فهرس الكتاب

الصفحة 506 من 1465

وبالسند قال:

297 - (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ) : بالدال المهملة مصغرًا، وقد خالف المصنف عادته في اقتصاره على كنيته فجمع له هنا بينها وبين اللقب وذكر اسم أبيه (أنه سَمِعَ زُهَيْرًا) بالتصغير؛ أي: ابن معاوية بن حُديج بضم الحاء المهملة فدال مهملة فتحتية فجيم.

(عَنْ مَنْصُورٍ بْنِ صَفِيَّةَ) : بنت شيبة، وأبو منصور: عبد الرحمن الحجبي المكي العبدري، كان يحجب البيت وهو شيخ كبير، وإنما نسب منصور إلى أمه؛ لأنه اشتهر بها؛ ولأنه روى عنها (أَنَّ أُمَّهُ) صفية بنت شيبة (حَدَّثَتْهُ: أَنَّ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (حَدَّثَتْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: كَانَ يَتَّكِئُ) بتشديد التاء وبالهمز آخره والأصل يوتكئ؛ لأنه من باب الافتعال من وكأ فقلبت الواو تاء وأدغمت في تاء الافتعال.

(فِي حَجْرِي) أي: عليه؛ لأن توكأ يتعدى بـ (( على ) )، قال تعالى: {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا} [طه:18] وفائدة العدول إلى التعبير بـ (( في ) )توكيد التمكن فيه كتمكن المظروف في ظرفه، ويجوز أن يضمن يتكئ معنى يضع.

وقوله: (وَأَنَا حَائِضٌ) جملة اسمية وقعت حالًا من ياء المتكلم في (( حجري ) )، وجاز مجيء الحال هنا من المضاف إليه؛ لأن المضاف جزؤه كما في قوله تعالى: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا} [الحجرات:12] ، وجوز الكرماني أن تكون حالًا من فاعل (( يتكئ ) )وهو قريب وإن استبعد العيني.

(ثُمَّ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ) وللمصنف في التوحيد: (( كان يقرأ القرآن ورأسه في حجري وأنا حائض ) ).

قال في (( الفتح ) ): ومناسبته؛ أي: أثر أبي وائل لحديث عائشة من جهة أنه نظر حمل الحائض العلاقة التي فيها المصحف، يحمل الحائض المؤمن الذي يحفظ القرآن؛ لأنه حامله في جوفه وهو موافق لمذهب أبي حنيفة، ومنع الجمهور ذلك وفرقوا بأن الحمل يخل بالتعظيم، والاتكاء لا يسمى في العرف حملًا، انتهى.

وأقول: نقل العيني هذه المناسبة عن صاحب (( التلويح ) (( التوضيح ) )ثم قال: هذا في غاية البعد لأن بين قراءة الرجل في حجر امرأته وبين حمل الحائض المصحف بعلاقته بون بعيد من الجهة التي ذكرت.

ثم قال: ويمكن أن يقال وجه التطابق بينهما هو جواز الحكم في كل منهما، فكما يجوز قراءة الرجل في حجر الحائض فكذلك يجوز حمل الحائض المصحف بعلاقته، وفي كل منهما دخل للحائض.

وفيه وجه التطابق، ثم لو قيل ما قيل في ذلك فلا يخلو عن تعسف، انتهى.

ثم قال صاحب (( الفتح ) )في قول عائشة: لم يقرأ القرآن.

قال ابن دقيق العيد: في هذا الفعل إشارة إلى أن الحائض لا تقرأ القرآن؛ لأن قراءتها لو كانت جائزة لما توهم امتناع القراءة في حجرها حتى احتيج إلى التنصيص، انتهى.

وقال العيني: وممن أجاز حمل الحائض المصحف بعلاقته وكذلك الجنب: عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعطاء، والحسن البصري، ومجاهد، وطاووس وأبو وائل، وأبو زيد وأبو حنيفة، ومالك والشافعي والأوزاعي، والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور، والشعبي والقاسم بن محمد.

ورخص في حمله: الحاكم وعطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جبير، وحماد بن أبي سليمان، وأهل الظاهر.

ومنع الحاكم مسه بباطن الكف خاصة، وقال ابن حزم: وقراءة القرآن والسجود فيه ومس المصحف وذكر الله تعالى جائز، كل ذلك بوضوء وبلا وضوء، وللجنب والحائض، وهو قول ربيعة وسعيد بن المسيب وابن جبير، وابن عباس وداود وجميع أصحابنا.

وأما مس المصحف فإن الآثار التي

ج 2 ص 9

احتج بها من لا يجيز للجنب مسه، فإنه لا يصح منها شيء؛ لأنها إما مرسلة وإما صحيحة لم تسند، وإما عن مجهول وإما عن ضعيف، والصحيح عن ابن عباس عن أبي سفيان حديث هرقل الذي فيه و {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران:64] .

فهذا النبي صلى الله عليه وسلم قد بعث كتابًا فيه قرآن للنصارى، وقد أيقن أنهم يمسونه فإن ذكروا حديث ابن عمر: (( نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو ) ).

قلنا: هذا حق يلزم اتباعه وليس فيه لا يمس المصحف جنب ولا كافر، وإنما فيه: أن لا ينال أهل الحرب القرآن فقط، وإن قالوا: إنما بعث إلى هرقل بآية واحدة قيل لهم: ولم يمنع من غيرها وأنتم أهل قياس فإن لم تقيسوا على الآية ما هو أكثر منها فلا تقيسوا على هذه الآية غيرها.

فإن ذكروا قوله تعالى: {لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة:79] .

قلنا: لا حجة فيه؛ لأنه ليس أمرًا وإنما هو خبر، والرب سبحانه وتعالى لا يقول إلا حقًا، ولا يجوز أن يصرف لفظ الخبر إلا بنص جلي أو إجماع متيقن.

فلما رأينا المصحف يمسه الطاهر وغير الطاهر علمنا أنه لم يعن المصحف، وإنما عنى كتابًا آخر عنده كما جاء عن سعيد بن جبير في هذه الآية: هم الملائكة الذين في السماء، وكان علقمة إذا أراد أن يتخذ مصحفًا أمر نصرانيًا بنسخه له.

وقال أبو حنيفة: لا بأس أن يحمل الجنب المصحف بعلاقته وغير المتوضئ عنده كذلك. وأبى ذلك مالك إلا إن كان في خرج أو تابوت فلا بأس أن يحمله الجنب واليهودي والنصراني.

قال أبو محمد: وهذه تفاريق لا دليل على صحتها، والجواب عما قاله فقوله: فإن الآثار التي احتج بها من لم يجز للجنب مسه ... إلخ ليس كذلك، فإن أكثر الآثار في ذلك صحاح.

منها ما رواه الدارقطني في (( سننه ) )بسند صحيح متصل عن أنس: خرج عمر بن الخطاب متقلدًا السيف فدخل على أخته وزوجها خباب وهم يقرؤون سورة طه، فقالوا: أعطوني الكتاب الذي عندكم فأقرأه، فقالت له أخته: إنك رجس ولا يمسه إلا المطهرون فقم فاغتسل أو توضأ، فقام فتوضأ ثم أخذ الكتاب.

والعجب من أبي عمر بن عبد البر إذ ذكره من سيرة ابن إسحاق، وقال: هو معضل وتبعه على ذلك أبو الفتح القشيري، وهذا أعجب منه.

وقال السهيلي: هو من أحاديث السير إلى آخر ما ذكره من الأحاديث الدالة على حرمة مس المحدث المصحف، وقراءة الجنب القرآن.

ووجه الاستدلال من قول أخت عمر رضي الله عنهما: (( إنك رجس ولا يمسه إلا المطهرون ) )، مع أنه غير مسند أنه لا يقال من قبل الرأي، وقول الصحابي إذا كان كذلك فحكمه الرفع وقولها: (( قم فاغتسل أو توضأ فقام فتوضأ ثم أخذ الكتاب ) )فلعل ذلك كان بعد إسلامه، وإلا فلا فائدة في هذا الوضوء.

ثم قال العيني: والجواب عن الكتاب إلى هرقل أنا نقول به لمصلحة الإبلاغ والإنذار، وأنه لم يقصد به التلاوة.

وأما الجواب عن الآية: بأن المراد بالمطهرين الملائكة، كما قاله قتادة والربيع بن أنس وأنس بن مالك ومجاهد بن جبر وغيرهم.

ونقله السهيلي عن مالك، وأكدوا هذا بقوله: المطهرون ولم يقل: المتطهرون، أن تخصيص الملائكة من بين سائر المطهرين على خلاف الأصل، وكلهم مطهرون والمس والاطلاع عليه إنما هو لبعضهم دون الجميع، انتهى.

وقال القسطلاني: ومنعه الجمهور لقوله تعالى: {لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة:79] من الآدميين، و (( يمسه ) )مجزوم بلا الناهية، وضم السين؛ لأجل الضمير كما صرح به جماعة، وقالوا: إنه مذهب البصريين.

بل قال في (( الدر المصون ) ): إن سيبويه لم يحفظ في مثله إلا الضم، والحمل أبلغ من المس، انتهى.

وأقول: ما ذكره أحد وجهين في تخريج الآية ذكرهما السمين في (( الدر المصون ) )، وقال فيه: وقد ضعف ابن عطية كونه نهيًا بأنه إذا كان خبرًا فهو في موضع الصفة، وقوله بعد ذلك تنزيل صفة أخرى، فإذا جعلناه نهيًا كان أجنبيًا معترضًا بين الصفات، وذلك لا يحسن في وصف الكلام فتدبره، انتهى.

ثم أجاب عن

ج 2 ص 10

تضعيف ابن عطية بما لا يخلو عن تكلف.

والوجه الثاني: وبه صدر (( السمين ) )أن (( لا ) )نافية والضمة في {لَّا يَمَسُّهُ} ضمة إعراب.

قال: وعلى هذا القول ففي الجملة وجهان:

أحدهما: إن محلها الجر صفة لكتاب والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ، والمطهرون حينئذٍ الملائكة أو المراد به المصحف، والمراد بالمطهرين المكلفين كلهم.

والثاني: أن محلها الرفع صفة لقرآن، والمراد بالمطهرين الملائكة فقط؛ أي: لا يطلع عليه أو لا يمس لوحه لابد من أحد هذين التجوزين؛ لأن نسبة المس إلى المعاني متعذر ويؤيد كون (( لا ) )هذه نفيًا قراءة عبد الله {ما يَمَسُّهُ} بـ (( ما ) )النافية، انتهى.

قال في النهي ويمنع الحيض قراءة القرآن، وما لم يبدل من التوراة والإنجيل والزبور، ولو بعض آية عند الكرخي، ورجحه غير واحد.

ونسبه في (( البدائع ) )إلى العامة لما رواه الترمذي وحسنه: (( لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئًا من القرآن ) )، والنكرة في سياق النفي تعم، وأباح الطحاوي في رواية ما دون الآية ورجحه في (( الخلاصة ) )، ونسبه الزاهدي إلى الأكثر لتمكن شبهة عدم القرآنية بعدم جواز الصلاة به.

وأجيب: بأن المنع فيها احتياطًا ولا خلاف أنه إذا قصد الثناء أو افتتاح أمر حل في أصح الروايات، كما لا خلاف في جواز التسمية.

وفي (( العيون ) ): قراءة الفاتحة على وجه الدعاء أو شيئًا من الآيات التي فيها معنى الدعاء ولم يرد القراءة لا بأس به وفي الغاية أنه المختار، واختاره الحلواني، لكن قال الهندواني: لا أفتي به وإن روي عن الإمام.

قال في (( البحر ) ): وهو الظاهر في مثل الفاتحة؛ لأن المباح ما ليس بقرآن، وهذا قرآن حقيقة وحكمًا لفظًا ومعنًى، كيف وهو معجز يقع به التحدي عند المعارضة والعجز عن الإتيان بمثله مقطوع وتغيير المشروع في مثله مردود على فاعله؛ بخلاف الحمد لله بنية الثناء؛ لأن خصوصية القرآنية فيه غير لازمة وإلا لانتفى جواز التلفظ بشيء من الكلمات العربية لاشتمالها على الحروف الواقعة في القرآن.

وليس كذلك إجماعًا، وبهذا يتضح ما في (( الخلاصة ) )من عدم حرمة ما يجري على اللسان عند الكلام من آية قصيرة كقوله: {ثُمَّ انظُرْ} [المائدة:75] انتهى.

ولعامل أن يقول كونه قرآنًا في الأصل لا يمنع عن إخراجه عن القرآنية بالقصد بالنسبة إلى قصد الثناء فالتلازم منفك، نعم ظاهر تقييد صاحب (( العيون ) )بالآيات التي فيها معنى الدعاء.

يفهم أنه ما ليس كذلك كسورة أبي لهب لا يؤثر قصد غير القرآنية في حله، لكني لم أر التصريح به في كلامهم، ولا خلاف في حل الأذكار.

واختلف في دعاء القنوت والفتوى على عدم كراهته، واختلف المتأخرون في تعليم الحائض والجنب، والأصح أنه لا بأس به إذا كان يلقن كلمة كلمة، ولم يكن من مقصده أن يقرأ آية كذا في (( الخلاصة ) ).

قال في (( النهاية ) ): وهذا على قول الكرخي، أما على قول الطحاوي: فيعلم نصف آية.

قال في (( البحر ) ): والأولى أن يقال: ولم يكن من مقصده قراءة القرآن انتهى ملخصًا.

ورواة هذا الحديث ما بين كوفي ومكي، وفيه التحديث بالجمع والإفراد والسماع والعنعنة وأخرجه المؤلف أيضًا في التوحيد، ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه في الطهارة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت