وبالسند إلى المؤلف رحمه الله تعالى قال:
19 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميم واللام بينهما مهملة ساكنة ابن قعنب أبو عبد الرحمن الحارثي البصري كان مجاب الدعوة، روى عن مالك، والليث بن سعد، ومخرمة بن بكير، وابن أبي ذئب، وسمع من أحاديث شعبة حديثًا واحدًا اتفق على توثيقه وجلالته وأنه ثبت حجة.
وقيل لمالك: أن عبد الله قدم فقال: قوموا بنا إلى خير أهل الأرض، أكثر البخاري ومسلم الرواية عنه، وروى الترمذي والنسائي عن رجل عنه مات في أوائل سنة إحدى وعشرين ومائتين بمكة.
(عَنْ مَالِكٍ) هو ابن أنس إمام دار الهجرة (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ) بفتح الصاد وسكون العين الأولى المهملتين مضاعفتين، واسمه عمرو المازني هو وأبوه المدنيان الأنصاريان مات سنة تسع وثلاثين ومائة.
(عَنْ أَبِيهِ) عبد الله المار آنفًا وليس بصحابي
ج 1 ص 237
كما توهم القسطلاني حيث جعل من لطائف إسناد هذا الحديث أن فيه رواية صحابي عن صحابي، بل هو من أوساط التابعين كما نبه على ذلك في (( التقريب ) )ولم أر من أرخ وفيته.
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سنان الخزرجي الأنصاري (الْخُدْرِيِّ) بضم الخاء المعجمة وإسكان الدال المهملة نسبة إلى خدرة بالضم جده الأعلى.
قال العيني: استصغر يوم أحد فرد وغزا بعد ذلك اثنتي عشرة غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستشهد أبوه يوم أحد، روي له ألف حديث ومائة وسبعون حديثًا اتفقا منها على ستة وأربعين وانفرد البخاري بستة عشر ومسلم باثنين، روى عن جماعة من الصحابة منهم الخلفاء الأربعة، وروى عنه جماعة من الصحابة منهم ابن عمر، وابن عباس، وخلق من التابعين، توفي بالمدينة سنة أربع وستين، وقيل: أربع وسبعين، روى له الجماعة انتهى.
أقول: فعلى ما ذكره من عدد الأحاديث التي رويت له ينبغي أن لا تجري خلاف في عده من المكثرين مع أن في ذلك خلافًا والمكثر من روى له فوق الألف، فالظاهر أن من لم يعده منهم لم يثبت عنده هذا العدد فليتأمل.
ثم رأيت الحافظ صرح في (( الفتح ) ): بأنه من المكثرين ولم يحك خلافًا فليحرر.
زاد أبو ذر (رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُوشِكُ) بضم الياء وكسر الشين أي يقرب، ويقال في ماضيه: أوشك والمضارع أكثر استعمالًا من الماضي خلافًا لمن زعم أنها لا ماضي لها، ويرد هذا الزعم قوله: ولو سئل الناس التراب لأوشكوا إذا قيل هاتوا أن يحلوا ويمنعوا.
وفي (( الصحاح ) ): والعامة تقول يوشك بفتح الشين وهي لغة رديئة انتهى، وهي من أفعال المقاربة ويكثر اقتران خبرها بأن عكس كاد، وجاء لها اسم فاعل في قوله:
~فإنك موشك أن لا تراها وتغدوا دون غاضرة العوادي
وفي قوله: فموشكة أرضنا أن تعود خلاف الأنيس وحوشًا يبايا، وليست تامة التصرف، ومقتضى كلام (( الصحاح ) )أن أصل معنى أوشك أسرع وأن لها مصدرًا فإنه قال: أوشك فلان يوشك إيشاكًا؛ أي: أسرع السير ومنه قولهم: يوشك أن يكون كذا انتهى.
ويوافقه ما في (( شرح الكافية ) )للرضي معنى أوشك في الأصل أسرع، ويستعمل على الأصل فيقال: أوشك فلان في السير انتهى.
(أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ) بالرفع، قال في (( الفتح ) ): خير بالنصب على الخبر وغنم الاسم، وللأصيلي برفع خير ونصب غنمًا على الخبرية، ويجوز رفعهما على الابتداء والخبر ويقدر في يكون ضمير الشأن قاله ابن مالك، لكن لم تجيء به الرواية انتهى. والغنم اسم جنس مؤنث.
قال الجوهري: يقع على الذكور والإناث جميعًا وعلى الذكور منفردة والإناث منفردة وقيد بالغنم لأن هذا النوع من نموه وزيادة أبعد من الشوائب المحرمة كالربا والشبهات المكروهة، وخصت الغنم بذلك لما فيها من السكينة والبركة مع سهولة انقيادها وقد رعاها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
(يَتْبَعُ) بتشديد التاء مضارع اتبع من باب الافتعال ويجوز تسكينها مضارع تبع المجرد وفاعله ضمير عائد إلى المسلم وضمير (بِهَا) للغنم (شَعَفَ الْجِبَالِ) بمعجمة فمهملة مفتوحتين جمع شعفة بالتحريك كأكمة وأكم ويجمع أيضًا على شعوف وشعاف وشعفات، ذكره في (( العباب ) )وشعفة: كل شيء أعلاه وهي رؤوس الجبال بالجيم والباء جمع جبل كجمل وجمال.
قال الزركشي: ويروى شعب بالموحدة بدل الفاء جمع شعبة وهي طرق الجبل، ويروى شعاف وهي أيضًا جمع شعفة كأكام، قاله ابن السيد انتهى.
وفي (( المصابيح ) ): واختلف رواة (( الموطأ ) )فالمشهور من روايتهم شعف كما في البخاري وروي عن يحيى شعب بالباء ومنهم من ضبطه بضم الشين وفتح العين جمع شعبة وهي ما انفرج بين الجبلين، قال القاضي: وعند ابن المرابط بفتح الشين وهو وهم، وعند الطرابلسي سعف بالسين المهملة المفتوحة قال: وهو بعيد وإنما هو جرائد النخل وكلام الزركشي يؤذن بأن بعض رواة البخاري رواه شعب الجبال جمع شعبة، والقاضي إنما حكى الاختلاف فيه بين رواة (( الموطأ ) )انتهى.
(وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ) بالنصب عطف على شعف جمع موقع بكسر القاف وهو موضع نزول المطر.
وقال ابن الكمال: مواقع القطر الأراضي الممطورة ولا اختصاص لها بالأودية والصحاري، والعطف على شعف الجبال من قبيل عطف أحد الوصفين على الآخر يعني يتبع مكانه بجمع هذين الوصفين الأول لأمر دينه، والثاني لأمر دنياه، فمن توهم أن المراد من مواقع القطر الأودية والصحارى فقد وهم انتهى.
وهو تعريض بالكرماني، وقيد الاتباع بما تقدم لأنها خالية من ازدحام الناس غالبًا فلا يقع فيها مقاولات ولا منازعات تؤدي إلى التخاصم والكدورات فيسلم له دينه.
وقال في (( الفتح ) ): خصها بالذكر لأنهما مظان المرعى، وفي قوله (يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ) إشعار كما قاله الكرماني بأن هذا الاتباع ينبغي أن يكون استعصامًا للدين لا لأمر دنيوي كطلب كثرة العلف، وقلة أطماع الناس فيه، ولما كان فيه الجمع بين الرفق والربح وصيانة الدين كان خير الأموال التي يعتني بها المسلم.
وفيه إخبار بأنه يكون في آخر الزمان فساد وفتن بين الناس وهو يكاد أن يكون من المعجزات انتهى.
أقول: في قوله: يكاد أن يكون من المعجزات تساهل لعدم الجزم بذلك والأولى قول العيني، وهذا من جملة معجزاته عليه السلام، ولذا قال ابن المنير: وجه الآية فيه ظهور الصدق على ما شاهده الناس بعده ولا يزيد صدق هذا الحديث إلا وضوحًا انتهى.
وجملة: (( يفر بدينه ) )قال العيني تبعًا للكرماني: في محل النصب على الحال إما من الضمير في يتبع أو من المسلم، ويجوز وقوع الحال من المضاف إليه نحو قوله تعالى: {اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النحل:123] .
فإن قلت: إنما يقع الحال
ج 1 ص 238
من المضاف إليه إذا كان المضاف جزءًا من المضاف إليه، أو في حكمه كما في رأيت وجه هند قائمة فإنه يجوز، ولا يجوز قولك: رأيت غلام هند قائمة، والمال ليس بجزء من المسلم.
قلت: المال لشدة ملابسته لذي المال كأنه جزء منه، وكذلك الملة ليست بجزء لإبراهيم حقيقة وإنما هي بمنزلة الجزء منه، ويجوز أن تكون هذه الجملة استئنافية وهي في الحقيقة جواب سؤال مقدر ويقدر ذلك بحسب ما يقتضيه المقام انتهى.
وتعقب ذلك ابن كمال باشا فقال: وذو الحال هو الضمير المستتر في يتبع، ولا يجوز أن يكون هو المسلم؛ لأنه المضاف إليه، وشرط جواز مجيء الحال من المضاف إليه وهو أن يكون المضاف كبعض من المضاف إليه في صحة حذفه والاستغناء عنه بالمضاف إليه كما في قوله تعالى: {بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [البقرة:135] فحنيفًا حال من إبراهيم وهو مخفوض بإضافة الملة إليه وليست الملة بعضه ولكنها كبعضه في صحة الإسقاط والاستغناء به عنها.
ألا ترى أنه لو قيل بل اتبع إبراهيم حنيفًا صح كما أنه لو قيل: أيحب أحدكم أن يأكل أخاه ميتًا كان صحيحًا مفقودها هنا إذ لا يصح أن يقال خير المسلم غنم انتهى.
والباء في بدينه للسببية؛ أي: بسبب دينه ومن ابتدائية، وفي (( الفتح ) ): قال الشيخ النووي في الاستدلال بهذا الحديث للترجمة نظر؛ لأنه لا يلزم من لفظ الحديث عد الفرار دينًا، وإنما هو صيانة للدين قال: فلعله لما رآه صيانة للدين أطلق عليه اسم الدين، وقال غيره: إن أريد أي في قوله من الدين في الترجمة بمن كونها جنسية أو تبعيضية فالنظر يتجه وإن أريد كونها ابتدائية؛ أي: الفرار من الفتنة منشأه الدين فلا يتجه النظر.
وزيف ذلك ابن كمال باشا فقال متعقبًا للكرماني: ومن توهم أن من ابتدائية والباقي قوله: يفر بدينه للسببية، وبنى عليه دفع النظر للمذكور قائلًا لا نظر إذ كلمة من ابتدائية؛ أي: الفرار من الفتن منشؤه الدين، والحديث يدل عليه لأن الباء للسببية ثم التقريب ظاهر فقد وهم، إذ ليس معنى قوله عليه السلام: (( يفر بدينه ) )يهرب من الفتن بسبب دينه بل معناه يهرِّب دينه من الفتن صونًا له انتهى. يعني أن الباء في بدينه للإلصاق المجازي فليتأمل.
وهذا الحديث قد ساقه المصنف أيضًا في كتاب الفتن وهو أليق المواضع به، والكلام عليه يستوفى هناك إن شاء الله تعالى انتهى.
والفتن جمع فتنة وأصلها الاختبار يقال: فتنت الفضة على النار؛ أي: اختبرتها من كونها خالصة أو مغشوشة، ثم استعملت في المكروه عاقبته للمحذور ارتكابه كالكفر في قوله تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة:217] وكالإثم في قوله تعالى: {أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ} [التوبة:49] وكالإحراق في قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [البروج:10] .
والمراد هنا فساد ذات البين وغيرها.
قال الكرماني: فإن قلت: كيف يجمع بين مقتضى هذا الحديث من اختيار العزلة وبين ما ندب إليه الشارع من اختلاط أهل المحلة لإقامة الجماعة، وأهل البلدة للجمعة، وأهل السواد مع أهل البلدة للعيد، وأهل الآفاق للوقوف بعرفة، وفي الجملة اهتمام الشارع بالاجتماع معلوم، ولهذا قال الفقهاء يجوز نقل اللقيط من البادية إلى القرية ومن القرية إلى البلد لا عكسها، ولا شك أن الإنسان مدني بالطبع محتاج إلى السواد الأعظم، وكمال إنسانيته لا يحصل إلا بالتمدن؟
قلت: ذلك عند عدم الفتنة وعدم وقوعه في المعاصي، وعند الاجتماع بالجلساء وأما اتباع فصل الشعف والمفاطر وطلب الخلوة والانقطاع إنما هو في أضداد الحالات.
وقال النووي: في الحديث فوائد منها العزلة في أيام الفتن إلا أن يكون الإنسان ممن له قدرة على إزالة الفتنة فإنه يجب عليه السعي في إزالتها إما فرض عين وإما فرض كفاية بحسب الحال والإمكان، وأما في غير أيام الفتنة فاختلف العلماء في العزلة والاختلاط أيهما أفضل مذهب الشافعي والأكثرين تفضيل الخلطة لما فيها من اكتساب الفضائل، وشهود شعائر الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتكثير سواد المسلمين، وإيصال الخير إليهم ولو بعيادة المرضى، وتشييع الجنائز، وإفشاء السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى، وإعانة المحتاج وحضور جماعاتهم وكل شيء مما يقدر عليه كل أحد فإن كان صاحب علم أو زهد تأكد فضل اختلاطه، وذهب آخرون إلى تفضيل العزلة لما فيها من السلامة المحققة لكن بشرط أن يكون عالمًا بوظائف العبادة التي تلزمه وما تكلف به قال: والمختار تفضيل الخلطة لمن لا يغلب على ظنه الوقوع في المعاصي.
وأقول: فالمختار في عصرنا تفضيل الانعزال لندور غلو المحافل عن المعاصي والله أعلم انتهى.
وتعقبه ابن كمال باشا فقال: ولا يلزم من ذلك أن يكون المختار في عصرنا تفضيل العزلة مطلقًا كما توهم، والتعليل بقلة خلو المحافل عن المعاصي غير تام كما لا يخفى انتهى.