وبالسند إلى المؤلف رحمه الله تعالى قال:
20 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ) بتخفيف اللام وتشديدها في اليونينية وفرعها وألف المنذري في ترجيح التشديد جزأً لطيفًا، لكن التخفيف هو الصحيح، قاله في (( الفتح ) ).
قال العيني: وبه قطع الجمهور كالخطيب وابن ماكولا، وقول صاحب (( المطالع ) ): أن التشديد عليه الأكثر، حمله النووي على أكثر مشايخ بلده وإلا فأكثر العلماء على أنه بالتخفيف، قال: وقد روي عنه ذلك نفسه وهو أخبر بأبيه يشير بذلك إلى ما رواه سهل بن المتوكل عنه أنه قال: أنا محمد بن سلام بالتخفيف، وكنيته أبو عبد الله بن الفرج السلمي البخاري، زاد في رواية كريمة مما ليس في الفرع كأصله: (( البيكندي ) )بموحدة مكسورة ثم مثناة تحتية ساكنة ثم كاف مفتوحة ثم نون ساكنة نسبة إلى بلدة على مرحلة من بخارى، وضبطه الزركشي بفتح الباء الموحدة ويقال: الباكندي والفاكندي بالفاء أيضًا، مات سنة خمس وعشرين ومائتين عن خمس وتسعين سنة، كما في (( التقريب ) ).
(قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأصيلي: (عَبْدَةُ) بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة قيل: إنه لقب واسمه عبد الرحمن بن سليمان الكلابي الكوفي، مات بها سنة سبع أو ثمان وثمانين ومائة.
(عَنْ هِشَامٍ) ابن عروة (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين خالته (رضي الله عنها) أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذا أَمَرَهُمْ) أي: الناس بعمل (أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا) وفي رواية الوقت: (يُطِيقُونَ) الدوام عليه، فإن خير العمل ما داوم عليه صاحبه وإن قل، ولا يخفى أن الكثرة تؤدي إلى القطع والقاطع في صورة ناقض العهد، لا يقال فيه اتحاد الشرط والجزاء لأنا نقول أمرهم الأول مطلق والثاني مقيد فلا اتحاد.
قال في (( الفتح ) ): معظم الروايات جاء بتكرير من أمرهم، وفي بعضها أمرهم مرة واحدة، وعليها شرح القاضي أبو بكر ابن العربي
ج 1 ص 241
وهو الذي وقع في طرق هذا الحديث التي وقفنا عليها من طريق عبدة، وكذا من طريق ابن نمير وغيره عن هشام، عند أحمد وكذا ذكره الإسماعيلي من رواية أبي أسامة عن هشام ولفظه: (( كان إذا أمر الناس بالشيء قالوا ) )والمعنى كان إذا أمرهم بما يسهل عليهم دون ما يشق خشية أن يعجزوا عن الدوام عليه، وعمل هو بنظير ما يأمرهم به من التخفيف طلبوا منه التكليف بما يشق لاعتقادهم احتياجهم إلى المبالغة في العمل لرفع الدرجات دونه فيقولون: لسنا كهيئتك فيغضب من جهة أن حصول الدرجات لا يوجب التقصير في العمل، بل يوجب الازدياد شكرًا للمنعم الوهاب كما قال في الحديث الآخر: (( أفلا أكون عبدًا شكورًا ) ).
وإنما أمرهم بما يسهل عليهم ليداوموا عليه كما قال في الحديث الآخر: (( أحب العمل إلى الله أدومه ) ).
وعلى مقتضى ما وقع في هذه الرواية من تكرير أمرهم يكون المعنى كان إذا أمرهم بعمل من الأعمال أمرهم بما يطيقون الدوام عليه، فأمرهم الثانية جواب الشرط وقالوا جواب فإن انتهى.
(قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ) وقال الكرماني: الهيئة الحالة والصورة، وليس المراد في التشبيه دوامهم بحالته صلى الله عليه وسلم، فلابد من تأويل في أحد الطرفين فقيل: المراد من كهيئتك كمثلك؛ أي: كذاتك أو كنفسك، وزيد لفظة الهيئة للتأكيد نحو مثلك لا يبخل أو من لسنا؛ أي ليس حالنا فحذف الحال وأقيم المضاف إليه مقامه فاتصل الفعل بالضمير فقيل لسنا، وأرادوا بهذا الكلام طلب الإذن في الزيادة من العبادة والرغبة في الخير يقولون: أنت مغفور لك لا تحتاج إلى عمل، ومع هذا أنت مواظب على الأعمال فكيف بنا وذنوبنا كثيرة، فرد عليهم وقال: أنا أولى بالعمل لأني أعلمكم وأخشاكم انتهى.
وجنح ابن كمال باشا إلى نكتة أخرى في مخالفة الظاهر في التعبير فقال: وكان حق المقام أن يقال: ليست ذاتنا كذاتك، أو ليست هيئتنا كهيئتك، إلا أنهم وضعوا أنفسهم عن حد المقابلة مع نفسه الشريفة صراحة وضمنًا فجاء في طرف المشبه بأنفسهم، وفي طرف المشبه به بهيئته عليه الصلاة والسلام، ولم يبالوا بما في ظاهره من الفساد لوضوح المراد ولدقة هذا المعنى لم يتنبهوا له فقالوا: المراد من كهيئتك كمثلك إلى آخر ما ذكره الكرماني ثم قال: ومرادهم بهذا الكلام طلب الأمر بالزيادة في العبادة والرغبة في الخير ومن قال: أرادوا بهذا الكلام طلب الإذن في الزيادة من العبادة فقد أخطأ؛ لأنهم لم يكونوا ممنوعين عن النوافل حتى يطلبوا الإذن فيها، وإنما طلبوا الأمر بالزيادة لما علموا أن في الفرائض والواجبات من الفضيلة ما ليس في النوافل يقولون: أنت مغفور لك لا تحتاج إلى عمل ومع هذا مواظب على الأعمال فكيف بنا وذنوبنا كثيرة فرد عليهم وقال: أنا أولى بالعمل لأني أعلمكم وأخشاكم انتهى.
أقول: فيه نظر إذ يبعد من الصحابة رضي الله عنهم أن يطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم الزيادة في الفرائض أو الوجبات بعد تقررهما، وانفرادهم عنه بتلك الزيادة كأن يطلبوا أن تكون المكتوبات عليهم عشرًا والصيام شهرين مثلًا دونه على أنه بعيد عنه.
ظاهر قول عائشة رضي الله عنها: كان إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يطيقون فإنه يصير معناه على ما ذهب إليه إذا فرض عليهم فرض عليهم ما يطيقون، أو أوجب عليهم ما يطيقون ولا ريب أن عائشة رضي الله عنها متأخرة الرواية وكانت إذ ذاك الفرائض متقررة، وأي مانع من طلبهم منه صلى الله عليه وسلم الإذن في الزيادة على ما كان صلى الله عليه وسلم يتقرب به من النوافل فربما توهموا أن الزيادة عليه ممنوعة للأوامر المطلقة في اتباعه كقوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ} [آل عمران:31] .
ولقوله صلى الله عليه وسلم: (( إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق فإن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى ) )ويدل لذلك غضبه صلى الله عليه وسلم لما سألوه ذلك فليتأمل.
(يَا رَسُولَ اللَّهِ) الظاهر أنه مرتبط بما قبله، ويحتمل الارتباط بما بعده وبهما (إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) اقتباس من قوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح:2] .
قال الكرماني: فإن قلت: الأنبياء معصومون عن الكبائر مطلقًا، وعن الصغائر عمدًا على الأصح، وأما الصغائر السهوية فلا مؤاخذة بها على مكلف أصلًا فما ذنبه الذي غفر له؟
قلت: الذنب الذي قبل النبوة المتقدم بعضه على بعض، أو ترك الأولى، أو نسب إليه ذنب قومه انتهى.
قال البرماوي: وكلها ضعيفة، والصواب أن معنى الغفران للأنبياء عليهم الصلاة والسلام الإحالة بينهم وبين الذنوب فلا يصدر منهم ذنب؛ لأن الغفر الستر فالستر إما بين العبد والذنب، أو بين الذنب وعقوبته، فاللائق بالأنبياء عليهم
ج 1 ص 242
الصلاة والسلام الأول وبالأمم والثاني انتهى.
وفي (( الشفاء ) )للقاضي عياض: قد اختلف في معنى الآية المفسرون فقيل: المراد ما كان قبل النبوة وبعدها، وقيل: المراد ما وقع لك من ذنب وما لم يقع أعلمه أنه مغفور له، وقيل: ما كان قبل النبوة والمتأخر عصمتك بعدها، حكاه أحمد بن نصر.
وقيل: المراد بذلك أمته عليه الصلاة والسلام، وقيل: المراد ما كان عن سهو وغفلة وتأويل حكاه الطبري واختاره القشيري، وقيل: ما تقدم لأبيك آدم وما تأخر من ذنوب أمتك، حكاه السمرقندي والسلمي عن ابن عطاء.
قال مكي: مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم هاهنا هي مخاطبة لأمته، وقيل: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر أن يقول: (( وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ) )سر بذلك الكفار فأنزل الله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح:2] الآية وبمآل المؤمنين في الآية الأخرى بعدها، قاله ابن عباس فمقصد الآية أنك مغفور لك غير مؤاخذ بذنب إن لو كان، وقال بعضهم: المغفرة هاهنا تبرئة من العيوب انتهى.
ولا يخفى عليك أن أحسن الأجوبة وأليقها بجنابه صلى الله عليه وسلم ما أجاب به البرماوي وهي مسألة كثيرة الاختلاف طويلة الذيل، ومحل بسطها كتب الكلام.
(فَغضب حَتَّى عرفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ) بالماضي فيهما على ما في أكثر النسخ، وفي بعضها: (( فيغضب حتى يعرف الغضب ) )بالمضارع فيهما استحضارًا للصورة الواقعة كقوله تعالى: {اللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا} [فاطر:9] لاستحضار تلك الصورة العجيبة ومعرفة الغضب في الوجه بظهور آثاره من احمرار وانتفاخ أوداج ونحو ذلك.
(ثُمَّ يَقُولُ) بلفظ المضارع في جميع الروايات.
قال الكرماني: حتى يعرف بالنصب هو الرواية، ويجوز فيه الرفع وثم يقول أيضًا: جاز فيه النصب والرفع، ولو عطف على فيغضب يتعين فيه الرفع انتهى.
وتعقبه ابن كمال باشا فقال: ولا يجوز أن تكون حتى عاطفة؛ لأنها لا تعطف الجمل.
قال ابن هشام: الفرق الثاني يعني بين حتى العاطفة والواو أنها لا تعطف الجمل، وذلك لأن شرط معطوفها أن تكون جزءًا لما قبلها، أو كجزء ولا يتأتى ذلك إلا في المفردات هذا هو الصحيح انتهى.
فمن قال: ولو عطف على فيغضب يتعين فيه الرفع فقد أخطأ انتهى.
وأقول: المخطئ مُخِطئٌ؛ لأن كلام الكرماني في ثم يقول: لا في حتى يعرف ليرد عليه ما ذكره فليتأمل لكن في تجويز الكرماني الرفع والنصب في يقول عطفًا على يعرف توقف؛ لأن يعرف غاية ليغضب وجزالة لفظ الحديث يأبى أن يكون يقول غاية ليغضب كما يعلم بالتأمل، فالوجه يعين عطفه على يغضب فليتأمل.
بقي هنا شيء وهو أن الكرماني كالعيني وابن الكمال لم يتعرضوا لإعراب، ثم يقول على ما في أكثر النسخ وهو فغضب حتى عرف الغضب في وجهه، والظاهر أن الرفع فيه متعين سواء عطف على غضب أو عرف؛ لأن حتى الداخلة على عرف ابتدائية كما في قوله تعالى: {حَتَّى عَفَواْ} [الأعراف:95] .
لا جارة وإن بعدها مقدرة ليصح عطف ثم يقول على محل مدخولها بالنصب فليحرر فإني لم أر من تعرض لذلك من الشراح.
(إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا) ووقع عند أبي نعيم: (( لأنا ) )بزيادة لام التأكيد، وفي رواية أبي أسامة عند الإسماعيلي: (( والله إن أبركم وأتقاكم أنا ) )أخبر صلى الله عليه وسلم بالواقع لداعي نهي أصحابه عن الاستزادة لا للتفاخر.
قال في (( الفتح ) ): ويستفاد منه إقامة الضمير المنفصل مقام المتصل وهو ممنوع عند أكثر النحاة إلا للضرورة، وأولوا قول الشاعر:
~وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
بأن الاستثناء فيه مقدر أي وما يدافع عن أحسابهم إلا أنا.
قال بعض الشراح: والذي وقع لي في هذا الحديث يشهد للجواز بلا ضرورة انتهى.
وأقول: من أماكن وجوب فصل الضمير وقوعه خبرًا لأن كما هو مقتضى كلام الدماميني فإنه قال: في قول ابن مالك في (( التسهيل ) )فيما يجب فيه فصل الضمير أو ولي اللام الفارقة، وقد يتخيل أن المصنف لو قال لام الابتداء لكان أحسن لشموله لنحو إن الكريم لأنت، وليس كذلك لوجهين:
أحدهما: أن اللام الفارقة ليست لام الابتداء عند أبي علي الفارسي وأبي الفتح بن جني وجماعة فلا يكون التعبير بلام الابتداء شاملًا لها على هذا الرأي، وسيأتي في ذلك كلام، والفاء في أن الفصل في نحو إن الكريم لأنت ليس من جهة اللام لحصوله قبلها، بل من جهة كونه خبرًا لأن انتهى.
وهذا صريح في أن المقتضى لفصل الضمير وقوعه خبرًا سواء اقترن باللام أم لم يقترن.
قال ابن كمال باشا: وفي قوله: أتقاكم إشارة إلى كمال القوة العملية، وأعلمكم إلى كمال القوة العلمية والتقوى على ثلاث مراتب وقاية النفس عن الكفر وهو للعامة، وعن المعاصي وهو للخاصة، وعما سوى الله وهو لخواص الخواص، والعلم بالله يتناول ما بصفاته وهو المسمى بأصول الدين، وما بأحكامه وهو فروع الدين، وما بكلامه وهو علم القرآن وما يتعلق به، وما بأفعاله وهو معرفة حقائق أشياء العالم، ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جامعًا لأنواع التقوى حاويًا لأقسام العلوم ما خصص التقوى ولا العلم وأطلق وهذا قريب مما قال علماء المعاني قد يقصد بالحذف إفادة
ج 1 ص 243
العموم والاستغراق، ويعلم منه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أنه أفضل من كل أحد وأكمل وأكرم عند الله؛ لأن كمال الإنسان منحصر في الحكمتين العلمية والعملية، وهو الذي بلغ الدرجة العليا والمرتبة القصوى منهما يجوز أن يكون أفضل وأكرم وأكمل من الجميع معًا أيضًا حيث قال: (( أتقاكم وأعلمكم خطابًا للجميع ) )انتهى.
وتعقبه ابن كمال باشا فقال: وعلم من الحديث المذكور أنه عليه الصلاة والسلام أكمل من كل واحد منهم من جهة العلم والعمل، وأما أنه عليه السلام أكمل من المجموع من حيث أنه مجموع، فلا دلالة في الحديث عليه كما لا دلالة في قولنا زيد أفضل القوم على أنه أفضل من مجموع القوم من حيث أنه مجموع انتهى فتأمله.
وفي (( المصابيح ) ): فإن قلت: السياق يقتضي تفضيله على المخاطبين فيما ذكر وليس هو منهم قطعًا فقد [1] شرط استعمال أفعل التفضيل مضافًا.
قلت: إنما قصد التفضيل على كل من سواه مطلقًا لا على المضاف إليه وحده، والإضافة لمجرد التوضيح فما ذكرته من الشرط هنا لاغ إذ يجوز في هذا المعنى أن تضيفه إلى جماعة من جنسه ليس داخلًا فيهم نحو يوسف أحسن إخوته وأن تضيفه إلى غير جماعة نحو فلان أعلم بغداد؛ أي: أعلم ممن سواه وهو مختص ببغداد؛ لأنها مسكنه أو منشؤه انتهى.
قال الكرماني: فإن قلت: لا تعلق للحديث بالجزء الثاني من الترجمة، وهي أن المعرفة فعل القلب، ولا دلالة له عليه لا دلالة وضعية ولا عقلية.
قلت: يمكن أن يوجه وإن كان احتمالًا بعيدًا بأنه يدل عليه بحسب السياق لتجاذب طرفي الكلامين؛ أي: لما أرادوا أن يزيدوا أعمالهم على عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: (( لا يتهيأ لكم ذلك لأني أعلمكم ) )، والعلم من جملة الأفعال بل من أشرفها؛ لأنه عمل القلب، وأن يقال بأن غرضه أن يبين الشق الأول من الترجمة بالحديث والثاني بالقرآن، وهاهنا ننبهك على قاعدة كلية فاعلمها، وذلك أن البخاري كثيرًا ما يترجم الأبواب ولا يذكر في ذلك الباب حديثًا أصلًا أو لا يثبت ما ترجم عليه.
فقال بعض شيوخنا من حفاظ الشام: سببه أن البخاري بوب الأبواب وترجم التراجم أولًا، ثم كان بعده يذكر في كل باب الأحاديث المناسبة له بالتدريج فلم يتفق له إثبات الحديث لبعض التراجم حتى انتقل إلى دار الآخرة.
وقال بعض العراقيين: عمل ذلك اختيارًا وغرضه أن يبين أنه لم يثبت عنده بشرطه حديث في المعنى الذي ترجم له والله أعلم، فيحتمل أن تكون هذه الترجمة منها انتهى.
وتعقبه ابن كمال باشا بما فيه تعسف وتكلف فرأيت تركه أولى.
تنبيه: يستنبط من الحديث فوائد نبه عليها النووي وغيره كالحافظ والكرماني والعيني:
الأولى: أن الأعمال الصالحة ترقي صاحبها إلى المراتب السنية من رفع الدرجات ومحو السيئات؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليهم استدلالهم ولا تعليلهم من هذه الجهة بل من جهة أخرى.
الثانية: أن العبد إذا بلغ الغاية في العبادة وثمراتها كان ذلك أدعى له إلى المواظبة عليها استدامة للنعمة واستزادة لها بالشكر عليها.
الثالثة: الوقوف عند ما حد الشارع من عزيمة أو رخصة.
الرابعة: اعتقاد أن الأخذ بالأرفق الموافق للشرع أولى من الأشق المخالف له.
الخامسة: أن الأولى في العبادة القصد والملازمة لا المبالغة المفضية إلى الترك كما جاء في الحديث الآخر: (( المنبت _ أي: المجد في السير _ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى ) ).
السادسة: التنبيه على شدة رغبة الصحابة رضي الله عنهم في العبادة وطلبهم الازدياد من الخير.
السابعة: مشروعية الغضب عند مخالفة الأمر الشرعي.
الثامنة: الإنكار على الحاذق المتأهل لفهم المعنى إذا قصر في الفهم تحريضًا له على التيقظ.
التاسعة: جواز تحدث المرء بما فيه من فضل وكمال بحسب الحاجة لذلك عند الأمن من المباهات والافتخار والتعاظم والإعجاب بالنفس.
العاشرة: أنه ينبغي أن يحرص على كتمانها فإنها يخاف من إشاعتها زوالها ذكرها الكرماني، وتعقبه ابن كمال باشا فقال: ولا يخفى عليك أن الحرص على الكتمان مما لا دلالة عليه في الحديث المذكور أصلًا انتهى.
الحادية عشر: بيان أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم رتبة الكمال الإنساني؛ لأنه منحصر في الحكمتين العلمية والعملية، وقد أشار إلى الأولى بقوله: أعلمكم، وإلى الثانية بقوله: أتقاكم.
الثانية عشر: انفرد الحكم في حال الغضب والتغير.
الثالثة عشر: فيه دليل على رفق النبي صلى الله عليه وسلم بأمته.
الرابعة عشر: فيه دليل على أن الدين يسر، وأن الملة حنيفية سمحة، وهذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم.
قال في (( الفتح ) ): وهو من غرائب الصحيح لا أعرفه إلا من هذا الوجه فهو مشهور عن هشام فرد مطلق من حديثه عن
ج 1 ص 244
أبيه عن عائشة رضي الله عنها والله أعلم انتهى.
ورواته كلهم أجلاء ما بين بخاري وكوفي ومدني وفيه الإخبار والتحديث والعنعنة.
[1] (( فقد ) ): مكررة في المخطوط.