246 - (وَقَالَ عَفَّانُ) : بفتح العين المهملة وتشديد الفاء وبالنون بعد الألف، ويجوز فيه الصرف وعدمه بناء على أنه مأخوذ من العفن أو من العفة كحسان من الحسن أو من الحس. وهو ابن مسلم الصفار البصري الأنصاري، زاهد ثقة، سئل عن القرآن زمن المحنة فأبى أن يقول: القرآن مخلوق. وكان من حكام الجرح والتعديل جعل له عشرة آلاف دينار على أن يقف عن تعديل رجل ولا يقول: عدل، أو غير عدل قالوا له: قف فيه، ولا تقل فيه شيئًا فقال: لا أبطل حقًا من الحقوق، ولم يأخذها. مات ببغداد سنة عشرين ومائتين.
قال العيني: أخرج البخاري هذا الحديث بلا رواية، ولكن وصله غيره منهم: أبو عوانة في (( صحيحه ) )عن محمد بن إسحاق الصغاني وغيره عن عفان، وأخرجه أيضًا أبو نعيم الأصبهاني عن أبي أحمد، ثنا موسى بن العباس الجويني، ثنا محمد بن يحيى، ثنا عفان. وحدثنا أبو إسحاق، ثنا عبد الله بن قحطبة، ثنا نصر بن علي، ثنا أبي قالا: ثنا صخر بن جويرية.
وقال مسلم في (( صحيحه ) ): حدثنا نصر بن علي عن أبيه عن صخر، والإسماعيلي من طريق وهب بن جرير وسعيد بن حرب قالا: حدثنا صخر بن جويرية، فذكره. انتهى.
وقال في (( الفتح ) ): قال الإسماعيلي: أخرجه البخاري بلا رواية.
قلت: وصله أبو عوانة في (( صحيحه ) )عن محمد بن إسحاق والصغاني وغيره عن عفان، وكذا أخرجه أبو نعيم والبيهقي من طريقه. انتهى.
وأقول: لا يظهر من كلام صاحب (( الفتح ) )جواب عن قول الإسماعيلي؛ لأن وصل غير البخاري لا يكون وصلًا له. نعم لو أثبت أن البخاري أخذ هنا عن عفان بلا واسطة؛ لكان جوابًا عن قول الإسماعيلي، كما قال في المقدمة: عفان بن مسلم الصفار من كبار الثقات الأثبات، لقيه البخاري، وروى عنه شيئًا يسيرًا، وحدث عن جماعة من أصحابه عنه، فيجوز أن يكون ما هنا من ذلك اليسير، فليتأمل
(حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ) : تصغير جارية _ بالجيم _ البصري أبو نافع التميمي الثقة (عَنْ نَافِعٍ) : مولى ابن عمر القرشي العدوي (عَنِ) : عبد الله (ابْنِ عُمَرَ) : رضي الله عنه
(أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: أَرَانِي) : قال في (( الفتح ) ): هو بفتح الهمزة من الرؤية ووهم من ضمها. وفي رواية المستملي:: بتقديم الراء، والأول أشهر. ولمسلم من طريق علي بن نصر الجهضمي عن صخر: (( أراني في المنام ) )، وللإسماعيلي: (( رأيت في المنام ) ): فعلى هذا فهو من الرؤيا. انتهى.
وتعقب العيني قوله: ووهم من ضمها فقال: ليس بوهم والعبارتان مستعملتان. انتهى.
وأقول: يمكن الجواب بأن الوهم من حيث الرواية لا من حيث الدارية.
وقوله: (أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ) : جملة في محل النصب على المفعولية لـ (( أراني ) ).
قال العيني: أي: أرى نفسي، فالفاعل والمفعول عبارتان عن معنى واحد، وهذا من خصائص أفعال القلوب
(فَجَاءَنِي رَجُلاَنِ) : أي: ملكان على صورة رجلين وهذا على كون (( أراني ) )مناميه فقد قال التيمي: (( أراني ) ): أي: أرى نفسي في المنام.
وقال في (( المنحة ) ): وعلى فتح همزة (( أَراني ) )وضمها هو إخبار عما رآه في النوم
(أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ) : سنًا (فَنَاوَلْتُ) : أي: أعطيت (السِّوَاكَ الأَصْغَرَ مِنْهُمَا) : الجار والمجرور حال من (( الأصغر ) )، فهو مستقر لا لغو متعلق بالأصغر كما توهم، فلا يرد حينئذ أن فيه جمعًا بين الألف واللام ومن التفضيلية كما في قوله:
~ولست بالأكثر منهم حصى
فيحتاج إلى ما أجيب به عنه. وأيضًا: فلو كانت من هنا هي التفضيلية لزم أن يكون قد أعطى السواك لثالث هو أصغر منهما، وليس الواقع كذلك بل الواقع أنه أعطى السواك لأحدهما وهو الأصغر
(فَقِيلَ لِي) : القائل له ذلك هو جبريل كما سيأتي في رواية ابن المبارك (كَبِّرْ) : أي: قدم الأكبر في السن (فَدَفَعْتُهُ) : أي: السواك (للأَكْبَرِ مِنْهُمَا) : فيه ما تقدم في (( الأصغر ) )
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) : أي: البخاري (اخْتَصَرَهُ) : أي: الحديث.
قال الكرماني: معنى الاختصار هاهنا: أنه ذكر محصل الحديث وحذف بعض مقدماته
(نُعَيْمٌ) : مصغرًا هو ابن حماد المروزي الخزاعي الأعور ساكن مصر.
قال الإمام أحمد: لقد كان من الثقات، كنا نسميه الفارض، كان من أعلم الناس بالفرائض. وسئل عن القرآن فلم يجب بما أرادوه منه فحبس بسرمراء حتى مات في السجن زمن خلافة أبي إسحاق المعتصم بن هارون الرشيد سنة ثمان وعشرين ومائتين
(عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ أُسَامَةَ) : بضم الهمزة ابن زيد الليثي _ بالمثلثة _ المدني.
قال الكرماني: وقد تكلم فيه، ولهذا ذكره البخاري استشهادًا. توفي سنة ثلاث وخمسين ومائة.
قال في (( الفتح ) ): ورواية نعيم هذه وصلها الطبراني في (( الأوسط ) )عن بكر بن سهل عنه بلفظ: (( أمرني جبريل أن أكبر ) )، ورويناها في (( الغيلانيات ) )من رواية أبي بكر الشافعي عن عمر بن موسى عن نعيم بلفظ: (( أن أقدم الأكابر ) )، وقد رواه جماعة من أصحاب ابن المبارك عنه بغير اختصار، أخرجه أحمد والإسماعيلي والبيهقي عنهم بلفظ: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستن فأعطاه أكبر القوم ثم قال: (( إن جبريل أمرني أن أكبر ) ).
وهذا يقتضي أن تكون القصة وقعت في اليقظة ويجمع بينه وبين رواية صخر: أن ذلك لما وقع في اليقظة أخبرهم صلى الله عليه وسلم بما رآه في النوم تنبيهًا على أن أمره بذلك بوحي متقدم، فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ بعض.
ج 1 ص 740
ويشهد لرواية ابن المبارك ما رواه أبو داود بإسناد حسن عن عائشة رضي الله عنها قالت: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستن وعنده رجلان، فأوحي إليه: أن أعط السواك الأكبر ) ).
قال ابن بطال: فيه تقديم ذي السن في السواك، ويلتحق به الطعام والشراب والمشي والكلام.
وقال المهلب: هذا ما لم يترتب القوم في الجلوس، فإذا ترتبوا فالسنة حينئذ تقديم الأيمن وهو صحيح، وسيأتي الحديث فيه في الأشربة.
وفيه: أن استعمال سواك الغير ليس بمكروه، إلا أن المستحب أن يغسله ثم يستعمله. وفيه: حديث عن عائشة في (( سنن أبي داود ) )قال: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني السواك لأغسله ) )، فأبدأ به فأستاك، ثم أغسله ثم أدفعه إليه. وهذا دال على عظيم أدبها وكبير فطنتها؛ لأنها لم تغسله ابتداء حتى لا يفوتها الاستشفاء بريقه صلى الله عليه وسلم، ثم غسلته تأدبًا وامتثالًا. ويحتمل أن يكون المراد بأمرها بغسله: تطييبه وتليينه بالماء قبل أن يستعمله. انتهى.