وبه قال:
282 - (حدّثنا عَبدُ اللهِ بنُ يُوسفُ) : التنيسي (قَالَ: أَخْبَرنَا مَالِكُ، عَنْ هِشَامٍ بنُ عُروةَ، عَنْ أبْيهِ) : عروة بن الزبير بن العوام (عنْ زينبُ بنتُ أبِي سَلَمَة) : عبد الله بن عبد الأسد المخزومي ونسبها المؤلف في باب الحياء في العلم إلى أمها أم سلمة وهي هند بنت أبي أمية واسمه حذيفة ويقال: سهيل بن المغيرة وأم سلمة هذه أم المؤمنين كانت قبل النبي صلى الله عليه وسلم عند أبي سلمة المذكور
(عَن أُمِّ سَلَمَة) : رضي الله عنها (أَنَّها قَالتْ: جَاءتْ أُمُّ سُلَيمٍ) : بضم السين وفتح اللام سهلة أو رميلة أو رميثة بنت ملحان الخزرجية والدة أنس بن مالك وكانت أسلمت مع السابقين من الأنصار وكان النبي صلى الله عليه وسلم يزورها فتتحفه بالشيء تضعه له. ولها في البخاري حديثان (امْرَأة ُأَبِي طَلْحَةَ) : زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري النقيب كبير القدر بدري مشهور
(إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ) عز وجل (لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ) : قال في (( الفتح ) ): قدمت هذا القول تمهيدًا لعذرها في ذكر ما يستحيا منه والمراد بالحياء هنا: معناه اللغوي؛ إذ الحياء الشرعي خير كله وقد تقدم في كتاب الإيمان أن الحياء تغير وانكسار وهو مستحيل في حق الله تعالى فيحمل هنا على أن المراد أن الله لا يأمر بالحياء من الحق ولا يمنع من ذكر الحق. وقد يقال: إنما يحتاج إلى التأويل في الإثبات ولا يشترط في النفي أن يكون ممكنًا لكن لما كان المفهوم يقتضي أنه يستحيي من غير الحق عاد إلى جانب الإثبات فاحتيج إلى تأويله، قاله ابن دقيق العيد. انتهى
(هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ) : حرف الجر هنا زائد في المبتدأ أي: هل على المرأة غسل وقد سقط عند المؤلف في الأدب (إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ؟) : الاحتلام: افتعال من الحُلْم _ بضم المهملة وسكون اللام _ وهو ما يراه النائم في نومه. يقال: منه: حلَم _ بالفتح _ واحتلم والمراد به هنا: أمر خاص منه وهو الجماع. وفي رواية أحمد من حديث أم سليم: أنها قالت: يا رسول الله إذا رأت المرأة أن زوجها يجامعها في المنام أتغتسل
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: نَعَمْ) : أي: يجب عليها الغسل (إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ) : أي: المني بعد الاستيقاظ. وفي رواية الحميدي عن هشام في هذا الحديث: (( إذا رأت إحداكن الماء فلتغتسل ) )وزاد: فقالت أم سلمة: وهل تحتلم المرأة؟ وكذا روى هذه الزيادة أصحاب هشام عنه غير مالك فلم يذكرها وقد تقدمت من رواية أبي معاوية عن هشام في باب الحياء في العلم وفيه: أوتحتلم المرأة؟ وهو معطوف على مقدر يظهر من السياق؛ أي: أترى المرأة الماء وتحتلم؟ وفيه: فغطت أم سلمة وجهها
ج 1 ص 787
ويأتي في الأدب من رواية يحيى القطان عن هشام: فضحكت أم سلمة ويجمع بينهما بأنها تبسمت تعجبًا وغطت وجهها حياء.
ولمسلم من رواية وكيع عن هشام: فقالت لها: يا أم سليم فضحت النساء، وكذا لأحمد من حديث أم سليم وهذا يدل على أن كتمان ذلك من عادتهن؛ لأنه يدل على شدة شهوتهن للرجال.
وقال ابن بطال: فيه دليل على أن كل النساء يحتلمن وعكسه غيره فقال: فيه دليل على أن بعض النساء لا يحتلمن والظاهر أن مراد ابن بطال الجواز لا الوقوع؛ أي: فيهن قابلية ذلك.
وفيه: دليل على وجوب الغسل على المرأة بالإنزال ونفى ابن بطال الخلاف فيه وقد قدمناه عن النخعي وكأن أم سليم لم تسمع حديث: (( الماء من الماء ) )أو سمعته وقام عندها ما يوهم خروج المرأة عن ذلك وهو ندور بروز الماء منها. وقد روى أحمد من حديث أم سليم في هذه القصة أن أم سلمة قالت: يا رسول الله وهل للمرأة ماء؟ فقال: (( هن شقائق الرجال ) )
وروى عبد الرزاق في هذه القصة: (( ليس عليها غسل حتى تنزل كما ينزل الرجل ) ). وفيه رد على من زعم أن ماء المرأة لا يبرز وإنما إنزالها بشهوتها وحمل قوله: (( إذا رأت الماء ) ): أي: علمت به؛ لأن وجود العلم هنا متعذر؛ لأنه إذا أراد به علمها بذلك وهي نائمة فلا يثبت به حكم؛ لأن الرجل لو رأى أنه جامع وعلم أنه أنزل في النوم ثم استيقظ فلم ير بللًا فلا يجب عليه الغسل اتفاقًا فكذلك المرأة. وإن أراد به علمها بذلك بعد أن استيقظت فلا يصح؛ لأنه لا يستمر في اليقظة ما كان في النوم إلا إن كان مشاهدًا فحمل الرؤية على ظاهرها هو الصواب كذا في (( الفتح ) ).
وفي العيني: قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه العلم أن الرجل إذا رأى في منامه أنه احتلم أو جامع ولم يجد بللًا أن لا غسل عليه واختلفوا فيمن رأى بللًا ولم يتذكر احتلامًا فقالت طائفة: يغتسل، روينا ذلك عن ابن عباس والشعبي وسعيد بن جبير والنخعي. وقال أبو إسحاق: يغتسل إذا كانت بلة نطفة وروينا عن الحسن أنه قال: إذا كان انتشر إلى أهله من أول الليل فوجد من ذلك بلة فلا غسل عليه، وإن لم يكن كذلك اغتسل.
وفيه: قول ثالث وهو أن لا يغتسل حتى يوقن بالماء الدافق، هكذا قال مجاهد وهو قول قتادة. وقال مالك والشافعي وأبو يوسف: يغتسل إذا علم بالماء الدافق.
وقال الخطابي: ظاهره يوجب الاغتسال إذا رأى البلة وإن لم يتيقن أنه الماء الدافق وروي هذا القول عن جماعة من التابعين. وقال أكثر أهل العلم: لا يجب عليه الاغتسال حتى يعلم أنه بلل الماء الدافق. انتهى كلام العيني.
وأقول: قد أطال ولم يبين ما هو المعتمد في مذهبه وتحرير ذلك ما ذكر العلامة عمر بن نجيم في (( شرحه على الكنز ) ): فرع: وجد بثوبه أو فخذه بللًا فالمسألة على اثني عشر وجهًا؛ لأنه إما أن يعلم أنه مني أو ودي أو مذي أو يتردد بين الأول والثاني أو الأول والثالث أو الثاني والثالث وكل من الستة إما مع تذكر الاحتلام أولًا فيجب اتفاقًا فيما إذا علم أنه مني أو مذي أو شك في كونه واحدًا من الثلاثة أو من الأخيرين وقد تذكر احتلامًا.
ولا يجب اتفاقًا فيما إذا علم أنه ودي مطلقًا أو مذي ولم يتذكر أو شك في أنه مذي أو ودي. أما لو شك في أنه واحد منهما والمسألة بحالها وجب عندهما لا عند الثاني وغير خاف أن التعبير بالعلم أولى من اليقين لكثرة إطلاقه على غلبة الظن عند الفقهاء المرادة هنا لتعذر المعنى الحقيقي مع النوم. انتهى.
والاتفاق الذي حكاه في بعض هذه الوجوه المراد به: اتفاق أئمة مذهب أبي حنيفة لا اتفاق مذاهب المجتهدين كما لا يخفى.
وفي الحديث: مشروعية استفتاء المرأة بنفسها.
وفيه: جواز التبسم عند التعجب.
ورواة هذا الحديث الستة مدنيون إلا شيخ المؤلف. وفيه: التحديث والإخبار والعنعنة والقول وثلاث صحابيات. وأخرجه الستة واتفق الشيخان على إخراجه من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة.
وقد جاء عن جماعة من الصحابيات أنهن سألن كسؤال أم سلمة منهن: خولة
ج 1 ص 788
بنت حكيم كما عند النسائي وأحمد وابن ماجه، وسهلة بنت سهيل كما عند الطبراني، وبسرة بنت صفوان كما عند ابن أبي شيبة.