فهرس الكتاب
وبالسند قال:
313 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ) الحجبي البصري (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ) بفتح الحاء المهملة وتشديد الميم (بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ) السختياني (عَنْ حَفْصَةَ) زاد المستملي وكريمة (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) أي: البخاري.
(أَوْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ) بالصرف وتركه من الحسن أو من الحس (عَنْ حَفْصَةَ) قال في (( الفتح ) ): كأنه شك في شيخ حماد أهو أيوب أو هشام، ولم يذكر ذلك باقي الرواة ولا أصحاب المستخرجات ولا الأطراف، وقد أورد المصنف هذا الحديث في كتاب الطلاق بهذا الإسناد فلم يذكر ذلك، انتهى.
(عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نسيبة مصغرًا بنت الحارث كانت تمرض المرضى وتداوي الجرحى وتغسل الموتى من النساء، لها في البخاري خمسة أحاديث (قَالَتْ: كُنَّا نُنْهَى) بالبناء للمفعول وحذف الفاعل للعلم به وهو النبي صلى الله عليه وسلم،
ج 2 ص 28
فله حكم الرفع كما دلت عليه رواية هشام المعلقة المذكورة بعد، وهذا هو السر في ذكرها، قاله في (( الفتح ) ).
(أَنْ تُحِدَّ) بالتاء المثناة فوق للواحدة الغائبة، وهو راجع إلى الواحدة المندرجة في قولها: (( كنا ننهى ) )؛ أي: كل واحدة منا، وفي الفرع: بالنون المضمومة وكسر الحاء، من الإحداد وهو المنع من الزينة.
وقال ابن الملقن: (( نُحِد ) )بضم أوله وكسر ثانية، وبفتح أوله وضم ثانيه رباعيًا وثلاثيًا، يقال: حدت المرأة وأحدت حدادًا وإحدادًا، فهي حاد ومحد، والثاني أكثر في كلام العرب، والأول كان الأولون من النحويين يؤثرونه قاله الفراء في مصادره، وأبي الأصمعي: إلا أحدت ولم يعرف حدت، حكاه في (( المحكم ) ).
وأصل هذه الكلمة المنع ومنه قيل للبواب: حداد؛ لأنه يمنع الدخول والخروج، انتهى.
ولم يتعرض لكون (( نحد ) )بالنون أو بالتاء فظاهر كلامه جوازهما على كلا التقديرين.
(عَلَى مَيِّتٍ) بتشديد الياء ويجوز تخفيفها (فَوْقَ ثَلاَثٍ) أي: ثلاث ليال مع أيامها (إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ) استثناء مفرغ؛ أي: على أحد إلا على زوج دخل بها أو لم يدخل صغيرة كانت أو كبيرة، حرة أو أمة. وعند أبي حنيفة لا إحداد على صغيرة ولا أمة، وفي رواية الحموي والمستملي: ، فالأولى موافقة للفظ: (( نحد ) )بالنون والثانية موافقة للفظ: تحد بالغيبة، أو توجه الثانية أيضًا على رواية النون: بأن الضمير يعود على الواحدة المندرجة في قولها: (( كنا ننهى ) )؛ أي: كل واحدة منا تنهى أن تحد فوق ثلاث إلا على زوجها.
(أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) أي: عشر ليال إذ لو أريد الأيام لقيل: عشرة بالتاء.
قال البيضاوي: تأنيث العشر باعتبار الليالي؛ لأنها غرر الشهور والأيام، ولذلك لا يستعملون التذكير في مثله قط ذهابًا إلى الأيام حتى أنهم يقولون: (( صمت عشرًا ) )، ويشهد له قوله: {إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا} [طه:103] .
وقال في (( الكشاف ) ): لو قلت في مثله عشرة لخرجت عن كلام العرب لا تراهم قط يستعملون التذكير فيه انتهى.
وقال بعضهم: الفرق بين التذكير والتأنيث في الأعداد إنما هو عند ذكر المميز، أما ما لم يذكر فيه المميز فأنت بالخيار بين الإتيان بالتاء وعدمه مطلقًا، انتهى.
أقول: ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: (( من صام رمضان وأتبعه بست من شوال ) )الحديث.
قال العيني: فإن قلت: لم خص الأربعة أشهر والعشر؟ قلت: لأن غالب الحمل تتبين حركته في هذه المدة انتهى.
وقال البيضاوي: ولعل المقتضى لهذا التقدير أن الجنين غالبًا يتحرك في ثلاثة أشهر إن كان ذكرًا، وفي أربعة إن كان أنثى، فاعتبر أقصى الأجلين، وزيد عليه العشرة استظهارًا إذ ربما تضعف حركته في المبادئ فلا يحس بها.
وعموم اللفظ يقتضي تساوي المسلمة والكتابية فيه كما قال الشافعي، والحرة والأمة كما قاله الأصم، والحامل وغيرها، لكن القياس اقتضى تنصيف المدة للأمة والإجماع خص الحامل عنه بقوله تعالى: {وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق:4] ، وعن علي وابن عباس: أنها تعتد بأقصى الأجلين احتياطًا انتهى.
(وَلاَ نَكْتَحِلَ) قال في (( الفتح ) ): بالرفع وبالنصب أيضًا على العطف، و (( لا ) )زائدة، وأكد بها؛ لأن في النهي معنى النفي، انتهى.
وبه يعلم ما في قول الدماميني، وليس معطوفًا على المنصوب المتقدم لفساد المعنى من النظر، إذ لا فساد مع الحكم بزيادة (( لا ) )، نعم وجه الرفع أولى؛ لأنه لا غبار عليه.
(وَلاَ نَتَطَيَّبَ) يجري فيه من وجه الإعراب ما جرى فيما قبله وكذلك قولها: (وَلاَ نَلْبَسَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا) بما يقصد به الزينة (إِلاَّ ثَوْبَ عَصْبٍ) بفتح العين وسكون الصاد المهملتين وبالموحدة آخره.
قال في (( المحكم ) ): هو ضرب من برود اليمن يعصب غزله؛ أي: يجمع ثم يصبغ ثم ينسج، والظاهر أن هذه الأفعال الثلاثة بالنون على رواية النون في: (( نحد ) )، وبالتاء على رواية التاء فيها، وهو صريح عبارة الكرماني حيث قال: تحد؛ أي: المرأة، وفي بعضها: (( نحد ) )بالنون؛ أي: نحن وكذا في نكتحل وأخواته انتهى.
(وَقَدْ رُخِّصَ لَنَا) بالبناء للمفعول، من أنواع الطيب التطيب بالتبخر (عِنْدَ الطُّهْرِ، إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا) لدفع رائحة الدم الكريهة، ولما تستقبله من الصلاة (فِي نُبْذَةٍ) بضم النون وفتحها وسكون الموحدة وبالذال المعجمة؛ أي: قطعة يسيرة (مِنْ كُسْتِ أَظْفَارٍ) قال في (( الفتح ) ): كذا في هذه الرواية.
قال ابن التين: صوابه: قصت ظفار، كذا قال ولم أر هذه في هذه، لكن حكاه صاحب (( المشارق ) )، ووجهه أنه منسوب إلى ظفار مدينة معروفة بسواحل اليمن يجلب إليها القسط الهندي.
وحكي في ضبط ظفار وجهين: كسر أوله وصرفه، أو فتحه والبناء بوزن: قطام، ووقع في رواية مسلم: من قسط أو أظفار، بإثبات (( أو ) )وهي للتخيير.
قال في (( المشارق ) ): القسط بخور معروف وكذلك الأظفار.
ج 2 ص 29
قال في (( البارع ) ): الأظفار ضرب من العطر يشبه الظفر.
وقال صاحب (( المحكم ) ): الظفر ضرب من العطر أسود مغلف من أصله على شكل ظفر الإنسان يوضع في البخور، والجمع أظفار.
وقال صاحب (( العين ) ): لا واحد له والكُسْت بضم الكاف وسكون المهملة بعدها مثناة القسط، قاله المصنف في الطلاق، وكذا قاله غيره.
وحكى الفضل بن سلمة أنه يقال: بالكاف والطاء أيضًا.
قال النووي: ليس القسط والظفر من مقصود التطيب، وإنما رخص فيه للحادة إذا اغتسلت من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة، انتهى.
وقال ابن الملقن: الكُست: بضم الكاف وتاء مثناة فوق في آخره. وروي: بالطاء أيضًا كما حكاه ابن الأثير، وفي مسلم: (( قسط ) )بالقاف والطاء.
وقال ابن الجوزي: في غريبه كشط بالكاف والشين المعجمة والطاء فتحصل فيه أربع لغات، انتهى.
(وَكُنَّا نُنْهَى عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ) وسيأتي ذلك في بابه إن شاء الله تعالى وكذلك بقية مباحث المعتمدة في محله.
(قَالَ) أي: البخاري، وللأصيلي وابن عساكر: (رَوَاهُ) أي: الحديث المذكور، ولابن عساكر: بحذف الضمير، ولأبوي ذر والوقت: (هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ) المتقدم ذكره وسيأتي هذا التعليق موصولًا عند المؤلف في كتاب الطلاق إن شاء الله تعالى.
(عَنْ حَفْصَةَ) بنت سيرين (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) السابق ذكرها (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) ولم يذكر هذا التعليق في رواية المستملي، وفائدة ذكره التنبيه على أن الناهي هو النبي صلى الله عليه وسلم صريحًا فيتضح كونه من قبيل المرفوع.
قال في (( الفتح ) ): وأغرب الكرماني فجوز أن يكون قائل، ورواه حماد بن زيد المذكور أول الباب فلا يكون تعليقًا.
وفي الحديث وجوب الإحداد على ذات زوج على ما تقدم، وفيه دليل على تحريم الكحل على المحدة.
وفي العيني: وإن احتاجت إليه، وجاء في (( الموطأ ) )وغيره عن أم سلمة: (( اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار ) ).
ووجه الجمع أنها إذا لم تجنح إليه لا يجوز لها فعله وإن احتاجت جاز بالليل دون النهار.
وجوزه مالك فيما حكاه الباجي بكحل غير مطيب، وفيه تحريم لبس الثياب المعصفرة.
وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنه لا يجوز للحادة لبس الثياب المعصفرة والمصبوغة، إلا ما صبغ بسواد مما لا يقصد به الزينة بل يعمل للمصيبة واحتمال الوسخ، وفيه: الترخيص للحادة إذا اغتسلت من الحيض بما يزيل الرائحة الكريهة، وفيه: تحريم اتباع النساء الجنائز، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.