشيه حذيفة أمره بالقرب منه. انتهى.

لكن في قوله: من السنة أن يقرب البائل ... إلخ توقف؛ لأنه قد تقدم أنه إنما فعله صلى الله عليه وسلم لبيان الجواز أو لعذر، وذلك لا يدل على السنية، ويلزم منه أن يكون الإبعاد ممن يبول قائمًا ليس من السنة، فليتأمل.

وقال في (( الفتح ) ): وأسندني حذيفة؛ ليستره من خلفه عن رؤية من لعله يمر به، وكان قدامه مستورًا بالحائط، ولعله فعله لبيان الجواز، ثم هو في البول وهو أخف من الغائط؛ لاحتياجه إلى زيادة تكشف، ولما يقترن به من الرائحة، والغرض من الإبعاد التستر، وهو يحصل بإرخاء الذيل، والدنو من الساتر.

وروى الطبراني من حديث عصمة بن مالك قال: (( خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض سكك المدينة فانتهى إلى سباطة قوم فقال يا حذيفة استرني ) )فذكر الحديث.

وظهر منه الحكمة في إدنائه حذيفة في تلك الحالة، وكان حذيفة لما وقف خلفه عند عقبه استدبره، وظهر أيضًا أن ذلك كان في الحضر لا في السفر، ويستفاد من هذا دفع أشد المفسدتين بأخفهما، والإتيان بأعظم المصلحتين إذا لم يمكنا معًا، وبيانه أنه صلى الله عليه وسلم كان يطيل الجلوس لمصالح الأمة، ويكثر من زيارة أصحابه وعيادتهم، فلما حضره البول وهو في بعض تلك الحالات لم يؤخره حتى يبعد كعادته؛ لما يترتب على تأخيره من الضرر، فراعى أهم الأمرين، وقدم المصلحة في تقريب حذيفة منه؛ ليستره من المارة على مصلحة تأخيره، إذ لم يمكن جمعهما. انتهى.

وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم في الباب السابق: أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد قضاء حاجة الإنسان يتوارى عن أعين الناس بما يستره من جدار ونحوه، وفيه: جواز قرب الإنسان من البائل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت