فهرس الكتاب

الصفحة 460 من 1465

وبالسند إلى المؤلف قال:

269 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) : هشام الطيالسي (قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ) : اسم فاعل بالتاء من الزيادة ابن قُدَامة _ بضم القاف وتخفيف الدال المهملة _ الثقفي الكوفي كان صدوقًا ورعًا ذا سنة مات سنة ستين ومائة غازيًا في الروم

(عَنْ أَبِي حَصِينٍ) : بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين عثمان بن عاصم الكوفي التابعي (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) : عبد الله بن حبيب السُّلَمي _ بضم السين المهملة وفتح اللام _ مقرئ الكوفة صام ثمانين رمضان توفي سنة خمس ومائة

(عَنْ عَلِيٍّ) : ابن أبي طالب كرم الله وجهه (قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً) : قال القسطلاني: مذاء صفة لرجل ولو قال: كنت مذاء صح إلا أن ذكر الموصوف مع صفته يكون لتعظيمه نحو: رأيت رجلًا صالحًا، أو لتحقيره نحو: رأيت رجلًا فاسقًا. انتهى.

أقول: وفيه نظر؛ لأن التعظيم والتحقير يستفادان من التنكير على ما ذكره أهل المعاني والبيان في قول الشاعر:

~له حاجب في كل أمر يشينه وليس له عن طالب العرف حاجب

وما ذكره من المثالين التعظيم والتحقير فيهما مستفاد من الوصف كما ذكره صاحب (( التلخيص ) )، ومثل له بجاءني زيد العالم أو الجاهل حيث يتعين الموصوف قبل ذكر الوصف، على أن الوصف هنا تتوقف عليه أصل الفائدة؛ لأن الإخبار عن نفسه بكونه رجلًا غير مفيد، فلولا الوصف المذكور لم يصح الإخبار لعدم الفائدة كما هو ظاهر والمزايا المقصودة من التراكيب لا بد أن تكون زائدة على أصل المراد.

ثم قال كلامًا معناه: وراعى في (( مذاء ) )جانب اللفظ ولو راعى جانب المعنى لقال: كنت رجلًا أمذي، ومثل هذا قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ} [البقرة:186] ، فراعى الضمير في: إني ولو راعى {قَرِيبٌ} لقال: يجيب.

قال أبو حيان: ومن اعتبار الأول قوله تعالى: {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} [النمل:47] {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [النمل:55] ومن اعتبار الثاني قولك: أنا رجل يأمر بالمعروف وأنت امرؤ يأمر بالخير. انتهى.

وأقول: هذا الكلام غير محرر أيضًا؛ لأن (( مذاءً ) ): من صيغ المبالغة واسم الفاعل واسم المفعول وصيغ المبالغة لا تتغير في التكلم والخطاب والغيبة فتقول: أنا قائم وأنت قائم وهو قائم وكذلك نحو ضراب فلا يصح قياسه على الآية الكريمة؛ لأن: {أُجِيبُ} : فعل وهو يختلف في التكلم والخطاب والغيبة وهذا هو السر في جعل النحاة الضمير مع الفعل في نحو: زيد قام جملة، ولم يجعلوه مع اسم الفاعل، ونحوه: في نحو أنا قائم، أو زيد قائم جملة؛ لكونه أشبه الجامد في عدم تغيره في التكلم والخطاب والغيبة، كقولك: أنا رجل، وأنت رجل، وهو رجل، ولم أر أحدًا من الشراح ذكر ما ذكره القسطلاني فأحسن التأمل.

وزاد أحمد: فإذا أمذيت اغتسلت، ولأبي داود: فجعلت أغتسل حتى تشقق ظهري، وزاد في الرواية السابقة في باب الوضوء من المخرجين من وجه آخر: (( فأحببت أن أسأل ) )

(فَأَمَرْتُ رَجُلًا) : هو المقداد بن الأسود كما مر في الحديث السابق. وقيل: عمار بن ياسر، كما سيأتي (يَسْأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، لِمَكَانِ ابْنَتِهِ) : أي: فاطمة كما وقع التصريح باسمها في رواية مسلم من طريق محمد بن الحنفية عن علي: من أجل فاطمة؛ أي: لأنها زوجته فاستحيا أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه ووجهه ظاهر

(فَسَأَلَ) : أي: الرجل. وللحموي والسرخسي:: بالهاء (فَقَالَ) : صلى الله عليه وسلم (تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ) : قال في (( الفتح ) ): هذا الأمر بلفظ الإفراد يشعر بأن المقداد سأل لنفسه، ويحتمل أن يكون سأل لمبهم، أو لعلي فوجه النبي صلى الله عليه وسلم الخطاب إليه. والظاهر: أن عليًا كان حاضرًا للسؤال، فقد أطبق أصحاب المسانيد والأطراف على إيراد هذا الحديث في مسند علي، ولو حملوه على أنه لم يحضر لأوردوه في مسند المقداد.

ويؤيده ما في رواية النسائي من طريق أبي بكر بن عياش عن أبي حصين في هذا الحديث عن علي قال: فقلت لرجل إلى جنبي: سله فسأله.

ووقع في رواية مسلم: فقال: (( يغسل ذكره ويتوضأ ) ): بلفظ الغائب، فيحتمل أن يكون سؤال المقداد

ج 1 ص 773

وقع على الإبهام وهو الأظهر. ففي مسلم أيضًا من طريق ابن عباس عن علي: فسأله عن المذي يخرج من الإنسان، وفي (( الموطأ ) )نحوه.

ووقع في رواية لأبي داود والنسائي وابن خزيمة ذكر سبب ذلك من طريق حصين بن قبيصة عن علي قال: كنت رجلًا مذاء، فجعلت أغتسل منه في الشتاء حتى تشقق ظهري، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا تفعل ) )، ولأبي داود وابن خزيمة من حديث سهل بن حنيف أنه وقع له نحو ذلك، وأنه سأل عن ذلك بنفسه، ووقع في رواية للنسائي: أن عليًا قال: أمرت عمارًا أن يسأل، وفي رواية لابن حبان والإسماعيلي: أن عليًا قال: سألت.

وجمع ابن حبان بين هذا الاختلاف بأن عليًا أمر عمارًا أن يسأل، ثم أمر المقداد بذلك، ثم سأل بنفسه، وهو جمع جيد إلا بالنسبة إلى آخره؛ لكونه مغايرًا لقول: إنه استحيا عن السؤال بنفسه لأجل فاطمة، فيتعين حمله على المجاز بأن بعض الرواة أطلق أنه سأل لكونه الآمر بذلك، وبهذا جزم الإسماعيلي، ثم النووي.

ويؤيد أنه أمر كلًا من المقداد وعمار بالسؤال عن ذلك ما رواه عبد الرزاق من طريق عائش بن أنس قال: تذاكر علي والمقداد وعمار المذي، فقال علي: إنني رجل مذاء، فاسألا عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله أحد الرجلين.

وصحح ابن بشكوال أن الذي تولى السؤال عن ذلك هو المقداد، وعلى هذا فنسبة عمار إلى أنه سأل عن ذلك محمول على المجاز أيضًا؛ لكونه قصده، لكن تولى المقداد الخطاب دونه. انتهى.

وتعقبه العيني بقوله: قلت: كلاهما كانا مشتركين في هذا السؤال غير أن أحدهما قد سبق به، فيحتمل أن يكون هو المقداد، ويحتمل أن يكون هو عمارًا. وتصحيح ابن بشكوال على أن يكون هو المقداد يحتاج إلى برهان، ورد ما ذكر في الأحاديث المذكورة أن كلًا منهما قد سأل، وأن عليًا سأل، فلا يحتاج بعد هذا إلى زيادة حشو في الكلام، فافهم. انتهى.

قال في (( الفتح ) ): وقع في البخاري تقديم الأمر بالوضوء على غسل الذكر، ووقع في (( العمدة ) )نسبة ذلك إلى البخاري بالعكس، لكن الواو لا ترتب، فالمعنى واحد وهي رواية الإسماعيلي، فيجوز تقديم غسله على الوضوء وهو أولى، ويجوز تقديم الوضوء على غسله، لكن من يقول بنقض الوضوء بمسه يشترط أن يكون ذلك بحائل.

واستدل به ابن دقيق العيد على تعين الماء فيه دون الأحجار ونحوها؛ لأن ظاهره تعين الغسل والمعين لا يقع الامتثال إلا به، وهذا ما صححه النووي في (( شرح مسلم ) ). وصحح في باقي كتبه جواز الاقتصار عليها إلحاقًا له بالبول، وحملًا للأمر بغسله على الاستحباب، أو على أنه خرج مخرج الغالب، وهذا هو المعروف في المذهب.

واستدل به بعض المالكية والحنابلة على إيجاب استئصاله [1] بالغسل عملًا بالحقيقة، لكن الجمهور نظروا إلى المعنى؛ فإن الموجب لغسله إنما هو خروج الخارج، فلا تجب المجاوزة إلى غير محله. ويؤيده ما عند الإسماعيلي في رواية فقال: (( توضأ واغسله ) )، فأعاد الضمير على المذي، ونظير هذا قوله: (( من مس ذكره فليتوضأ ) )فإن النقض لا يتوقف على مس جميعه.

واختلف القائلون بوجوب غسل جميعه هل هو معقول المعنى أو للتعبد؟ فعلى الثاني تجب النية فيه. قال الطحاوي: ولم يكن الأمر بغسله لوجوب غسله كله، بل ليتقلص فيبطل خروجه كما في الضرع إذا غسل بالماء البارد يتفرق اللبن إلى داخل الضرع، فينقطع خروجه.

واستدل به أيضًا على نجاسة المذي وهو ظاهر. انتهى.

قال العيني: وفي الحديث من الأحكام: جواز الاستنابة في الاستفتاء، ويؤخذ منه جواز دعوى الوكيل بحضرة موكله.

ومنها: قبول خبر الواحد، والاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع؛ فإن عليًا رضي الله عنه اقتصر على خبر المقداد مع تمكنه من سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومنها: استحباب حسن العشرة مع الأصهار، وأن الزوج يستحب له أن لا يذكر شيئًا يتعلق بجماع النساء والاستمتاع بهن بحضرة آبائهن وأبنائهن وأقاربهن.

ومنها: أن المذي يوجب الوضوء ولا يوجب الغسل، والباب موضوع له.

ومنها: ما كانت الصحابة عليه من حفظ حرمة النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره.

ومنها: استعمال الأدب في ترك المواجهة مما يستحيا منه عرفًا.

ومنها: أن قوله: (( اغسل ذكرك ) ): هل يقتضي غسل جميعه، أو مخرج المذي؟ اختلفوا فيه. ثم ذكر الأقوال التي تقدم آنفًا ذكرها عن صاحب (( الفتح ) ).

ورواة هذا الحديث الخمسة كوفيون ما عدا أبا الوليد

ج 1 ص 774

فبصري. وفيه: التحديث والعنعنة، ورواية تابعي عن تابعي. وأخرجه المؤلف في العلم والطهارة، ومسلم فيها، والنسائي فيهما.

[1] لعل الصواب: (( استيعابه ) ): كما في (( الفتح ) )، يحرر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت