وبه قال:
283 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) : المديني (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) : ابن سعيد القطان (قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) : بضم الحاء الطويل التابعي (قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ) : بفتح الموحدة ابن عبد الله بن عمرو بن هلال المزني البصري (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) : نُفَيع _ بضم النون وفتح الفاء _ الصائغ _ بالغين المعجمة _ البصري ترحل إليها من المدينة
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) : رضي الله عنه (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَقِيَهُ فِي بَعْضِ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ) : بالإفراد ولكريمة: (وَهْوَ جُنُبٌ) : جملة حالية من الضمير المنصوب في (( لقيه ) )وفي رواية أبي داود والنسائي: (( لقيته في بعض طريق من طرق المدينة ) ) (فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ) : بنون ثم معجمة مفتوحة ثم نون فمهملة؛ أي: تأخرت وانقبضت ورجعت. وفي رواية: (( فأخنس ) )ولابن السكن والأصيلي وأبي الوقت وابن عساكر:: بالموحدة والجيم؛ أي: اندفعت وللمستملي:: بنون فمثناة فوقية فجيم من النجاسة من باب الافتعال والمعنى: اعتقدت نفسي نجسًا.
زاد العيني: وفي رواية: (( فانبجشت ) ): بالشين المعجمة من النجش وهو الإسراع وفي رواية:: بالباء الموحدة والخاء المعجمة والسين المهملة من البخس وهو النقص فكأنه ظهر له نقصانه عن مماشاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي رواية المستملي لما اعتقده في نفسه من النجاسة.
وفي رواية: (( فاحتبست ) ): بحاء مهملة ثم تاء مثناة من فوق ثم باء موحدة ثم سين مهملة من الاحتباس والمعنى: حبست نفسي عن اللحاق بالنبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية: (( فانسللت ) ): من الانسلال وفي رواية: (( فانسل ) )، وهي رواية مسلم والنسائي أيضًا.
قال بعض الشارحين: ولم يثبت لي من طريق الروايات غير ما تقدم وأراد به رواية الكشميهني وأبي الوقت والمستملي ونسب بعضها إلى التصحيف ولا يلزم من عدم ثبوت غير الروايات الثلاث عنده عدم ثبوتها عند غيره وليس بأدب أن ينسب بعض غير ما وقف عليه إلى التصحيف؛ لأن الجاهل بالشيء ليس له أن يدعي عدم علم غيره به. انتهى
(فَذَهَبَ) : أبو هريرة (فَاغْتَسَلَ) : بلفظ الغيبة من باب النقل عن الراوي بالمعنى أو من قول أبي هريرة من باب التجريد وهو أنه جرد من نفسه شخصًا وأخبر عنه، وهو المناسب لرواية: (( فانخنس ) ). وفي رواية: (( فذهبت واغتسلت ) )، وهو المناسب لسابقه.
وكان سبب ذهاب أبي هريرة ما رواه النسائي وابن حبان من حديث حذيفة: (( أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا لقي أحدًا من أصحابه ماسحه ودعا له ) )، فلما ظن أبو هريرة رضي الله عنه أن الجنب ينجس بالجنابة خشي أن يماسحه النبي صلى الله عليه وسلم كعادته فبادر إلى الاغتسال
(ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ) : عليه الصلاة والسلام (أَيْنَ كُنْتَ يَا بَا هُرَيْرَةَ؟) : بحذف الهمزة من الأب تخفيفًا، كذا في الكرماني.
قال العجيمي: أي: بحذف صورة الهمزة وهي الألف خطًا وهذا مبني على أن الألف المحذوفة ألف (( أبا ) )وهو ما في (( الهمع ) )عن أبي حيان عن نص أحمد بن يحيى: أن الألف المحذوفة هي صورة الهمزة لا ألف (( يا ) )وهو خلاف ما ذهب إليه ابن مالك. انتهى
(قَالَ: كُنْتُ جُنُبًا) : أي: ذا جنابة؛ لأنه اسم جرى مجرى المصدر وهو الإجناب.
وفي العيني: يقال: أجنب الرجل وهو جنب وكذا الاثنان والجمع والمذكر والمؤنث. قال ابن دريد: وهو أعلى اللغات وقد قالوا: جنبان وأجناب
ج 1 ص 789
ولم يقولوا جنبة. وفي (( المنتهى ) ): رجل جنب وامرأة جنب وقوم جنب وجنبون وأجناب. وفي (( الصحاح ) ): أجنب الرجل وجنب أيضًا بضم النون.
وفي (( الموعب ) )عن الفراء وقطرب: جنب الرجل وجنب _ بكسر النون وضمها لغتان _ وفي (( الاشتقاق ) )للروياني: أجنب الرجل؛ لأنه يجانب الصلاة. وقال أبو منصور: لأنه نهي عن أن يقرب مواضع الصلاة. وقال القتبي: سمي بذلك لمجانبته الناس وبعده منهم حتى يغتسل. انتهى
(فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ) : جملة اسمية وقعت حالًا من الضمير المستتر في (( أجالسك ) ). وإنما كره أبو هريرة ذلك لما تقدم أن النبي صلى الله عليه سولم كان إذا لقي أحدًا من الصحابة ماسحه ودعا له.
(فَقَالَ) : بالفاء
قال القسطلاني: وسقطت في رواية أبي هريرة على الأفصح في الجمل المفتتحة بالقول كما قيل في قوله تعالى: {أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ * قَالَ} [الشعراء:10 - 12] . وما بعدها وأما القول مع ضمير النبي صلى الله عليه وسلم فالفاء سببية رابطة فاجتلبت لذلك. انتهى.
وأقول: ليس ذلك على إطلاقه بل إن كانت الثانية مرتبطة بالأولى عطفت عليها إما بالفاء إن كانت متسببة عنها كقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ} [الأعراف:59] أو بالواو إن كان بينهما جامع كما ذكر في باب الفصل والوصل كقوله تعالى: {وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى} الآية [الأعراف:127] .
وأما ما وقع من الجمل المبدوءة بالقول من غير عطف _ كما في الآية التي استشهد بها وما شاكلها وهو الأكثر _ فقد ترك العطف فيها؛ لأنها مستأنفة استئنافًا بيانيًا وهو ما كانت الجملة فيه جوابًا عن سؤال مقدر والجواب لا يعطف على السؤال كما هو مقرر في محله
(سُبْحَانَ اللهِ) : منصوب لفعل محذوف لازم للحذف واستعماله في مثل هذا الموضع يراد به التعجب ومعنى التعجب هنا: أنه كيف يخفى عليك مثل هذا الأمر الظاهر (إِنَّ المُؤْمِنَ) : وفي رواية مضبب عليها بـ (( فرع اليونينية ) ): (لاَ يَنْجُسُ) : أي: إنه طاهر سواء كان جنبًا أو محدثًا حيًا أو ميتًا وكذا سؤره وعرقه ولعابه ودمعه وكذا الكافر في هذه الأحكام.
وعن الشافعي قولان في الميت أصحهما: الطهارة وذكر البخاري في (( صحيحه ) )عن ابن عباس تعليقًا: المسلم لا ينجس حيًا ولا ميتًا ووصله الحاكم في (( المستدرك ) )فقال: أخبرني إبراهيم بن عصمة قال: حدثنا أبو مسلم المسيب بن زهير البغدادي أخبرنا أبو بكر وعثمان أخبرنا ابن شيبة قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تنجس موتاكم؛ فإن المؤمن لا ينجس حيًا ولا ميتًا ) )قال: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه.
وهو أصل في طهارة المسلم حيًا وميتًا أما الحي فبالإجماع حتى الجنين إذا ألقته أمه وعليه رطوبة فرجها وأما الكافر فحكمه كذلك على ما نذكره إن شاء الله تعالى
وفي (( صحيح ابن خزيمة ) )عن القاسم بن محمد قال: سألت عائشة رضي الله عنها عن الرجل يأتي أهله ثم يلبس الثوب فيعرق فيه أنجس ذلك؟ فقالت: قد كانت المرأة تعد خرقة أو خرقًا فإذا كان ذلك مسح بها الرجل الأذى عنه ولم تر أن ذلك ينجسه. وفي لفظ: ثم صليا في ثوبهما.
وروى الدارقطني من حديث المتوكل بن فضيل عن أم قلوص الناصرية عن عائشة رضي الله عنها: (( كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرى على البدن جنابة ولا على الأرض جنابة ولا يجنب الرجل الرجل ) ).
وعن محيي السنة البغوي قال: معنى قوله ابن عباس: أربع لا يجنبن: الإنسان والثوب والماء والأرض يريد: الإنسان لا يجنب بمماسة الجنب، ولا الثوب إذا لبسه الجنب، ولا الأرض إذا أفضى إليها الجنب، ولا الماء ينجس إذا غمس الجنب يده فيه.
وقال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن عرق الجنب طاهر، وثبت ذلك عن ابن عباس وابن عمر وعائشة رضي الله عنهم أنهم قالوا ذلك وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي ولا أحفظ عن غيرهم خلاف قولهما.
وقال القرطبي: الكافر نجس عند الشافعي.
وقال أبو بكر بن المنذر: وعرق اليهودي والنصراني والمجوسي طاهر عندي.
ج 1 ص 790
وقال ابن حزم: العرق من المشركين نجس لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة:28] وتمسك أيضًا بمفهوم حديث الباب وادعى أن الكافر نجس العين والجواب عنه: أنهم نجسوا الأفعال لا الأعضاء أو نجسوا الاعتقاد. ومما يوضح ذلك أن الله تعالى أباح نكاح نساء أهل الكتاب ومعلوم أن عرقهن لا يسلم منه من يضاجعهن، ومع ذلك لا يجب عليه من غسل الكتابية إلا مثل ما يجب عليه من غسل المسلمة فدل على أن الآدمي الحي ليس بنجس العين؛ إذ لا فرق بين الرجال والنساء.
وفي (( المدونة ) )على ما نقله ابن التين: إن المريض إذا صلى لا يستند لحائض ولا جنب وأجازه ابن أشهب قال الشيخ أبو محمد: لا تكاد تسلم من النجاسة. وقال غيره: لأجل أعينهما لا لثيابهما. وما ذكرناه يرد ذلك.
فإن قلت: على ما ذكرت أن المسلم لا ينجس حيًا ولا ميتًا ينبغي أن لا يغسل الميت؛ لأنه طاهر.
قلت: اختلف علماء أصحابنا في وجوب غسله فقيل: إنما وجب بحدث يحله باسترخاء المفاصل لا لنجاسة؛ فإن الآدمي لا ينجس بالموت كرامة إذ لو تنجس لما طهر بالغسل كسائر الحيوانات وكان الواجب الاقتصار على أعضاء الوضوء كما في حال الحياة لكن ذلك إنما كان نفيًا للحرج فيما يتكرر كل يوم والحدث بسبب الموت لا يتكرر فكان كالجنابة لا يكتفي فيها بغسل الأعضاء الأربعة بل يبقى على الأصل وهو وجوب غسل البدن لعدم الحرج فكذا هذا.
قال العراقيون: يجب غسله لنجاسته بالموت لا بسبب الحدث؛ لأن للآدمي دمًا سائلًا فيتنجس بالموت قياسًا على غيره ألا ترى أنه لو مات في البئر نجسها؟ ولو حمله المصلي لم تجز صلاته؟ ولو لم يكن نجسًا لجازت كما لو حمل محدثًا، كذا في العيني.
وفي الحديث من الفوائد: استحباب احترام أهل الفضل وأن يكون جليسهم على أكمل الهيئات وأجمل صفات توقيرًا لهم. وقد استحب العلماء لطالب العلم أن يحسن حاله عند مجالسة شيخه فيكون متطهرًا متنظفًا بإزالة الشعور المأمور بإزالتها نحو قص الشارب وقلم الأظفار وإزالة الروائح الكريهة وغير ذلك.
وفيه: من الآداب: أن العالم إذا رأى من تابعه أمرًا يخاف عليه فيه خلاف الصواب سأله عنه وبين له حكمه وهداه إلى الصواب فيه.
وفيه: جواز انصراف الجنب إلى حوائجه قبل الاغتسال ما لم يخف فوت وقت الصلاة.
وفيه: تألف قلوب المؤمنين ومواساة الفقراء والتواضع لله واتباع أمر الله تعالى حيث قال جل ذكره: {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام:52] .
وفيه: استحباب استئذان التابع للمتبوع إذا أراد أن يفارقه لقوله: (( أين كنت؟ ) )فأشار إلى أنه كان ينبغي أن لا يفارقه حتى يعلمه، قاله في (( الفتح ) ).
وتعقبه العيني فقال: هذا بعيد؛ لأن الحديث المذكور لا يفهم منه ذلك لا من عبارته ولا من إشارته ولا في التابع والمتبوع؛ لأن أبا هريرة لم يكن في تلك الحالة تابعًا للنبي صلى الله عليه وسلم في مشيه وإنما لقيه النبي صلى الله عليه وسلم في بعض طرق المدينة كما هو نص الحديث. انتهى.
ورواة هذا الحديث الستة بصريون. وفيه: رواية تابعي عن تابعي. وفيه: التحديث والعنعنة. وأخرجه مسلم في الطهارة وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في الصلاة.