وبالسند قال:
314 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى) قال العيني: هو ابن موسى البلخي، وجزم به ابن السكن في روايته عن الفربري.
وقال البيهقي: هو يحيى بن جعفر، وقال الغساني: في تقييد المهمل، قال ابن السكن: يحيى عن ابن عيينة المذكور في باب الحيض هو يحيى بن موسى أي البلخي المعروف بخت كما في الكرماني.
وقال في موضع آخر عنه على سبيل القاعدة الكلية كلما كان للبخاري في هذا الصحيح عن يحيى غير منسوب هو يحيى بن موسى البلخي المعروف: بخَتّ بفتح الخاء المنقوطة وشد المثناة من فوق، ويعرف بالختي وبابن خت أيضًا، كان من خيار المسلمين مات سنة أربعين ومائتين.
وقال: وذكر ابن نصر الكلاباذي أنه يحيى بن جعفر البيكندي يروي عن ابن عيينة
ج 2 ص 30
انتهى.
وقال الكرماني: وفي بعض النسخ التي عندنا هكذا: (( حدثنا يحيى بن جعفر البيكندي حدثنا ابن عيينة ) )انتهى.
أقول: وهذا الاحتمال لا يقتضي طعنًا على البخاري؛ لأن كلًا من يحيى بن موسى الختي، ويحيى بن جعفر البيكندي من رجال الصحيح على شرطه.
(قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنْ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ) نسب إليها لشهرته بها واسم أبيه عبد الرحمن بن طلحة بن الحارث بن طلحة العبدري من رهط صفية زوجته، وله صحبة ولزوجته أيضًا ولأبيها شيبة أيضًا كان خاشعًا بكاء مات سنة سبع وثلاثين ومائة.
(عَنْ أُمِّهِ) صفية بنت شيبة بن عثمان الحجبي (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين رضي الله عنها (أَنَّ امْرَأَةً) زاد في رواية وهيب: (( من الأنصار ) ). قال في (( الفتح ) ): وسماها مسلم في رواية أبي الأحوص عن إبراهيم بن مهاجر أسماء بنت شَكَل _ بالشين المعجمة والكاف المفتوحتين ثم اللام _ ولم يسم أباها في رواية غندر عن شعبة عن إبراهيم.
روى الخطيب في (( المبهمات ) )من طريق يحيى بن سعيد عن شعبة هذا الحديث فقال: أسماء بنت يزيد، وجزم الخطيب بأنها أسماء بنت يزيد بن السكن _ بالمهملة والنون _ الأنصارية التي يقال لها: خطيبة النساء.
وتبعه ابن الجوزي في (( التلقيح ) )والدمياطي وزاد: أن الذي وقع في مسلم تصحيف؛ لأنه ليس في الأنصار من يقال له: شكل، وهو رد للرواية الثابتة بغير دليل، وقد يحتمل أن يكون شكل لقبًا لا اسمًا، والمشهور في المسانيد والجوامع في هذا الحديث: أسماء بنت شكل، كما في مسلم، أو أسماء بغير نسب كما في أبي داود، وكذا في (( مستخرج أبي نعيم ) )من الطريق التي أخرجها منها الخطيب، وحكى النووي في (( شرح مسلم ) )الوجهين من غير ترجيح انتهى.
وأجاب ابن الملقن بجواز تعدد الواقعة، قال: ويؤيده تفريق ابن منده بين الترجمتين وأن ابن سعد والطبراني وغيرهما لم يذكروا هذا الحديث في ترجمة: بنت يزيد، ولم ينفرد مسلم بذلك، فقد أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده وأبو نعيم في (( مستخرجه ) )كما ذكره مسلم سواء انتهى. فسلم ما في (( صحيح مسلم ) )عن الوهم والتصحيف.
(سَأَلَتِ) أي: المرأة (النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ) أي: الحيض (فَأَمَرَهَا) صلى الله عليه وسلم (كَيْفَ تَغْتَسِلُ، قَالَ: خُذِي فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ، فَتَطَهَّرِي بِهَا) قال الكرماني: هو بيان لقوله: (( أمرها ) ). واستشكل بأنه كيف يكون أخذ الفرصة بيانًا للاغتسال وهو إيصال الماء إلى جميع البشرة لا أخذ الفرصة.
وأجاب: بأن السؤال لم يكن عن نفس الاغتسال؛ لأن ذلك معلوم لكل أحد، بل بما كان مختصًا بغسل الحيض فلذلك أجاب به، أو هو جملة حالية لا بيانية انتهى.
قال في (( الفتح ) ): وقد سبقه إلى هذا الجواب الرافعي في (( شرح المسند ) )، وابن أبي جمرة وقوفًا مع هذا اللفظ الوارد مع قطع النظر عن الطريق التي ذكرناها عن مسلم الدالة على أن بعض الرواة اختصر أو اقتصر، انتهى.
وتعقب العيني الكرماني فقال: هذا الجواب غير كاف؛ لأنها سألت عن غسلها من المحيض وليس هذا إلا سؤالًا عن ماهية الاغتسال، فلذلك قال صلى الله عليه وسلم في جوابه إياها فأمرها كيف تغتسل يعني قال لها: (( اغتسلي كذا وكذا ) )، وهذا معناه.
ثم قوله: (( خذي فرصة من مسك ) )ليس بيانًا للاغتسال المعهود.
وقوله: (( لأن ذلك معلوم لكل أحد ) )فيه نظر؛ لأنه يحتمل أن لا يكون معلومًا لها على ما ينبغي، أو كان في اعتقادها: أن الغسل من المحيض خلاف الغسل من الجنابة، فلذلك قالت عائشة رضي الله عنها: (( سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسلها من المحيض ) ).
والأوجه عندي: أن الذي رواه البخاري مختصر من لفظ الحديث، وفيه بيان كيفية الغسل وغيره على ما رواه مسلم: (( أن أسماء سألت عن غسل المحيض فقال: تأخذ إحداكن ماءها وسدرها فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها، فقالت أسماء: وكيف تطهر بها؟ فقال: سبحان الله تطهري بها، فقالت عائشة: كأنها تخفي ذلك، تتبعين أثر الدم ) ).
وسألته عن غسل الجنابة فقال: (( تأخذ ماء فتطهر فتحسن الطهور أو تبلغ الطهور ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تفيض عليها الماء، فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين ) )انتهى.
وأقول: خلاصة ما استوجهه ما ذكره صاحب (( الفتح ) )في قوله: مع قطع النظر، عن الطريقة التي ذكرناها عن مسلم الدالة على أن بعض الرواة اختصر أو اقتصر، فليس ما استوجهه من عندياته كما لا يخفى، والفِرصة بكسر الفاء.
وحكى ابن سيده: تثليثها وبإسكان الراء وإهمال الصاد، قطعة من صوف أو قطن أو جلدة عليها صوف حكاه أبو عبيد وغيره.
قال في (( الفتح ) ): وحكى أبو داود: أن في رواية أبي الأحوص: (( قرصة ) )بالقاف. ووجهه ابن المنذر فقال: يعني شيئًا يسيرًا مثل القرصة بطرف الإصبعين، انتهى.
ج 2 ص 31
ووهم من عزا هذه الرواية للبخاري.
وقال ابن قتيبة: هي قَرضة بفتح القاف وبالضاد المعجمة، و (( من ) )في قوله: (( من مسك ) )للتبعيض، والمِسك بكسر الميم دم الغزال، وروي بفتحها.
قال القاضي عياض: وهي رواية الأكثرين وهو الجلد؛ أي: خذي قطعة منه وتحملي بها لمسح القبل.
قال في (( الفتح ) ): واحتج ابن قتيبة لفتح الميم، بأنهم كانوا في ضيق يمتنع معه أن يمتهنوا المسك مع غلاء ثمنه، وتبعه ابن بطال.
وفي (( المشارق ) )أن أكثر الروايات بفتح الميم، ورجح النووي الكسر وقال: الرواية الأخرى وهي قوله: فرصة ممسكة تدل عليه وفيه نظر؛ لأن الخطابي قال: يحتمل أن يكون المراد بقوله: ممسكة؛ أي: مأخوذة باليد يقال: أمسكته ومسكته، لكن يبقى الكلام ظاهره البركة؛ لأنه يصير هكذا: خذي قطعة مأخوذة.
وقال الكرماني: صنيع البخاري يشعر بأن الرواية عنده بفتح الميم حيث جعل للأمر بالطيب بابًا مستقلًا، انتهى.
وتعقبه في (( الفتح ) )فقال: اقتصار البخاري في الترجمة على بعض ما دلت عليه لا يدل على نفي ما عداه، ويقوي رواية الكسر، وأن المراد التطيب ما في رواية عبد الرزاق حيث وقع عنده من ذريرة وما استبعده ابن قتيبة من امتهان المسك ليس ببعيد لما عرف من شأن أهل الحجاز من كثرة استعمال الطيب، وقد يكون المأمور به من يقدر عليه، انتهى.
(قَالَتْ) أي: المرأة المختلف في اسمها (كَيْفَ أَتَطَهَّرُ؟) بها (فَقَالَ) عليه السلام متعجبًا من خفاء ذلك عليها (سُبْحَانَ اللهِ، تَطَهَّرِي) ولابن عساكر: فلم تفهم المراد أيضًا (قَالَتْ: كَيْفَ؟) من غير ذكر (( أتطهر ) ) (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (سُبْحَانَ اللَّهِ) تعجبًا من عدم فهمها تطهري، و (( سبحان الله ) )هنا ثابت في جميع النسخ، وأما التي قبلها فهي ثابتة في بعض النسخ ساقطة من بعضها.
قال العيني: وزاد في الرواية الآتية: (( ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم استحيا فأعرض بوجهه ) ).
وفي رواية الإسماعيلي: (( فلما رأيته يستحيي علمتها ) )، وزاد الدارمي: (( وهو يسمع ولا ينكر ) )يعني أن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (( تطهري بها ) )امسحي بها فرجك فاستحيا صلى الله عليه وسلم أن يصرح لها بذلك فلذا.
(قَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها لإفهامها (فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيَّ) بتقديم الموحدة على الذال المعجمة، وفي رواية: بتقديم الذال (فَقُلْتُ) لها: (تَتَبَّعِي) بتائين مفتوحتين وباء مشددة مفتوحة (بِهَا) أي: بالفرصة (أَثَرَ الدَّمِ) أي: ما أصابه الدم من الفرج أو غيره، وهو المراد بـ (( تطهري ) ).
وقال النووي: المراد به عند العلماء الفرج.
وقال المحاملي: يستحب لها أن تتطيب في كل موضع أصابه الدم من بدنها، قال: ولم أره لغيره، ويؤيد ما قال المحاملي: رواية الإسماعيلي: (( تتبعي بها مواضع الدم ) ).
وقال الكرماني: ظاهر الحديث حجة له. وفي الحديث: استحباب استعمال الطيب للمغتسلة من حيض أو نفاس، واختلف في وقت استعمالها لذلك قال بعضهم: بعد الغسل، وآخرون قبله، كما في العيني.
وفيه: استعمال الكنايات فيما يتعلق بالعورات، وفيه: الاكتفاء بالتعريض والإشارة في الأمور المستهجنة، وتكرير الجواب إذا لم يفهم السائل، وفيه: تفسير كلام العالم بحضرته لمن خفي عليه إذا عرف أن ذلك يعجبه.
وفيه: صحة العرض على المحدث إذا أقر ما عرض عليه ولم يرده وإن لم يقل نعم، وفيه: عدم اشتراط فهم السامع لجميع ما يسمعه في صحة التحمل، وفيه: الحث على النظافة في الثوب والبدن لأمره المرأة بالتطيب لإزالة الرائحة الكريهة. وفيه: الرفق بالمتعلم ولا سيما إذا كان بطيء الفهم، وفيه: حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم وعظيم حلمه وحيائه، وفيه: الأخذ عن المفضول مع وجود الفاضل.
وقد أخرجه المؤلف في الطهارة والاعتصام، وكذا مسلم والنسائي.