فهرس الكتاب

الصفحة 535 من 1465

وبالسند قال:

316 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التبوذكي قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدني نزيل بغداد، روى في باب تفاضل أهل الإيمان عن صالح عن الزهري وهاهنا عن الزهري بلا واسطة. قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) الزهري (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزبير (أَنَّ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (قَالَتْ: أَهْلَلْتُ) أي: أحرمت ورفعت صوتي بالتلبية (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ) وللأصيلي: (صلى الله عليه وسلم فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَكُنْتُ مِمَّنْ تَمَتَّعَ) .

قال العيني: فيه التفات من المتكلم إلى الغائب؛ لأن أصله أن يقال ممن تمتعت، ولكن ذكر باعتبار لفظ: (( من ) )انتهى. وتبعه على ذلك القسطلاني.

وأقول: والذي يظهر أن ذلك ليس من الالتفات في شيء؛ لأن شرطه كما ذكره في المطول أن يكون التعبير الثاني على خلاف مقتضى الظاهر والضمير في (( تمتع ) )ليس كذلك؛ لأنه راجع إلى (( من ) )وهو مقتضى الظاهر.

قال في المطول: فلو لم يعتبر هذا القيد لدخل في هذا التفسير أشياء ليست من الالتفات منها نحو: أنا زيد، وأنت عمرو، وأنت الذي فعل كذا، ونحن اللذون صبحوا الصباحا، ونحو ذلك مما عبر عن معنى واحد تارة بضمير المتكلم أو المخاطب، وتارة بالاسم المظهر أو ضمير الغائب إلى أن قال: فإنه لا التفات في ذلك؛ لأن حق العائد إلى الموصول أن يكون بلفظ الغيبة، وما سبق إلى بعض الأوهام من أن نحو: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [التحريم:6] من باب الالتفات والقياس: آمنتم، فليس بشيء، انتهى ملخصًا.

(وَلَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ) بفتح الهاء وسكون المهملة، أو تخفيف الياء، أو بكسر المهملة وتشديد الياء اسم لما يهدى إلى مكة من الأنعام. وفي العيني: قال الكرماني: قوله: (( ولم يسق الهدي ) )كالتأكيد لبيان التمتع

ج 2 ص 33

إذ المتمتع لا يكون معه الهدي قلت: المتمتع على نوعين: أحدهما: أنه يسوق الهدي معه، والآخر: لا يسوق وحكمهما يختلف كما ذكر في فروع الفقه.

قال عروة: (فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ، وَلَمْ تَطْهُرْ مِنْ حَيْضِهَا حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ) قال العيني: إنما لم يقل: فقالت؛ لأنها لم تتكلم به صريحًا إذ هو مما يستحيا في تصريحه، انتهى.

أقول: ربما ينافي هذا ما مر في باب: تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف. أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل عليها بسرف وهي تبكي، فقال: (( لعلك نفست؟ ) )قالت: نعم. والقصة واحدة.

وقوله: (( حتى دخلت ليلة عرفة ) )غاية لقوله: (( لم تطهر ) ).

قال في (( المصابيح ) ): قال ابن المنير: فيه دليل: على أن حيض عائشة كان ثلاثة أيام خاصة؛ لأنه عليه السلام دخل مكة في الخامس من ذي الحجة، فحاضت يومئذ وطهرت يوم عرفة، انتهى.

فإن قلت: ليس في الحديث أنها حاضت يومئذ فلا دليل فيه قلت: في باب: كيف تهل الحائض بالحج والعمرة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من أحرم بعمرة ... ) )إلى آخر كلامه، قالت: (( فحضت ) )، ففيه دليل على أن حيضها كان بفور القدوم إلى مكة، قالت: (( فلم أزل حائضًا حتى كان يوم عرفة ) )فانظره، انتهى.

وفيه: أنه إذا كان ابتداء حيضها يوم الخامس وطهرها يوم عرفة تكون أيام حيضها أربعة لا ثلاثة، اللهم إلا أن يقال: لعل الدم طرقها في أثناء يوم الدخول، فلما لم يكن يومًا كاملًا ألغاه.

(فَقَالَتْ) عائشة بفاء العطف، وللأصيلي وابن عساكر: بإسقاطها (يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ لَيْلَةُ عَرَفَةَ) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: وفي بعض النسخ: ، قال الدماميني: أي: هذا الوقت.

(وَإِنَّمَا كُنْتُ تَمَتَّعْتُ بِعُمْرَةٍ؟) أي: وأنا حائض، وهو تصريح بما علم ضمنًا إذ التمتع هو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج من مسافة القصر من الحرم، ثم يحرم بالحج في سنة تلك العمرة بلا عود إلى ميقات، وبعد هذا الكلام مقدر؛ أي: تمتعت بعمرة وأنا حائض، كذا في العيني.

(فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: انْقُضِي رَأْسَكِ) بضم القاف، وفي بعض الروايات: بالفاء، وهو على تقدير مضاف؛ أي: شعر رأسك (وَامْتَشِطِي) أي: رجِّلي شعر رأسك بالمشط (وَأَمْسِكِي) بقطع الهمزة (عَنْ عُمْرَتِكِ) قال العيني: ظاهر هذا الحديث: أن عائشة رضي الله عنها أحرمت بعمرة أولًا، وهو صريح حديثها الآتي في الباب بعد، لكن قولها في الحديث الذي مضى: (( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذكر إلا الحج يخالفه ) ).

وقد اختلفت الروايات عن عائشة فيما أحرمت به اختلافًا كثيرًا كما ذكره القاضي عياض، ففي رواية عروة: (( فأهللنا بعمرة ) )، وفي رواية أخرى: (( ولم أهل إلَّا بعمرة ) )، وفي رواية: (( لا نذكر إلا الحج ) )وفي أخرى: (( لا نرى إلا الحج ) )وفي رواية القاسم عنها: (( لبينا بالحج ) )، وفي أخرى: (( مهلين بالحج ) ).

واختلف العلماء في ذلك، فمنهم من رجح روايات الحج وغلط روايات العمرة، وإليه ذهب إسماعيل القاضي، ومنهم من جمع لثقة رواتها بأنها أحرمت أولًا بالحج، ولم تسق الهدي فلما أمر الشارع من لم يسق الهدي بفسخ الحج إلى العمرة إن شاء فسخت هي فيمن فسخَ وجعلته عمرة وأهلت بها، ثم إنها لم تحل منها حتى حاضت فتعذر عليها إتمامها والتَّحلل منها فأمرها أن تحرم بالحج، فأحرمت فصارت قارنة ووقفت وهي حائض ثم طهرت يوم النحر فأفاضت.

ثم قال: إن ظاهر قولها: (( يا رسول الله هذه ليلة عرفة ... إلخ ) )يدل على أنه صلى الله عليه وسلم أمرها برفض عمرتها، وأن تخرج منها قبل إتمامها.

وفي (( التوضيح ) ): وبه قال الكوفيون في المرأة تحيض قبل الطواف وتخشى فوات الحج أنها ترفض العمرة.

وقال الجمهور: أنها تردف الحج وتكون قارنة، وبه قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأبو ثور، وجملة بعض المالكية على أنه صلى الله عليه وسلم أمرها بالإرداف لا بنقض العمرة واعتذروا عن هذه الألفاظ بتأويلات:

أحدها: أنها كانت مضطرة إلى ذلك فرخص لها كما رخص لكعب بن عجرة في الحلق للأذى.

ثانيها: أنه خاص بها.

ثالثها: أن المراد بالنقض والامتشاط تسريح الشعر لغسل الإهلال بالحج ولعلها كانت لبدت رأسها ولا يتأتى إيصال الماء إلى البشرة مع التلبيد إلا بحل الظفر والتسريح، انتهى.

(فَفَعَلْتُ) أي: النقض والامتشاط والإمساك عن عمرتي. قال في (( الفتح ) ): قيل: ليس فيه دليل على الترجمة، قاله الداودي ومن تبعه قالوا: لأن أمرها بالامتشاط كان للإهلال وهي حائض لا عند غسلها.

والجواب: أن الإهلال بالحج يقتضي الاغتسال؛ لأنه من سنة الإحرام، وقد ورد الأمر بالاغتسال صريحًا في هذه القصة فيما خرجه مسلم من طريق الزبير عن جابر ولفظه: (( فاغتسلي ثم أهلي بالحج ) ).

فكأن البخاري جرى على عادته في الإشارة إلى ما تضمنه بعض طرق الحديث وإن لم يكن منصوصًا فيما ساقه، ويحتمل أن يكون

ج 2 ص 34

الداودي أراد بقوله: لا عند غسلها؛ أي: من المحيض ولم يرد نفي الاغتسال مطلقًا والحامل له على ذلك ما في (( الصحيحين ) )أن عائشة إنما طهرت من حيضها يوم النحر فلم تغتسل يوم عرفة إلا للإحرام.

وأما ما وقع في مسلم من طريق مجاهد عن عائشة: (( أنها حاضت بسرف وتطهرت بعرفة ) )، فهو محمول على غسل الإحرام جمعًا بين الروايتين وإذا ثبت أن غسلها إذ ذاك كان للإحرام استفيد معنى الترجمة من دليل الخطاب لأنه إذا جاز لها الامتشاط في غسل الإحرام وهو مندوب كان جوازه لغسل المحيض وهو واجب أولى انتهى.

(فَلَمَّا قَضَيْتُ) أي: أديت (الْحَجَّ) الذي أمرني بإدخاله على العمرة (أَمَرَ) صلى الله عليه وسلم (عَبْدَ الرَّحْمَنِ) بن أبي بكر رضي الله عنهما (لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ) بفتح الحاء وسكون الصاد المهملتين وموحدة، وهي الليلة التي نزلوا فيها بالمحصب موضع بين مكة ومنى، كانوا ينزلون فيه بعد النفر من منى (فَأَعْمَرَنِي) بقطع الهمزة؛ أي: كان سببًا في اعتماري فهو مجاز عقلي من إسناد الفعل إلى سببه كقوله تعالى: {يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ} [القصص:4] ، ويروى: (( فاعتمر بي ) ).

(مِنَ التَّنْعِيمِ) موضع على فرسخ من مكة من جهة المدينة وهو أدنى الحل إلى مكة، وفيه مسجد عائشة رضي الله عنها (مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي نَسَكْتُ) أي: التي أحرمت بها وأردت الإتيان بها منفردة غير داخلة في ضمن الحج لكن منعني الحيض عن الإتيان بها متفرقة.

قال في (( الفتح ) ): وفي رواية أبي زيد المروزي: سكت بحذف النون وتشديد آخره، من السكوت؛ أي: سكت عنها وللقابسي بمعجمة والتخفيف والضمير فيه راجع إلى عائشة على سبيل الالتفات، وفي السياق التفات آخر بعد التفات وهو ظاهر للمتأمل انتهى.

وكأنه يشير إلى ما مر عن العيني، وقد تقدم رده وإنما أمر لها بالعمرة بعد الفراغ وهي قد كانت حصلت لها مندرجة مع الحج تطييبًا لخاطرها لقصدها عمرة منفردة كما حصل لسائر أزواجه عليه الصلاة والسلام وغيرهن من أصحابه الذين فسخوا الحج إلى العمرة ثم أحرموا بالحج فحصل لهم عمرة منفردة قبل الحج.

ثم حج منفرد ولم يحصل لها إلا عمرة مندرجة في حجة القران فاعتمرت بعد ذلك مكان عمرتها التي كانت أرادت أولًا حصولها قبل الحج منفردة غير مندرجة، ومنعها الحيض وإنما فعلت ذلك حرصًا على كثرة العبادة هذا ملخص ما نقله العيني عن النووي.

ثم تعقبه بقوله: قلت: المشهور أن عائشة كانت مفردة بالحج وأنه صلى الله عليه وسلم أمرها برفض العمرة، وقولها في الحديث وأرجع بحجة واحدة دليل واضح على ذلك وقولها: (( ترجع صواحبي بحجة وعمرة وأرجع أنا بالحج ) )صريح في رفض العمرة إذ لو أدخلت الحج على العمرة كانت هي وغيرها سواء، ولما احتاجت إلى عمرة أخرى بعد العمرة والحج اللذين فعلتهما.

وقوله صلى الله عليه وسلم في عمرتها الأخيرة: (( بهذه مكان عمرتك ) )صريح في أنها خرجت من عمرتها الأولى ورفضتها إذ لا تكون الثانية مكان الأولى إلا والأولى مفقودة.

وفي بعض الروايات: (( هذه قضاء من عمرتك ) )فإن قلت: قال البيهقي: معنى قوله: (( ودعي العمرة ) )أمسكي عن أفعالها وأدخلي عليها الحج، قلت: هذا خلاف حقيقة دعي العمرة بل حقيقته أنه أمرها برفض العمرة بالحج.

وقوله: (( انقضي رأسك وامتشطي ) ): يدل على ذلك ويدفع تأويل البيهقي بالإمساك عن أفعال العمرة إذ المحرم ليس له أن يفعل ذلك فإن قلت: قال الشافعي: لا نعرف في الشرع رفض العمرة بالحيض، قلت: قال القدوري (( في التجريد ) ): ما رفضتها بالحيض لكن تعذرت أفعالها وكانت ترفضها بالوقوف فأمرها بتعجيل الرفض انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت