وبالسند قال:
372 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) بفتح المثناة التحتية وبميم ونون بينهما ألف هو الحكم بن نافع (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) بن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيّ) ابن شهاب (ِقَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزبير (عن) خالته (عَائِشَةَ) رضي الله عنها.
(قَالَتْ: لَقَدْ) باللام الموطئة للقسم (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي الْفَجْرَ) ومثل هذا التركيب يفيد التكرار عرفًا (فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ) بالمثناة التحتية، وفي رواية: بحذف الفاء، وفي رواية: بإلحاق نون الإناث مع إسناده للظاهر، وفي رواية: والنساء جمع أو اسم جمع لا واحد له من لفظه، بل من معناه وهو امرأة.
(مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ، مُتَلَفِّعَاتٍ) بالفاء المشددة والعين المهملة؛ أي: مغطيات الرؤوس والأجساد، وهو حال من النساء لوضعهن بالجار والمجرور، وللأصيلي: بالرفع نعت لنساء، وللأصيلي في غير الفرع: بفائين أولاهما مشددة.
قال في (( المصابيح ) ): ومعناهما واحد أو متقارب.
وفي العيني: قال الأصمعي: التلفع بالثوب: أن يشتمل به حتى يجلل به جسده، وهذا اشتمال الصماء عند العرب؛ لأنه لم يرفع جانبًا منه فيكون فيه فرجة، وهو عند الفقهاء مثل الاضطباع إلا أنه في ثوب واحد.
وفي (( شرح الموطأ ) ): التلفع: أن يلقي الثوب على رأسه، ثم يلتف به لا يكون الالتفاع إلا بتغطية الرأس، وقد أخطأ من قال: الالتفاع مثل الاشتمال، وأما التلفف فيكون مع تغطية الرأس وكشفه. انتهى ملخصًا.
(فِي مُرُوطِهِنَّ) بضم الميم جمع مِرط بكسرها.
وفي العيني: قال القزاز: المرط ملحفة يتزر بها، والجمع: أمراط ومروط، وقيل: يكون المرط كساء من خز أو صوف أو كتان.
وعن النضر بن شميل: ما يقتضي أنه خاص بالنساء، وقيل: هي أردية واسعة، وقيل: أنه الملحفة أو الإزار أو الثوب الأخضر.
وقال عبد الملك في (( شرح الموطأ ) ): هو كساء صوف رقيق خفيف مربع، كانت النساء في الزمان الأول يتَّزرن به ويتلفعن.
(ثُمَّ يَرْجِعْنَ) أي: من صلاة الفجر في المسجد (إِلَى بُيُوتِهِنَّ، مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ) قال في (( الفتح ) ): زاد في المواقيت: (( من الغلس ) )وهو يعين أحد الاحتمالين هل عدم المعرفة بهن لبقاء الظلمة أو لمبالغتهن في التغطية؟. انتهى.
يعني: فعلى الأول يستفاد استحباب أداء الصلاة أول الوقت قبل الإسفار، وعلى الثاني يستفاد استحباب الإسفار، وهل المعنى لا يعرفن بأعيانهن من هذه مثلًا أو غيرها، أو لا يعرفن هل هن نساء أو رجال، وإنما يرين أشباحًا فقط؟.
استوجه العيني الثاني،
ج 2 ص 142
واستبعد الأول.
قال في (( الفتح ) ): وقد اعترض على استدلال المصنف بهذا الحديث على جواز صلاة المرأة في الثوب الواحد بأن التلفع المذكور يحتمل أن يكون فوق ثياب أخرى.
والجواب عنه: بأنه تمسك بأن الأصل عدم الزيادة على ما ذكر على أنه لم يصرح فيها بشيء إلا أن اختياره يؤخذ في العادة من الآثار التي يودعها في الترجمة.
وقال العيني: احتج بهذا الحديث مالك والشافعي وأحمد وإسحاق أن الأفضل في صلاة الصبح التغليس.
ولنا أحاديث كثيرة في هذا الباب رويت عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم منهم:
رافع بن خديج: روى أبو داود عن محمود بن لبيد عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أصبحوا بالصبح فإنه أعظم لأجركم، أو: أعظم للأجر ) ). ورواه الترمذي أيضًا، وقال: حديث حسن صحيح، ورواه النسائي، وابن ماجه أيضًا.
قوله: (( أصبحوا بالصبح ) )أي: نوروا به، ويروى: (( أصبحوا بالفجر ) ).
ورواه ابن حبان في (( صحيحه ) )ولفظه: (( أسفروا بصلاة الصبح، فإنه أعظم للأجر ) )، وفي لفظ: (( فكلما أصبحتم بالصبح فإنه أعظم لأجركم ) ). وفي لفظ للطبراني: (( فكلما أسفرتم بالفجر فإنه أعظم للأجر ) ).
ومنهم: محمود بن لبيد، روى حديثه أحمد في (( مسنده ) )نحو رواية أبي داود، ولم يذكر رافع بن خديج.
ومنهم: بلال، روى حديثه البزار في (( مسنده ) )نحو حديث رافع، وفيه أيوب بن سيار، قال البزار: فيه ضعف.
ومنهم: قتادة بن النعمان، روى حديثه الطبراني في (( معجمه ) )نحوه، ورواه البزار أيضًا.
ومنهم: ابن مسعود، روى الطبراني عنه مرفوعًا نحوه.
ومنهم: أبو هريرة، روى حديثه ابن حبان عنه مرفوعًا نحوه.
ومنهم: رجال من الأنصار، أخرج حديثهم النسائي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( أسفروا بالصبح فإنه أعظم للأجر ) ).
ومنهم: أبو هريرة وابن عباس، أخرج حديثهما الطبراني: (( لا تزال أمتي على الفطرة ما أسفروا بالفجر ) ).
ثم ذكر حديث أبي الدرداء وحواء الأنصارية بنحو ما تقدم، ثم قال: فإن قلت: قد قال ابن حزم: خبر الأمر بالإسفار صحيح إلا أنه لا حجة لكم فيه إذا أضيف إلى الثابت من فعله صلى الله عليه وسلم في التغليس حتى إنه ينصرف النساء لا يعرفن.
قلت: الثابت من فعله صلى الله عليه وسلم في التغليس لا يدل على الأفضلية؛ لأنه يجوز أن يكون غيره أفضل منه، وإنما فعل ذلك للتوسعة على أمته بخلاف الخبر الذي فيه الأمر؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم: (( أعظم للأجر ) )أفعل تفضيل، فيقتضي أجرين: أحدهما أكمل من الآخر؛ لأن صيغته تقتضي المشاركة في الأصل مع رجحان أحد الطرفين، فحينئذ يقتضي هذا الكلام حصول الأجر في الصلاة بالغلس، ولكن حصوله في الإسفار أعظم وأكمل منه إلى آخر ما أطال به رحمه الله تعالى، فليراجع لمريد الاطلاع، وعبارته المنقولة هنا ملخصة أيضًا.