وبه قال:
250 - (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) : بكسر الهمزة وتخفيف التحتية (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) : محمد بن عبد الرحمن القرشي (عَنِ الزُّهْرِيِّ) : محمد بن مسلم (عَنْ عُرْوَةَ) : ابن الزبير بن العوام (عَنْ عَائِشَةَ) : رضي الله عنها.
قال في (( الفتح ) ): كذا رواه أصحاب الزهري، وخالفهم إبراهيم بن سعد فرواه عنه عن القاسم بن محمد، أخرجه
ج 1 ص 750
النسائي، ورجح أبو زرعة الأول. ويحتمل أن يكون للزهري فيه شيخان؛ فإن الحديث محفوظ عن عروة والقاسم من طريق أخرى. انتهى
(قَالَتْ) : أي: عائشة (كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) : صح عطف المظهر هنا على الضمير المرفوع المتصل لتأكيده بالمنفصل.
فإن قلت: شرط العطف صحة عمل العامل في التابع، وهنا ليس كذلك؛ لأن فعل المتكلم لا يعمل في الاسم المظهر؟
قلت: أجاب العيني بأنه من تغليب المتكلم على الغائب، كما غلب المخاطب على الغائب في قوله تعالى: {اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة:35] حيث عطف: {زَوْجُكَ} على: {أَنتَ} . انتهى.
أقول: وفي قوله: عطف: {زَوْجُكَ} على: {أَنتَ} مسامحة؛ لأن المعطوف عليه الضمير المستكن في {اسْكُنْ} و {أَنتَ} : تأكيد له. وذهب كثير من المحققين _ منهم ابن مالك _ إلى أن نحو هذا من عطف الجمل.
قال في (( الأوضح ) ): وتختص الواو بجواز عطفها عاملًا قد حذف وبقي معموله مرفوعًا كان نحو: {اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} : أي: وليسكن زوجك أو منصوبًا نحو: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ} [الحشر:9] : أي: وألفوا الإيمان أو مجرورًا نحو: ما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة؛ أي: ولا كل بيضاء وإنما لم يجعل العطف فيهن على الموجود في الكلام؛ لئلا يلزم في الأول رفع فعل الأمر للاسم الظاهر. انتهى.
وقال الشارح: وقد يقال: يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل، ورب شيء يصح تبعًا ولا يصح استقلالًا، فالحاج عن غيره يصلي عنه ركعتي الطواف، ولو صلى أحد عن غيره ابتداء لم يصح على الصحيح، كما قال في (( المغني ) ).
وفي (( التسهيل ) ): لا يشترط في صحة العطف وقوع المعطوف موقع المعطوف عليه. انتهى.
ولو سلم فاجتماع حذف الفعل وحذف حرف الأمر شاذ _ كما سيأتي له في باب التحذير _ فلا يحسن تحريج التنزيل عليه. انتهى
(مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، مِنْ قَدَحٍ) : قيل (( من ) )الأولى: ابتدائية والثانية بيانية.
قال الكرماني: والأولى أن يكون (( قدح ) )بدلًا من (( إناء ) )بتكرار حرف الجر. انتهى.
وقال في (( الفتح ) ): ويحتمل أن يكون (( قدح ) )بدلًا من (( إناء ) )بتكرار حرف الجر. انتهى.
وتعقبه العيني فقال: لا يقال في مثل هذا: يحتمل؛ لأن الوجهين اللذين ذكرهما الكرماني جائزان قطعًا غاية ما في الباب يرجح أحدهما بالأولوية كما نبه عليه. انتهى.
وأقول: إذا كانا جائزين فدخول أحدهما تحت الاحتمال مما لا وصمة فيه غير أن كلام الكرماني يقتضي أرجحية البدلية، وكلام صاحب (( الفتح ) )يقتضي ظاهره مرجوحيتها حيث عبر عنها بالاحتمال.
وقال العيني: وكأن هذا الإناء المذكور من شَبَه يدل عليه ما رواه الحاكم من طريق حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه ولفظه: من تور من شَبَه _ بالشين المعجمة والباء الموحدة المفتوحتين _ وهو نوع من النحاس. انتهى
(يُقَالُ لَهُ) : أي: لذلك الإناء (الْفَرَقُ) : قال في (( الفتح ) ): ولمالك عن الزهري: هو الفرق، وزاد في روايته: (( من الجنابة ) ): أي: بسبب الجنابة ولأبي داود الطيالسي عن ابن أبي ذئب: وذلك القدح يومئذ يدعى: الفرق.
قال ابن التين: (( الفَرْق ) ): بتسكين الراء ورويناه بفتحها وجوز بعضهم الأمرين. وقال القتبي وغيره: هو بالفتح. وقال النووي: الفتح أفصح وأشهر. وقال: وزعم أبو الوليد الباجي أنه الصواب. قال: وليس كما قال، بل هما لغتان.
قلت: لعل مستند الباجي ما حكاه الأزهري عن ثعلب وغيره: (( الفرَق ) ): بالفتح، والمحدثون يسكنونه وكلام العرب بالفتح. انتهى.
وقد حكى الإسكان أبو زيد وابن دريد وغيرهما من أهل اللغة، والذي في روايتنا هو بالفتح.
وحكى ابن الأثير أن الفرَق _ بالفتح _ ستة عشر رطلًا، وبالإسكان: مائة وعشرون رطلًا، وهو غريب.
وأما مقداره في الرواية فعند مسلم في آخر رواية ابن عيينة عن الزهري في هذا: قال سفيان _ يعني: ابن عيينة _ الفرق: ثلاثة آصع. قال النووي: وكذا قال الجماهير، وقيل: الفرق: صاعان، لكن نقل أبو عبيد الاتفاق على أن الفرق ثلاثة آصع، وعلى أن الفرق ستة عشر رطلًا.
ولعله يريد اتفاق أهل اللغة، وإلا فقد قال بعض الفقهاء من الحنفية وغيرهم: إن الصاع ثمانية أرطال، وتمسكوا بما روي عن مجاهد في الحديث الآتي عن عائشة: أن حزر الإناء ثمانية أرطال. والصحيح: الأول؛ فإن الحزر لا يعارض به التحديد. وأيضًا: فلم يصرح مجاهد بأن الإناء المذكور صاع، فيحمل على اختلاف المعاني مع تقاربها.
ويؤيد كون الفرق ثلاثة آصع ما رواه ابن حبان من طريق عطاء عن عائشة بلفظ: قدر ستة أقساط والقِسط بكسر القاف وهو
ج 1 ص 751
باتفاق أهل اللغة: نصف صاع، ولا اختلاف بينهم أن الفرق ستة عشر رطلًا، فصح أن الصاع: خمسة أرطال وثلث. وتوسط بعض الشافعية فقال: الصاع الذي لماء الغسل: ثمانية أرطال، والذي لزكاة الفطر وغيرها: خمسة أرطال وثلث. انتهى.
وتعقب العيني قوله: فإن الحزر لا يعارض به التحديد فقال: هذه العبارة تدل على أن هذا القائل لم يعرف مذهب الإمام أبي حنيفة؛ إذ لو عرف لم يأت بهذه العبارة ولم ينفرد أبو حنيفة بهذا، بل ذهب إليه أيضًا إبراهيم النخعي والحجاج بن أرطأة والحكم بن عيينة وأحمد في رواية وتمسكوا في هذا بما أخرج الطحاوي بإسناد صحيح قال: حدثنا ابن أبي عمران، قال: حدثنا محمد بن شعاع وسليمان بن بكار وأحمد بن منصور الزيادي قالوا: حدثنا يعلى بن عبيد عن موسى الجهني عن مجاهد قال: دخلنا على عائشة رضي الله عنها فاستسقى بعضنا فأتي بعس قالت عائشة: (( كان النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل بملء هذا ) )قال مجاهد: فحزرته فيما أحزر ثمانية أرطال تسعة أرطال عشرة أرطال. ثم ذكر تعديل رواة الحديث وتوثيقهم.
وقال: والحديث أخرجه النسائي أيضًا قال: حدثنا محمد بن عبيد قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن موسى الجهني قال: أتي مجاهد بقدح فقال: حزرته ثمانية أرطال، فقال: حدثتني عائشة: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بملء هذا ) ).
ثم قال: المتمسكون به مجاهد لم يشك في الثمانية، وإنما شك فيما فوقها فثبت الثمانية بهذا الحديث وانتفى ما فوقها.
قلت: الدليل على عدم شك مجاهد في الثمانية رواية النسائي. ثم قول هذا القائل: والصحيح هو الأول غير صحيح؛ لأن الأول فيه ذكر الفرق، وهو كما ترى فيه أقوال، فكيف يقول: الحزر لا يعارض به التحديد؟ ففي أي موضع التحديد المعين؟ وأما حديث عائشة رضي الله عنها فالمذكور فيه الفرق الذي كان يغتسل منه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر مقدار الماء الذي كان يكون فيه هل هو ملؤه أو أقل من ذلك؟ انتهى.
وأقول: في كلامه تأمل، وللبحث فيه مجال؛ إذ لم يخرج في جميع ما ذكره عن الحزر، فليتأمل.
وفي الحديث: جواز اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد معًا، وهو بالإجماع كما تقدم في باب وضوء الرجل مع امرأته، وكذا تطهر المرأة بفضل الرجل وأما عكسه فجائز عند الجمهور سواء خلت المرأة بالماء أم لا وذهب أحمد إلى أنه لا يجوز استعمال فضلها إذا خلت بالماء.
وفي العيني: فإن قلت: ورد نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغتسل الرجل بفضل المرأة؟ قلت: قال الخطابي: أهل المعرفة بالحديث لم يرفعوا طرق أسانيد هذا الحديث، ولو ثبت فهو منسوخ. انتهى.
وفيه: طهارة فضل الجنب والحائض.
قال الدراوردي: وفيه: جواز نظر الرجل إلى عورة امرأته وعكسه، ويؤيده ما رواه ابن حبان من طريق سليمان بن موسى أنه سئل عن الرجل ينظر إلى فرج امرأته؟ فقال: سألت عطاء فقال: سألت عائشة فذكرت هذا الحديث بمعناه، وهو نص في المسألة، كذا في (( الفتح ) ).
وأقول: في هذا الاستدلال توقف لما ثبت عن عائشة رضي الله عنها: ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ولا رأى مني ) ): أي: الفرج، هكذا ذكره أهل المعاني مثالًا لحذف المفعول إذا كان مما يستهجن التصريح به. اللهم إلا أن يقال: اغتسالهما معًا متجردين من إناء واحد بدون حائل يقتضي ذلك عادة، إلا أنهما صانا أنفسهما عن ذلك مروءة، فليتأمل.
وفي هذا الحديث: التحديث والعنعنة. وأخرجه مسلم والنسائي.